آراءأبرزمقالات

في زمن الإبادة والتصفية.. الانتخابات الفلسطينية ساحة نضال لتغيير الواقع لا التكيّف معه [أحمد مراد]

في زمنٍ تتعرض فيه فلسطين لأقسى محاولات الإبادة والتصفية والاقتلاع، لا تملك الإرادة الوطنية ترف الانقسام أو الارتهان. وبين عدوان يستهدف الأرض والإنسان والمشروع الوطني، يصبح كل استحقاق سياسي ميداناً لاختبار القدرة على تحويل أدوات النضال إلى قوة لحماية الوحدة والقرار الوطني وتغيير الواقع، لا التكيّف معه.

وفي هذا السياق ، تأتي الدعوة إلى إجراء الانتخابات الفلسطينية في لحظة وطنية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها حرب الإبادة والعدوان المتواصل مع مشاريع التهجير والاقتلاع ومحاولات إعادة تشكيل الواقع الفلسطيني سياسياً وجغرافياً. لذلك، لا يمكن التعامل مع الانتخابات باعتبارها استحقاقاً ديمقراطياً دورياً فحسب، بل بوصفها محطة سياسية ووطنية تطرح أسئلة جوهرية حول توقيتها وأهدافها وشروطها ومخرجاتها: هل تكون مدخلاً لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة والديمقراطية، وتعزيز وحدة الشعب والقرار الوطني، أم تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام وتكريس موازين القوى القائمة؟

وتتباين دوافع الأطراف الفلسطينية في التعامل مع هذا الاستحقاق؛ فمنها من يراه فرصة لتجديد الشرعيات وإعادة تفعيل المؤسسات، ومنها من ينظر إليه مدخلاً لاستعادة الحضور السياسي وتوسيع التمثيل، فيما تتجه قوى أخرى إلى بناء تحالفات وقوائم انتخابية بهدف التأثير في موازين القوى. وهذا التباين في الحسابات السياسية والتنظيمية أمر طبيعي في أي عملية انتخابية، لكنه لا ينبغي أن يحجب جوهر المسألة: أن تكون الانتخابات في خدمة المصلحة الوطنية العليا، لا ساحة للصراع على النفوذ أو وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام.

وتبرز، في هذا السياق، تساؤلات مشروعة حول توقيت الإعلان عن إجراء الانتخابات، خصوصاً أن هذا الإعلان يتزامن مع تحركات ومشاريع إقليمية ودولية تتناول مستقبل قطاع غزة، وتسعى إلى بلورة ترتيبات سياسية وأمنية تتصل بمستقبله وموقعه ضمن النظام السياسي الفلسطيني. ومن هنا، تكتسب مسألة استقلال القرار الوطني أهمية استثنائية؛ إذ يجب ألا تكون الانتخابات جزءاً من ترتيبات تُفرض من الخارج، أو مدخلاً لإعادة إنتاج الوصاية على القرار الفلسطيني. فمستقبل قطاع غزة، كما مستقبل الضفة الغربية والقدس والقضية الفلسطينية برمتها، يجب أن يصنعه الشعب الفلسطيني بإرادة وطنية حرة وجامعة، بعيداً عن الإملاءات والتدخلات الخارجية.

وانطلاقاً من ذلك، ينبغي أن تُفهم الانتخابات ضمن مسار وطني شامل يعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية باعتبارها قضية تحرر وطني، ويعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة العدوان ومشاريع التصفية والتهجير والضم والاستيطان. وتبقى الأولوية الوطنية في هذه المرحلة وقف حرب الإبادة والعدوان، وحماية الشعب الفلسطيني، وإفشال مشاريع اقتلاعه وتهجيره، والحفاظ على وحدة قضيته ومشروعه الوطني، ومنع استثمار العدوان في فرض وقائع سياسية وجغرافية جديدة.

وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل أي استحقاق سياسي عن ضرورة صون وحدة الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، ووحدة الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة ضمن مشروع وطني واحد، بما يحول دون تحويل الجغرافيا الفلسطينية إلى كيانات منفصلة أو التعامل مع أي جزء منها باعتباره قضية مستقلة. كما تبرز ضرورة الحفاظ على وحدانية منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الإطار الوطني الجامع والممثل للشعب الفلسطيني، مع العمل على إصلاح مؤسساتها وتفعيلها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها لتشمل مختلف القوى والاتجاهات والمكونات الوطنية، على أساس الشراكة الديمقراطية والتعددية، وإنهاء نهج التفرد والاستئثار بالقرار.

غير أن إجراء الانتخابات في ظل الاحتلال والعدوان يفرض تحديات جدية، تتعلق بإمكان ضمان ممارسة الفلسطينيين حقهم الانتخابي بحرية في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس، وبمشاركة الفلسطينيين في الشتات، فضلاً عن مخاطر التدخلات والضغوط الخارجية وفرض شروط سياسية مسبقة على العملية الانتخابية. ولذلك، فإن أي انتخابات وطنية حقيقية تحتاج إلى ضمانات واضحة تكفل عدم الإقصاء، والمشاركة المتكافئة، واحترام إرادة الناخبين، وتحول دون استخدام القانون أو المؤسسات لتصفية الحسابات السياسية أو تكريس الانقسام.

ومن هنا، لا يقوم الموقف الوطني من الانتخابات على رفضها من حيث المبدأ، ولا على اعتبارها غاية مستقلة عن الصراع الوطني، وإنما على ربطها بأهدافها وشروطها ومخرجاتها. فالانتخابات المطلوبة هي التي تفتح الطريق أمام إصلاح النظام السياسي على قاعدة الشراكة والديمقراطية، وتجديد شرعية المؤسسات، وإنهاء الانقسام، وإعادة صياغة القرار الوطني بصورة جماعية ومستقلة، بما يعزز قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة الاحتلال ومشاريع التصفية والتهجير.

وفي هذا السياق، فإن المشاركة في الانتخابات لا تعني منح الشرعية للواقع السياسي القائم، ولا التسليم بموازين القوى التي أفرزها الانقسام، وإنما تمثل، وفق هذه الرؤية، خطوة نضالية وسياسية في معركة أوسع لتغيير هذا الواقع وإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على أسس وطنية وديمقراطية. فالانتخابات ليست بديلاً عن المقاومة والنضال الوطني، وإنما إحدى ساحاتهما وأدواتهما، متى جرى توظيفها لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني، وتوسيع مشاركته السياسية، وحماية قراره المستقل، وترسيخ الشراكة الوطنية.

وعليه، فإن القيمة الحقيقية للانتخابات لا تُقاس بعدد المقاعد التي تحصل عليها القوى السياسية، وإنما بقدرتها على توحيد الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وصون وحدة الضفة والقدس وقطاع غزة، وتجديد شرعية المؤسسات، وتعزيز القرار الوطني المستقل، وحماية الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف، وفي مقدمتها التحرير والعودة وتقرير المصير. وبذلك، تصبح الانتخابات وسيلة من وسائل النضال الوطني ومحطة لتعزيز الوحدة والشراكة، لا أداة لإعادة إنتاج الانقسام أو احتكار القرار.

وفي ظل هذه التحديات، وتباين الأجندات، وتشابك الضغوط الإقليمية والدولية، يبقى السؤال الذي تفرضه المرحلة: هل ستُجرى الانتخابات الفلسطينية في موعدها المعلن؟ وهل ستتمكن الإرادة الوطنية الفلسطينية من حماية هذا الاستحقاق من أن يتحول إلى ورقة في حسابات الآخرين؟ اسئلة برسم الأيام والأسابيع المقبلة، التي ستكشف مدى قدرة القوى الفلسطينية على تغليب المصلحة الوطنية العليا وصون القرار المستقل، وتحويل الانتخابات إلى ساحة فعل وطني تعزز الوحدة والشراكة، وتفتح الطريق أمام تغيير الواقع السياسي، لا التكيّف معه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى