مسؤول العلاقات السياسية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان عبد الله الدنان في تأبين كوزو اوكاموتو نودع قامة أممية كبيرة

جاء ذلك خلال كلمة له القاها في تقبل التعازي بالمناضل الاممي كوزو اوكاموتو في نقابة الصحافة في العاصمة اللبنانية بيروت قال:
نجتمع اليوم لنودّع قامةً أمميةً كبيرة، مناضلًا اختار بإرادته الحرة أن يجعل من فلسطين بوصلته، وأن يدفع من عمره وحريته وصحته ثمنًا لانحيازه إلى شعبنا وحقه في الحرية. نودّع الرفيق كوزو أوكاموتو، الذي لم يكن يابانيًا في الجغرافيا فحسب، بل أصبح فلسطينيًا في الوعي والانتماء والالتزام، حتى غدت فلسطين وطنه الثاني، وقضيته الأولى والأخيرة.
كان الحكيم جورج حبش يؤكد أن “القضية الفلسطينية هي قضية كل الثوريين في العالم”، ولم يكن كوزو أوكاموتو إلا التجسيد الحي لهذه الحقيقة. فقد جاء من اليابان، من أقصى الشرق، ليبرهن بالفعل لا بالقول أن مواجهة الصهيونية والإمبريالية ليست مسؤولية الفلسطينيين وحدهم، بل مسؤولية كل أحرار العالم.
وفي الثلاثين من أيار عام 1972، سطّر مع رفيقيه الشهيدين ياسويوكي ياسودا وتسويوشي أوكودا ملحمة مطار اللد، التي خطط لها القائد الأممي الشهيد وديع حداد. وقد أسفرت العملية عن مقتل 26 شخصًا وإصابة نحو 80 آخرين، معظمهم من الإسرائيليين والمتواجدين في المطار، وشكّلت واحدة من أبرز العمليات النوعية في تاريخ الثورة الفلسطينية، ورسالة واضحة بأن الاحتلال لن ينعم بالأمن فوق أرض فلسطين المحتلة.
استشهد رفيقاه في أرض المعركة، فيما وقع كوزو أسيرًا وهو في الرابعة والعشرين من عمره، ليقضي ثلاثة عشر عامًا في سجون الاحتلال، يتعرض لأبشع صنوف التعذيب والعزل الانفرادي، دون أن تنكسر إرادته أو يتراجع عن قناعته بعدالة القضية التي ناضل من أجلها.
وفي العشرين من أيار عام 1985، تحرر الرفيق كوزو في صفقة تبادل الأسرى التي أنجزتها المقاومة الفلسطينية، وعاد إلى فضاء الحرية، لكنه حمل معه آثار السجون في جسده وذاكرته، وظل وفيًا لفلسطين حتى آخر يوم من حياته.
لقد كتب الشهيد غسان كنفاني: “قضية الموت ليست على الإطلاق قضية الميت، إنها قضية الباقين.” واليوم، ليست مسؤوليتنا أن نبكي كوزو، بل أن نكون أوفياء لما عاش واستشهد ورفاقه من أجله، أن نبقى أوفياء لفلسطين، وللمقاومة، وللحرية، وأن نحوّل الوفاء إلى فعل نضالي لا إلى مجرد كلمات.
لقد عاش الرفيق كوزو في لبنان متواضعًا، بعيدًا عن الأضواء، لكنه بقي حاضرًا في ضمير رفاقه ومحبيه. ومن هنا، نتوجه بكل الوفاء إلى رفاقه في الجيش الأحمر الياباني، وإلى عائلته، وإلى كل الأحرار في اليابان والعالم الذين رأوا في فلسطين قضية الإنسان الحر.
كما نتوجه بتحية تقدير وعرفان إلى كل من احتضن الرفيق كوزو ووقف إلى جانبه خلال سنواته الأخيرة، إلى رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وإلى القوى والأحزاب الفلسطينية واللبنانية، ونخص بالتحية الإخوة في حزب الله، كما نتوجه بالشكر إلى الأطباء والممرضين، والمؤسسات الصحية والإعلامية، والمحامين والحقوقيين، وكل من ساهم في حمايته والدفاع عنه ورعايته حتى لحظاته الأخيرة.
لقد كان الشهيد وديع حداد يرى أن الثورة فعل إرادة لا يعرف المستحيل، وأن الشعوب المتمسكة بحقها قادرة على هزيمة أعتى قوى العدوان. وهذا ما جسده كوزو طوال حياته، فلم يحمل بندقيته دفاعًا عن شعبه فحسب، بل دفاعًا عن كرامة الإنسان في مواجهة الظلم والاستعمار، مؤمنًا بأن حرية فلسطين هي انتصار لكل شعوب الأرض الساعية إلى الحرية.
إننا في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ونحن نودّع هذا المناضل الأممي الكبير، نجدد العهد والوعد لروحه، ولأرواح رفاقه الشهداء، ولكل شهداء الثورة الفلسطينية والحركة الثورية الأممية، بأن نبقى أمناء على نهج المقاومة، وعلى فكر الحكيم جورج حبش، وإرث وديع حداد، وإبداع غسان كنفاني، وأن نستمر، مع كل ثوار وأحرار العالم، في مواجهة الإمبريالية والصهيونية وقوى الهيمنة والعدوان، حتى دحر الاحتلال، وتحرير فلسطين كاملة، وعودة شعبها إلى أرضه، وانتصار إرادة الشعوب على الاستعمار والظلم.
أيها الرفيق كوزو… لم تسأل يومًا ماذا يمكن أن تمنحك فلسطين، بل سألت ماذا تستطيع أن تقدم لفلسطين. فأعطيتها أجمل سنوات عمرك، وحريتك، وصحتك، ووهبتها وفاءً لا يعرف الحدود. ولهذا ستبقى اسمًا خالدًا في سجل الثورة الفلسطينية، ونجمةً مضيئة في سماء المناضلين الأمميين، ورمزًا لكل إنسان آمن بأن الحرية تستحق أن يُضحّى من أجلها.
قد يرحل الثائر، لكن الثورة التي سكنته لا ترحل، وقد يغيب الجسد، لكن الفكرة التي عاش واستشهد رفاقه من أجلها تبقى أقوى من السجون، وأبقى من المحتلين، وأخلد من الطغاة.
نم قرير العين أيها الرفيق كوزو… فقد أوفيت بالعهد، وبقي العهد في أعناقنا.
المجد والخلود للرفيق الأممي كوزو أوكاموتو.
المجد للشهداء.
الحرية للأسرى.
والنصر الحتمي لفلسطين ولجميع أحرار العالم.



