أبرزحوار وشخصيات

مقابلة مع زوجة الشهيد على طريق تحرير فلسطين إضاء السبعين “جيفارا”. مشاعل الحرية (6)

مشاعل الحرية (6)

في حضرة الشهداء، تتراجع الكلمات، ويعلو الصمت المغموس بالوجع والفخر. حين تتحدث العائلة، تُصبح الشهادة أكثر من حدث… تتحول إلى قصة حياةٍ كاملة، وإرث من النضال والكرامة.

في هذا الحوار الوجداني، نقترب من ذاكرة الشهيد إضاء محمد السبعيني، كما حفظتها زوجته، ورفيقة دربه القصيرة زمنًا، العميقة أثرًا.

بين الدموع والاعتزاز، تحكي لنا عن ذلك الفتى الذي حمل اسم “جيفارا”، وآمن بأن فلسطين تستحق العمر كله. نستعيد معًا محطات حياته، مواقفه، وملامح الشجاعة التي لم تُفارق وجهه حتى لحظة الشهادة.

إنه حوارٌ مع الذاكرة، ومع الحبّ، ومع الحكاية التي لم تنتهِ بعد.رفيقة درب الشهيد “جيفارا” شكراً لك على حسن استقبالك وتعاونك وسعة صدرك ٱملين ان نتمكن في المكتب الإعلامي للجبهة في لبنان من خلال هذا الحوار إن نضيء على بعض من سيرة ومسيرة الشهيد إضاء الإنسانية والكفاحية . ونبدأ بالسؤال الأول :

🟥 أولًا: حول الشهيد ومسيرته النضالية

1. هل يمكن أن تُحدثينا عن الشهيد، من هو، كيف كان في حياته اليومية، وما الذي ميّزه؟

الشهيد إضاء محمد السبعيني، الملقب بـ”جيفارا”، هو أحد المقاومين البارزين من مخيم نهر البارد شمال لبنان. وُلد عام 1996، متزوج، وله طفلة صغيرة تدعى إلينا لم تتجاوز عامها الثاني. عمل في مهنة البناء، وكان رغم بساطة حياته كبيرًا في قيمه ومواقفه . إنضم مبكرًا إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وكان من أوائل الملتحقين بـكتائب الشهيد أبو علي مصطفى، مؤمنًا بالكفاح المسلح كخيار أوحد للتحرير. تميّز بإيمانه العميق، بمبادرته، وبروحه التي لا تخاف الموت في سبيل فلسطين. كان مثالًا في الالتزام بين بيته ومقاومته، بين أسرته وواجباته الثورية.

2. متى وكيف بدأت ملامح التزامه النضالي بالظهور؟

منذ طفولته في نهر البارد، تأثّر الشهيد بمعاناة الشعب الفلسطيني، خاصة ما يجري في غزة من حصار وعدوان. تحوّل هذا الوعي إلى فعل عندما التحق بصفوف الجبهة وكتائبها، مؤمنًا أن المقاومة ليست مجرد خيار، بل واجب ومسؤولية.

3. ما أبرز المحطات في مسيرته الثورية؟ وهل شارك في معارك قبل ارتقائه؟

نعم، خاض العديد من المواجهات ضد العدو في الجنوب اللبناني، وكان دائم الحضور في العمليات الدفاعية. استشهد أثناء مشاركته في معركة “طوفان الأقصى”، خلال تصديه للعدوان الإسرائيلي على غزة، في بلدة يارون في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 2024، فخلّد اسمه في سجل الشهداء المقاومين.

4. كيف تلقّى الشهيد خبر التصعيد أو الدعوة للالتحاق بالمعركة؟ وما كانت ردة فعله؟

تلقّى النبأ وكأنه نداء داخلي لطالما انتظره. لم يتردد، بل بادر بحماس كبير. رأى أن الهجوم على غزة هو هجوم على كرامتنا، وأن مكانه الطبيعي في الصفوف الأمامية. كان يؤمن أن الاستشهاد أعلى مراتب العطاء.

5. هل كنتِ تتوقعين أن يسلك طريق الشهادة؟ وكيف تعاملتِ مع خياره؟

كنتُ أعلم إيمانه العميق والتزامه الصادق. خفت عليه، نعم، لكنني فخورة به. قراراته كانت نابعة من قناعة، وكان واضحًا منذ البداية أن دربه قد يقوده إلى الشهادة.

🟧 ثانيًا: حول مفهوم الشهادة ومعانيها

6. ماذا تعني لكم الشهادة كعائلة قدّمت شهيدًا من أبنائها؟

الشهادة ليست مجرد فقد، بل عطاء بحجم الوطن. فقدت زوجي ووالد ابنتي، لكنني كسبت شرف أن أكون جزءًا من تاريخه وقضيته. الشهادة هي ألم وفخر، ودرس في العطاء لا يُنسى.

7. كيف تفسرين إقدامه الطوعي على تقديم روحه فداءً لفلسطين؟

كان يرى في الشهادة خلاصة الإيمان الحقيقي. فلسطين، في عينه، تستحق الروح. لم يكن اندفاعه عاطفيًا، بل موقفًا ثابتًا وواعيًا، نابعًا من يقين راسخ بأن الدماء هي طريق التحرير.

