أبرزثقافةمقالات

في الذكرى الـ54 لعملية مطار اللد البطولية… ذاكرة الثورة التي لا تموت. [أحمد مراد]

في الثلاثين من أيار، لا تمرّ الذكرى كرقمٍ عابر في روزنامة الثورة الفلسطينية، بل تعود كجرحٍ مفتوح على ذاكرة العالم، وكحكاية مقاومة كتبت بالدم والإيمان والوفاء لفلسطين. في الذكرى الرابعة والخمسين لعملية مطار اللد البطولية، نستعيد واحدة من أكثر المحطات حضورًا في تاريخ الكفاح الثوري الفلسطيني والأممي، حين التقت إرادة الحرية القادمة من فلسطين مع ضميرٍ ثائر جاء من أقصى الشرق، ليؤكد أن فلسطين لم تكن يومًا قضية شعبٍ وحده، بل قضية كل الأحرار في العالم.

في ذلك اليوم من عام 1972، دوّى اسم فلسطين في العالم كله، ليس باعتباره خبرًا عابرًا، بل باعتباره عنوانًا لشعب يرفض أن يُدفن تحت ركام النكبة والهزائم والصمت الدولي. ثلاثة مقاتلين من “الجيش الأحمر الياباني”؛ كوزو أوكاموتو، تسويوشي أوكودايرا، وياسويوكي ياسودا، حملوا أرواحهم على أكفهم، وجاؤوا إلى فلسطين المحتلة مؤمنين أن الظلم واحد، وأن مقاومته واجب إنساني وأخلاقي لا تحدّه الجغرافيا ولا الجنسيات.

لقد شكّلت عملية مطار اللد، التي تبنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بقيادة الشهيد القائد وديع حداد، محطة فارقة في تاريخ النضال الثوري، لأنها جسّدت بعمق رؤية “الوثيقة الأممية” التي آمن بها حداد، والقائمة على بناء جبهة ثورية عالمية في مواجهة الاستعمار والصهيونية والإمبريالية. ومن خلال شعار “وراء العدو في كل مكان”، أراد الشهيد وديع حداد أن يؤكد أن المعركة مع الاحتلال وخلفائه الإمبرياليين ليست محصورة بجغرافيا محددة، بل هي معركة مفتوحة تخوضها الشعوب الحرة في كل أنحاء العالم دفاعًا عن العدالة والكرامة الإنسانية.

لم تكن العملية مجرد حدث عسكري، بل رسالة سياسية وأخلاقية مدوية بأن الشعوب المقهورة قادرة على نقل معركتها إلى قلب العالم، وأن الاحتلال مهما امتلك من قوة وسلاح لن يستطيع احتكار الخوف أو فرض الاستسلام. لقد كسرت العملية حدود المكان، وأعلنت أن القضية الفلسطينية قادرة على أن تصنع حلفًا أمميًا للمقاومة، وأن فلسطين كانت وما زالت البوصلة التي تلتقي عندها قوى التحرر والثورات الإنسانية.

وفي كل عام، تعود ذكرى مطار اللد لتذكّرنا بأن الثورة الفلسطينية لم تكن يومًا مشروعًا محليًا ضيقًا، بل كانت وما زالت مدرسة للتحرر الإنساني. فمن فلسطين إلى اليابان، ومن المخيمات إلى ساحات التضامن العالمية، امتدت رايات الكفاح لتقول إن الحرية لا تتجزأ، وإن الدم الذي يسقط دفاعًا عن فلسطين هو دم من أجل الكرامة الإنسانية جمعاء.

اليوم، وبعد أكثر من خمسة عقود على العملية، وفي ظل ما يتعرض له شعبنا الفلسطيني من حرب إبادة وتجويع وحصار وعدوان متواصل، تبدو ذكرى مطار اللد أكثر حضورًا وعمقًا. فهي ليست مجرد استعادة للماضي، بل تأكيد حيّ على أن جذوة المقاومة لم تنطفئ، وأن فلسطين ما زالت قادرة على إلهام أحرار العالم، وعلى إنتاج المعنى الحقيقي للنضال والتضحية والانتماء.

المجد للشهداء الذين عبروا القارات ليقاتلوا من أجل فلسطين، والمجد لكل من آمن أن الحرية تستحق أن يُدفع من أجلها أغلى الأثمان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى