مشاعل الحرية (2) مقابلة مع والد الشهيد القائد الميداني سليمان عبدالكريم الأحمد (أبو رضوان)
مشاعل الحرية (2)

لأن الشهادة أسمى مراتب الفداء، ولأن الشهيد بدمه يعبد طريق الحرية ويخلّد القضية، نلتقي اليوم في الذكرى السنوية لملحمة طوفان الأقصى لنضيء على تضحيات أبطالنا الذين ارتقوا في مواجهة الاحتلال. وفي هذا السياق، يواصل المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان مقابلاته ضمن سلسلة “مشاعل الحرية” مع عوائل شهداء كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، وأسر المفقودين في معارك التصدي للعدوان الصهيوني عند الحدود اللبنانية الفلسطينية او في عمليات الإغتيال الصهيونية الغادرة، لتبقى سيرتهم حاضرة، وقيمهم الثورية متجذرة في وعي شعبنا وأبناء المخيمات.
نلتقي اليوم والد الشهيد سليمان عبدالكريم الأحمد (أبو رضوان) القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في منطقة صيدا الرفيق عبدالكريم الأحمد (أبو سليمان).
واسمحوا لنا أن نبدأ لقائنا بالسؤال الأول :
1. هل يمكن أن تُحدثونا عن الشهيد، من هو، كيف كان في حياته اليومية، وما الذي ميّزه؟
ولد الشهيد سليمان عبدالكريم الأحمد ” ابو رضوان ” في مخيم اليرموك عام 1989, و هو ابني الوحيد بين 5 بنات ، عاش طفولته في مخيم اليرموك ، تربى بين ازقته و حاراته ، عشق المخيم و احب التفاصيل اليومية فيه ، عرف الحارات و الأزقة ، وعرف من خلالها اسماء مدن و قرى فلسطين ، درس حتى صف البريفيه ، و توجه إلى سوق العمل ، حيث عمل في معمل للحلويات ، كان يكتب الخواطر و الشعر ، اتصف بحنيته علي و على أخواته ، و كان له شخصية قوية عكست نفسها على قدرته في التفكير و اتخاذ القرار .
2. متى وكيف بدأت ملامح التزامه النضالي والكفاحي بالظهور؟
بدأت ملامح التزامه عندما كان يسكن في مخيم اليرموك عبر تردده الدائم الى مكتب الجبهة الشعبية. وعند انتقاله إلى لبنان عام 2013 تكرّس هذا الالتزام بانتمائه للجبهة الشعبية، فانخرط تنظيمياً ونشط جماهيرياً من خلال صيانة أضرحة الشهداء في مخيم عين الحلوة والمشاركة في التعقيم خلال جائحة كورونا، وكل ما كانت تُكلّفه به المنظمة الحزبية المسؤولة عنه.
3. ما أبرز المحطات في مسيرته الثورية؟ وهل شارك في معارك أو أنشطة مقاومة قبل ارتقائه؟
كان عاشقاً للبندقية المُسيسة التي تعرف وجهتها. التحق بالعمل النضالي عام 2015، ثم بدأ في الإعداد والمرابطة على الحدود اللبنانية–الفلسطينية. وشارك في التصدي للعدو الصهيوني خلال طوفان الأقصى مدة 146 يوماً، وواصل الرباط حتى استشهاده مدة 64 يوماً أخرى دون انقطاع.
4. كيف تلقّى الشهيد خبر التصعيد أو الدعوة للالتحاق بالمعركة؟ وما كانت ردة فعله؟
كان الشهيد سليمان حريصاً دوماً على أن يكون جزءاً أساسياً في العمل المقاوم والمرابطة على الحدود والاستعداد للمواجهة، ويشهد له بذلك قادته وكل من عرفه. كانت الدعوة له طبيعية نتيجة عمله والتزامه، وكان مهيئاً للالتحاق بوحدته.
5. هل كنتم تتوقعون أن يسير في طريق الشهادة؟ وكيف تعاملتم كعائلة مع هذا الخيار؟
طريق النضال حتماً يؤدي إلى أحد النتائج التالية: جريحاً، أسيراً، أو شهيداً، وقد نال الشهادة في مكانها الصحيح. نحن مؤمنون أن المقاومة خيارنا الأساسي في مواجهة العدو الصهيوني واسترداد الأرض والعودة إليها.
ثانيًا: حول مفهوم الشهادة ومعانيها
6. ماذا تعني لكم الشهادة كعائلة قدمت شهيدًا من أبنائها؟
الشهادة أسمى معاني التضحية والفداء، وقد نالها كما تمنى — مقبلاً لا مدبراً — خلال المواجهات ومن نقطة الصفر. هذا شرف له ولي ولعموم العائلة. نحن كعائلة مناضلة منذ حركة القوميين العرب والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فكلنا مشروع شهادة، ونفتخر ونعتز ونرفع رؤوسنا عالياً بتقديمنا الإبن الوحيد شهيداً على طريق القدس، إسناداً لشعبنا في قطاع غزة ودفاعاً عن جنوب لبنان.
7. كيف تفسّرون هذا الإقدام الطوعي من الشهيد على تقديم روحه من أجل القضية والوطن؟
من الطبيعي أن أي مناضل ومقاتل يلتزم وينفذ ما يُطلب منه من قبل حزبه. كان من الأوائل الذين استعدّوا والتزموا بالمرابطة على الحدود. الشهادة تكريس للمبادئ التي يحملها المقاتل وللعطاء والتضحية بالنفس وأعز ما يملك من أجل قضيتنا الوطنية ومن أجل وفلسطين كل فلسطين.
8. ما الرسالة التي تعتقدون أن الشهيد أراد أن يوجّهها باستشهاده؟
أي عمل يقوم به المقاوم هو ممارسة مباشرة لقناعاته وفكره الذي يؤمن به. الرسالة التي وجهها باستشهاده أن الشعب الفلسطيني جاهز للذود عن القضية والوطن، وهي دعوة للشباب للالتحاق بقوى المقاومة للقيام بدورهم في الدفاع عن شعبهم وكرامتهم ووجودهم في مواجهة العدو الصهيوني وداعميه.
9. برأيكم، ما العلاقة بين الشهادة والحرية؟ وكيف تفسّرون مفهوم “الشهادة كأسمى مراتب الفداء”؟
من تجارب الشعوب أن الحرية لا تُوهب بل تُنتزع من المستعمر والمحتل، وأن الحرية لن تتحقق إلا بتقديم التضحيات والشهداء. على مدى سنوات النضال يمارس المناضل كافة أشكال النضال، وتأتي الشهادة كأرفع مرتبة من مراتب التضحية والعطاء والفداء.
ثالثًا: حول أثر الشهادة في العائلة والمجتمع
10. كيف أثّر استشهاد ابنكم على العائلة؟ وماذا تغير في حياتكم من بعده؟
كان استشهاد ابننا الوحيد سليمان متوقعاً، وكان له أثر كبير على العائلة؛ فقدنا ركنًا أساسياً في البيت والعائلة، إذ كان الابن والأخ والصديق والظل، فترك فراغاً كبيراً. من المؤكد تعودنا على غيابه الجسدي لكنه ما زال حياً بيننا.
11. ما الدور الذي يلعبه المخيم وأهله في احتضان عوائل الشهداء وتكريم ذكراهم؟
أوجه التحية والتقدير والعرفان لأبناء شعبنا الفلسطيني واللبناني في مخيمات منطقة صيدا والجوار، ولكل أبناء شعبنا في لبنان، الذين كانوا خير سند وأهل لنا. مارسوا عاداتهم وقناعاتهم وتكافلهم في احتضان أهالي الشهداء خلال التوديع وفترة التبريك والعزاء وما بعدها حتى اليوم، وهذا ليس بغريب على أبناء شعبنا المعطاء والمضحي.
12. هل تشعرون أن استشهاد ابنكم قد عمّق ارتباطكم بالقضية الفلسطينية والمقاومة؟
نفتخر ونعتز بارتباطنا بالقضية الفلسطينية منذ بداياتها، وخصوصاً منذ انتماء والدنا لحركة القوميين العرب عام 1955. فلسطين لنا، ونبذل الغالي والرخيص من أجل تحرير أرضنا المحتلة، وسنستمر في النضال والمقاومة من أجل انتصار قضيتنا الوطنية وتحرير أرضنا وإزالة الاحتلال. المقاومة عنوان أساسي في حياتنا اليومية، وهي أحد أساليب النضال في مواجهة المشروع الإمبريالي والصهيوني والرجعي العربي، وستبقى المقاومة أساس مشروعنا التحرري.
13. كيف تساهمون اليوم في الحفاظ على إرث الشهيد؟ وهل هناك أنشطة تقومون بها لإحياء ذكراه؟
الشهيد أبو رضوان حي في قلوبنا وعقولنا، لا يفارق مخيلتنا أبداً. نعيش تفاصيله اليومية؛ نزور ضريحه دورياً، نغسله، نسقي الورود، ونقرأ سورة الفاتحة على روحه الطاهرة ونتذكر كل مشواره منذ الطفولة حتى الاستشهاد.
رابعًا: حول مستقبل المقاومة والاستمرار في الدرب
14. ما هي رسالتكم لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان في ظل هذه المرحلة؟
رسالتنا لأبناء المخيمات الفلسطينية: العمل على حفظ الوجود الفلسطيني في لبنان بوحدتنا، ومحاربة الآفات الاجتماعية، والنضال من أجل الحقوق المدنية والإنسانية، ومواجهة تقليصات وكالة الأونروا دون المساس بالشاهد الحي على النكبة، والحفاظ على النسيج الوطني والاجتماعي لشعبنا، وأن نكون سنداً وعوناً لقوى المقاومة.
15. ما الكلمة التي تودّون توجيهها للجيل الجديد، خاصة من الفتيان والفتيات الذين ينشأون وسط هذه التضحيات؟
على الجيل الجديد أن ينكبّ على التعليم ليصل إلى أعلى المستويات في الجامعات؛ نحن بحاجة إلى جيل متعلم وواعٍ يعرف من هم أعداؤه ومن هم أصدقاؤه. أؤكد على أهمية التعليم والحفاظ على عاداتنا وتقاليدنا في العلاقات الإنسانية. كما أؤكد على أبنائنا فتياناً وفتيات أن يكونوا قدوة في التربية الصالحة ويبتعدوا عن الآفات الاجتماعية التي يسعى الأعداء لنشرها بينهم، كي لا يتحولوا إلى عبء على القضية الوطنية.
16. كيف ترون مستقبل القضية الفلسطينية في ظل استمرار هذه التضحيات والمواجهات؟
قضيتنا الفلسطينية بخير ما دام شعبنا موجود ويقدّم التضحيات الجسام، متمسكاً بحقوقه الوطنية، والمقاومة المسلحة أسلوب لمقارعة الاحتلال.
17. ما الرسالة التي تودّون توجيهها للعدو الصهيوني في ذكرى معركة طوفان الأقصى؟
رسالتي لهذا العدو الغاصب: مهما مارست من قمع وإرهاب وقتل وتجويع، فلن تجني منها شيئاً، لأن شعبنا مصمم على النضال والكفاح حتى إزالتك من الوجود مهما تكالبت عليه قوى الشر والعدوان.
خامسًا: سؤال ختامي إنساني وشخصي
18. لو عاد الشهيد اليوم للحظة، ما أول شيء تودّون قوله له؟
الشهيد موجود بيننا ولم يغادرنا أبداً؛ صحيح غادرنا جسدياً، وإذا عاد مجازياً فإني أرحب به بين أهله وأخواته وأبناء شعبه، لكن أقول ستكون عودته محدودة لأن الشهادة في صلب اهتماماته اليومية.
19. ما الذي يواسيكم اليوم في غيابه؟ وما الذي يمنحكم القوة للاستمرار؟
احتضنت الجبهة الشعبية عائلة الشهيد كما احتضنت عوائل كل الشهداء ولم تبخل بشيء ضمن الإمكانيات المتاحة. أثمن مواساة شعبنا الدائمة لنا، أضع صورته على صدري منذ استشهاده ولم تفارقني أبداً؛ أشعر أنه الظل الذي لم يفارقني، وهذا يمنحني القوة للاستمرار في النضال والعمل دون توقف.
أخيراً، أشكر رفاقي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قيادةً وكوادر ومناضلين، وأشكر أبناء شعبنا الفلسطيني واللبناني على إحاطتهم لنا بالمحبة والتقدير والمواساة بشهيدنا المقاوم أبو رضوان. نعاهد الشهيد وجبهتنا وشعبنا أن نبقى مع عائلتنا حاملين الأمانة — أمانة الشهداء — نحفظها بأشفار العيون.