8. ما الرسالة التي أراد أن يوجهها باستشهاده؟

رسالته أن الصمت خيانة، وأن المقاومة واجب وطني وأخلاقي. أراد أن يقول إن طريق العودة يمر بالدماء، وأن الوطن لا يُحرّر بالكلام، بل بالفعل.

9. ما العلاقة بين الشهادة والحرية؟ وكيف تفسرين “الشهادة كأسمى مراتب الفداء”؟

الشهادة هي ذروة الفداء، ومفتاح الحرية. من دونها، تبقى الشعارات بلا روح. الشهيد لا يقدّم جزءًا من نفسه، بل حياته كاملة… وهكذا يصنع المجد وتولد الأوطان.

🟨 ثالثًا: حول أثر الشهادة في العائلة والمجتمع

10. كيف أثّر استشهاد زوجك على العائلة؟

كان زلزالًا. قلب حياتنا رأسًا على عقب. لكنه، في الوقت نفسه، رفع رؤوسنا عاليًا. أعيش اليوم بين الفقد والفخر، أحاول أن أكون أمًا وأبًا لابنتي، وأن أزرع فيها حب فلسطين كما زرعه والدها.

11. ما دور المخيم في احتضانكم بعد الاستشهاد؟

المخيم هو العائلة الكبرى. بعد استشهاده، أحاطنا الجميع بحبهم، دعمهم، ومساندتهم. شعرت أننا لسنا وحدنا، بل جزء من جسد واحد لا يترك أبناءه خلفه.

12. هل عمّق استشهاده ارتباطكم بالقضية؟

بالتأكيد. استشهاده لم يُنهِ دوره، بل نقله إلينا. أصبحنا نحمل رسالته، ونعيش يومياتنا كجزء من المقاومة. فلسطين أصبحت جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية.

13. كيف تساهمون اليوم في الحفاظ على إرث الشهيد؟

نُحيي ذكراه بكل الطرق: صور، منشورات، تسمية شارع باسمه، وصفحات على وسائل التواصل. كل شيء يمكن أن يُخلّد روحه، نقوم به بكل حبّ ووفاء.

🟦 رابعًا: حول مستقبل المقاومة والاستمرار في الدرب

14. ما هي رسالتكم لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان؟

اصبروا، رابطوا، وتمسّكوا بهويتكم. تذكّروا الشهداء دائمًا، وكونوا أمناء على دمائهم. استمروا في العلم والصمود… فأنتم الجيل الذي سيكمل الطريق.

15. ما الكلمة التي تودّين توجيهها للجيل الجديد؟

تعلموا من الشهداء، خذوا من حكاياتهم الإرادة والعزم. لا تفقدوا الأمل، ولا تسمحوا لليأس أن يسكن قلوبكم. أنتم الأمل القادم لفلسطين.

16. كيف ترين مستقبل القضية الفلسطينية؟

طالما هناك مقاومة، فالقضية حيّة. الشهداء يكتبون مستقبلنا بدمائهم، ونحن نؤمن أن فلسطين ستتحرر مهما طال الزمن، لأن الظلم لا يدوم.

17. ما رسالتكم للعدو الصهيوني في ذكرى طوفان الأقصى؟

فلسطين ليست لكم، ودماء أبنائنا ستُنبت نصرًا وحرية. أنتم زائلون، ونحن باقون. طوفان الأقصى كان البداية، وسيكون هناك ما هو أشد

🟩 خامسًا: سؤال ختامي إنساني وشخصي

18. لو عاد الشهيد اليوم للحظة، ما أول شيء تودّين قوله له؟

سأحتفظ بهذا لنفسي… فبعض الكلمات لا تُقال، بل تُبكى.

19. ما الذي يواسيك اليوم في غيابه؟ وما الذي يمنحك القوة؟

إيماني بأنه شهيد، وأنه عند ربّه حيّ، هو ما يُواسيني. وأبنتنا “إلينا” هي امتداده في الحياة. كل ابتسامة منها تعيد إليّ شيئًا من روحه، وكل ذكرى معه تُبقيني واقفة.

هكذا تحدّثت الزوجة الصابرة، لا لتُبكي، بل لتزرع فينا مزيدًا من الإيمان بأن الشهادة ليست رحيلًا، بل استمرارٌ في وجهٍ آخر. من قلب الألم تولد العزيمة، ومن فقد الأحبة تُولد العهود التي لا تنكسر.

لم يكن إضاء السبعيني مجرد اسم على لائحة الشهداء، بل كان روحًا تقاتل، وصوتًا للحق، وظلًّا لفلسطين في كل تفاصيله اليومية. عاش قليلًا، لكنه ترك كثيرًا… من المعاني، من القوة، ومن الإلهام.

وفي حضرة ذكراه، نُدرك أن البطولة لا تُقاس بطول العمر، بل بعمق الأثر. وأن الذين يُغادروننا على درب الكرامة لا يموتون… بل يخلدون في ذاكرة الوطن، ويكبرون في وجدان المخيمات، ويحملهم الأجيال القادمة منارة على طريق العودة.

رحل “جيفارا المخيم”، وبقيت حكاية، ستُروى مرارًا، لا لتُنسي الألم، بل لتُبقي فلسطين حاضرة… من القلب، إلى البندقية، إلى الحرية.

المجد والخلود للشهيد إضاء السبعيني، وكل شهداء فلسطين.

وعهدًا أن نظل أوفياء لدمائهم… حتى النصر.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى