
بقلم: أحمد مراد
في الذكرى السنوية الثانية لملحمة طوفان الأقصى، نستعيد تلك اللحظات الأولى التي دوّى فيها صوت فلسطين عالياً، وانكسر معها صمت العالم أمام شعبٍ طالما حُكم عليه بالانتظار، وعانى على امتداد عقودٍ من الاحتلال والقهر والحصار والاقتلاع. نستعيد الساعات الأولى من السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، حين تحوّلت صرخة المظلومين إلى حدثٍ مفصلي هزّ أركان المنظومة الصهيونية، وأعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد العالمي، وأثبت أن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُمحى، وأن الحق الفلسطيني، مهما اشتدّ عليه الحصار، عصيٌّ على الانكسار.
لم تكن طوفان الأقصى حدثاً عابراً في مسيرة شعبنا الكفاحية، بل شكّلت لحظةً فارقةً في تاريخ الصراع، كشفت هشاشة القوة الصهيونية، وأسقطت أوهام التفوق المطلق، وأعادت التأكيد أن شعبنا الفلسطيني ليس رقماً في معادلات السياسة، ولا قضيةً قابلةً للتصفية أو النسيان، بل شعبٌ يمتلك إرادته وحقه في الحرية وتقرير المصير والعودة.
لكن الرد الصهيوني جاء بحرب إبادة وحشية استهدفت قطاع غزة بكل ما فيه؛ البشر والشجر والحجر، ودمرت البيوت والمستشفيات والمدارس، وسعت إلى تحويل الحياة ذاتها إلى ركام، في واحدة من أبشع الجرائم التي هزّت الضمير الإنساني العالمي. وقد جرت هذه الإبادة بغطاءٍ سياسي وعسكري واقتصادي مباشر من القوى الاستعمارية الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها، الذين وفّروا للكيان الصهيوني مختلف أشكال الدعم والحماية، وأسهموا في إطالة أمد العدوان وتعطيل إرادة المجتمع الدولي في وقف المجازر.
وفي مواجهة آلة الموت والدمار، سطّر شعبنا الفلسطيني ومقاوموه الأبطال ملاحم استثنائية من الصمود والثبات والتضحية والإبداع، أذهلت العالم، وأثبتت أن إرادة الحياة أقوى من كل أدوات الإبادة، وأن الشعوب التي تناضل من أجل حريتها لا تُهزم. ورغم كل ما قُدّم من تضحيات، ورغم المرونة التي أبدتها المقاومة في سبيل وقف حرب الإبادة، ما زالت فصول العدوان تتواصل بفعل المماطلة والتسويف الصهيوني، المدعوم أميركياً، فيما تتواصل حرب التصفية والاقتلاع والمصادرة والاستيطان والاعتقالات والإعدامات الميدانية والتطهير العرقي والتوسع والضم وانتهاك المقدسات في الضفة الغربية والقدس.
ورغم سيل الدم الذي لم يتوقف، فإن شعبنا استطاع بصموده وتضحياته أن يُحدث تحولاً نوعياً في الرأي العام العالمي؛ فباتت فلسطين حاضرةً في ساحات العالم وشوارعه، وارتفعت راياتها، وصدحت الحناجر المطالبة بحريتها ووقف العدوان عليها، في مشهدٍ أربك المنظومة الصهيونية وحلفاءها، وكشف عزلة روايتهم أمام اتساع التضامن الإنساني مع شعبنا. إن هذا التحول لم يكن وليد الصدفة، بل صُنع بدماء الشهداء، وصبر الجرحى، وآلام الأسرى، وثبات الأمهات والآباء، وصمود شعبٍ اختار التمسك بأرضه وحقوقه مهما عظمت التضحيات.
وفي هذه الذكرى، ننحني إجلالاً أمام عظمة شعبنا وبطولاته على امتداد مسيرته الكفاحية؛ أمام أهلنا في قطاع غزة الذين يواجهون الإبادة بالصبر والثبات، وأهلنا في الضفة الغربية والقدس الذين يتصدون لمشاريع الاقتلاع والتهويد بتجذرهم في أرضهم، وأبناء شعبنا في أراضي عام 1948 وفي مخيمات اللجوء والشتات، الذين يحملون فلسطين في القلب والذاكرة، ويتمسكون بحق العودة والحلم الوطني الذي لم تنل منه عقود النكبة والشتات.
سلامٌ على غزة، على صبرها الذي صار عنواناً للكرامة، وعلى شهدائها الذين أناروا بدمائهم دروب الحرية. سلامٌ على شعبنا الذي لم ينحنِ أمام العواصف، ولم يتخلَّ عن حقه رغم الجراح.
ستبقى فلسطين أكبر من الجراح، وأقوى من محاولات الاقتلاع، وستبقى إرادة شعبها عصيةً على الهزيمة. فمهما طال الليل، ومهما عظمت التضحيات، سيظل شعبنا متمسكاً بأرضه وحقوقه، مؤمناً بحتمية انتصاره، وبأن طريق العودة والحرية، وإن طال، لا بد أن يصل إلى فجر فلسطين.



