لقاء إدارة ترامب مع حماس.. التوقيت والدلالات

*حمزة البشتاوي
بعد أن أرسلت الإدارة الأمريكية الشريكة في بداية حرب الإبادة على قطاع غزة سفينة القيادة والسيطرة التابعة للأسطول السادس (ماونت ويتني) وحاملتي الطائرات ( يو أس أس أيزنهاور) ومجموعة السفن الحربية التابعة لها والحاملة (جيرالد فورد) ومن ثم إرسال أنظمة دفاع صاروخية مثل نظام (ثاد) وبطاريات (باتريوت) ووحدات خاصة من قوة (دلتا)، قامت بإرسال مبعوثها لشؤون الرهائن آدم بولر بعد أن أصبح إطلاق الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة في قطاع غزة بالقوة العسكرية أمراً مستحيلاً، ولهذا السبب وقبل أن يمنح ترامب نتنياهو الضوء الأخضر للعودة مجدداً إلى الحرب بدعم قوي وانسجام بالرأي والأسلوب لدفع حماس إلى القبول بخطة ويتكوف عبر الضغوط العسكرية والنفسية ، سبقها عقد بولر اجتماعات مباشرة مع قيادة حركة حماس في الدوحة، بعد أن كان ترامب يهدد بفتح أبواب الجحيم على حماس وقطاع غزة، لكن أبواب الجحيم لم تفتح في ذلك الوقت وفتحت بدلاً عنها أبواب المباحثات المباشرة والتفاوض مع إدارة ترامب، وهذا ما اعتبرته حماس حينها فرصة لكسر محاولات نتنياهو التهرب من تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق تبادل الأسرى ووقف إطلاق النار، وكان من الممكن أن يؤدي هذا التفاوض المباشر الذي لا ترفضه حماس في أدبياتها إلى تحقيق نتائج على صعيد إنهاء الحرب ولكنه لم ينتهِ إلى هذه النتيجة، ومع ذلك ترى حماس بأن هذا المسار مهم بتوقيته ودلالاته باعتباره نقطة تحول مهمة بعد الفشل الإسرائيلي في الحرب والمفاوضات والعودة مجدداً لارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، والأهمية مرتبطة بعدم تقديم تنازلات في المباحثات المباشرة التي جرت من دون قنوات خلفية أو شخصيات غير رسمية كما كان يحدث سابقاً.
والمطلوب من حماس في التواصل مع إدارة ترامب خلال المرحلة المقبلة الحذر من الانزلاق إلى مفاوضات تستهدف التوصل إلى اتفاق جديد، وأن تتمسك باستكمال تنفيذ الاتفاق الذي تم التوقيع عليه بحذافيره، خاصة وأنها تظهر الكثير من المرونة التكتيكية لإدراج مقترح مبعوث ترامب للشرق الأوسط ستيف ويتكوف ضمن المرحلة الثانية من الاتفاق أو التعامل معه باعتباره مرحلة من المراحل التي قال عنها آدم بولر إن أهميتها تكمن في العرض الذي قدمته حماس ويشمل إطلاق جميع الأسرى الإسرائيليين لدى المقاومة في هذه المرحلة بين المراحل مقابل هدنة تتراوح مدتها بين خمس وعشر سنوات، وهذا العرض ما زال موجوداً على الطاولة طالما أن الباب ما زال مفتوحاً لعقد المزيد من الاجتماعات بين حماس وإدارة ترامب وفق عدة تقديرات، وذلك بهدف إنهاء الحرب على قطاع غزة، على أن تكون البداية بحل قضية الأسرى الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الأمريكية، مقابل بدء مفاوضات المرحلة الثانية التي تشمل الإفراج عن كل الأسرى الإسرائيليين مقابل وقف دائم لإطلاق النار وانسحاب شامل لجيش الاحتلال.
ومازالت الإدارة الأمريكية الشريك الأساسي في الحرب تدعي دور الوسيط مع تركيز خاص على إطلاق الأسرى الإسرائيليين الذين يحملون الجنسية الأمريكية، وهذا يندرج ضمن اختصاص آدم بولر كمبعوث لشؤون الرهائن، ولكن بولر لم يكتفِ بذلك بل تطرقت مباحثاته مع حركة حماس كما قال إلى بحث هدنة طويلة الأمد، وهذا الأمر لا يتوقع أن ترفضه حماس التي تريد صفقة شاملة تنهي الحرب التي يعود نتنياهو إليها مجدداً بهدف تعطيل الاتفاق خاصة فيما يتعلق بالمرحلة الثانية.
وفيما يتعلق بالتوقيت والدلالات فإن محادثات إدارة ترامب مع حركة حماس تعني اعترافاً صريحاً وإدراكاً لأهمية دور حماس وتأثيرها في المعادلة السياسية والعسكرية الفلسطينية خاصة في قطاع غزة، وصعوبة تجاوزها إضافة لعدم إمكانية القضاء عليها ومنعها من أن تكون موجودة في غزة، وما سبق يفتح الباب للحديث عن اليوم التالي للحرب وسط اعتراف ضمني أميركي إسرائيلي بالفشل في تحقيق الأهداف من خلال الحرب، وهذا ما دفع إدارة ترامب بطلب اللقاءات المباشرة مع حماس والتي كانت قد توقفت منذ العام 1997، وكذلك مع منظمة التحرير الفلسطينية التي يعترف بها العالم بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
ولكن ترامب قرر أن يتعامل مع القوة الموجودة في غزة والتي تمسك بزمام الأرض وما فوقها وما تحتها وتقوم بالاحتفاظ بما لديها من الأسرى وتملك قرار الإفراج عنهم أو إبقائهم لديها إلى حين التوصل إلى اتفاق، دون أن ترضخ لأي تهديد خاصة من ترامب الذي تراجع عن كل تهديداته وراح يدافع عن التفاوض المباشر مع حماس حين قال: نحن لا نفعل أي شيء فيما يتعلق بحماس نحن لا نقدم المال يجب عليك أن تفاوض، وهناك فرق بين الدفع والتفاوض، نحن نريد الإفراج عن هؤلاء الرهائن. وهذا الكلام ينسجم مع خلفية وأسلوب ترامب كرجل صفقات وعقارات، ولكن الإشارة الأهم من وراء هذه التهديدات التصريحات أنها أظهرت ضعف قوة الردع الأمريكية والإسرائيلية أمام الشعب الفلسطيني ومقاومته.
وكانت المباحثات المباشرة بين إدارة ترامب وحماس التي لم تقل يوماً بأنها لن تتفاوض مع واشنطن قد حصلت في وقت تراجع فيه دور معظم النظام الرسمي العربي تجاه القضية الفلسطينية، ولا يتوقع أن تقبل حماس كل طروحات إدارة ترامب التي لم تأتِ على ذكر الضفة الغربية إلا بما يخدم السرديات الإسرائيلية، وتركز على غزة في مسارات تنتقص من حقوق الشعب الفلسطيني مع انحياز مطلق لما يريده اليمين الأكثر تطرفاً في حكومة نتنياهو، ولذلك يمكن القول بأن المفاوضات المباشرة التي جرت مع حركة حماس لم تحمل أبعاداً إستراتيجية أو جيو سياسية، بل مجرد مناورة تكتيكية تهدف إلى إظهار ترامب أمام الرأي العام في مظهر الحريص على وضع المصالح الأمريكية والإسرائيلية فوق أي اعتبار، وعلى حساب الدم الفلسطيني والعودة مجدداً إلى الحرب وأبواب الجحيم والتفاوض تحت النار .
* كاتب صحفي فلسطيني