مأزق ترامب وأزمة نتنياهو أمام صمود غزة

مجلة تقدم- *محمد أبو شريفة
انقلبت الإدارة الأميركية على اتفاق وقف إطلاق النار بمراحله الثلاث والذي كان بوساطتها مع مصر وقطر وقد دخل حيز التنفيذ بين المقاومة الفلسطينية وحكومة الاحتلال الإسرائيلي في (19/1/2025)، وبذلك يكون الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد منح الضوء الأخضر لاستئناف العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة والذي بدأ قبل سويعات من سحور يوم الثلاثاء الثامن عشر من شهر رمضان (18/3/2025)، واعتبرته الأمم المتحدة ووسائل إعلام عالمية أنه “أحد أكثر الأيام دموية في غزة منذ بدء الحرب”، حيث ارتقى ليلتها أكثر من 400 شهيد بينهم أكثر من 170 طفلاً و 80 امرأة، وعائلات كاملة دفنت تحت الأنقاض، ومهاجمة أكثر من 420 هدفاً من الجو والبحر وقتل نحو 830 فلسطينياً خلال أسبوع واحد فقط. وبعده بيومين أعلن البيت الأبيض أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب “يدعم بالكامل الهجوم الإسرائيلي المتجدد على غزة”.
وأتى هذا الثلاثاء الدامي استكمالاً لمسلسل الإجرام وحرب الإبادة الجماعية التي شنها جيش الاحتلال منذ السابع من أكتوبر 2023، وراح ضحيتها أكثر من خمسين ألف شهيد ومسح ما يزيد عن 1600 عائلة فلسطينية من السجل المدني، كما أن هناك 3471 عائلة فلسطينية لم يتبقَ منها سوى ناج واحد.
وبذلك تكون قد طويت صفحة الاتفاق بين المقاومة والاحتلال الذي تنصل من كل الاستحقاقات المتفق عليها وطالب من جديد العودة إلى نقطة الصفر بل أكثر من ذلك فإن كل ما قدمه من أطروحات جديدة تدور جميعها حول نقطة واحدة وهي عملية تبادل للأسرى فقط دون الوقوف أمام أي مسارات قادمة قد تحمل ملامح ذات مغزى سياسي.
“ويتكوف” … ونسف المراحل
تعنونت الخطة الأميركية بإعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف تمديد المرحلة الأولى (60) يوماً تنتهي في العشرين من نيسان/ أبريل أي ما بعد انتهاء شهر رمضان وعيد الفصح مقابل أن تفرج المقاومة الفلسطينية على خمسة أسرى صهاينة أحياء ورفات تسعة متوفين في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، وفي نهاية الهدنة تفرج المقاومة عن بقية الأسرى الصهاينة وأن تتضمن فترة الهدنة مفاوضات غير مباشرة حول وقف إطلاق نار دائم وانسحاب شامل من قطاع غزة والالتزام بالبروتوكول الإنساني. وسبق ذلك استبعاد الاتفاق ما بين آدم بوهلر – مسؤول شؤون الأسرى في الإدارة الأميركية- وبين قيادة “حركة حماس” في الدوحة والذي ينص على الإفراج عن جندي حي مزدوج الجنسية الأميركية والإسرائيلية يدعى عيدان الكسندر، وتنفيذ البروتوكول الإنساني، ثم الانتقال إلى المرحلة الثانية التي تنص على انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من عموم قطاع غزة ووقف إطلاق النار. وتحدث بوهلر عن أهمية المرحلة الثانية والعرض الذي قدمته “حركة حماس” الذي يشمل إطلاق سراح جميع الأسرى الصهاينة لدى المقاومة مقابل هدنة تتراوح مدتها بين 5 إلى 10 سنوات بمعنى أنها تريد صفقة شاملة تنهي الحرب التي استأنفها نتنياهو بهدف تعطيل الاتفاق خاصة فيما يتعلق بالمرحلة الثانية. وعادت ملامح هذا المقترح تلوح بالأفق مجدداً بوساطة مصرية بحيث يتضمن تقديم المقاومة معلومات تفصيلية عن الأسرى والإفراج عن خمسة أحياء، أحدهم الجندي عيدان والتوصل إلى وقف العمليات العسكرية، وبحسب مراقبين فإن “حركة حماس” أبدت مرونة واستعداداً للإفراج عن الأسرى. ولكن نتنياهو رفض المقترح المصري متعمّداً على ما يبدو إفراغ الخطة المصرية من مضمونها والمتعلقة بإعادة إعمار قطاع غزة التي اتخذت في القمة العربية الأخيرة، كما أن الرفض يفضح النوايا الإسرائيلية التي كشف عنها نتنياهو بإطلاقه تهديدات باحتلال مناطق جديدة في غزة إذا لم تفرج “حركة حماس” عن الأسرى المتبقين لديها، وذلك في جلسة استماع بالكنيست (25/3/2025)، الأمر الذي يؤكد العودة إلى جوهر الصهيونية في حرب الإبادة “أرض أكثر وشعب أقل”.
وفي لحظة كتابة النص ما تزال الغارات الجوية الإسرائيلية مستمرة على غزة تحت عنوان الضغط العسكري لإعادة “حركة حماس” إلى طاولة المفاوضات وفق الشروط الإسرائيلية المحددة سلفاً. في المقابل فإن المقاومة الفلسطينية تدرك أن ما يطلبه الاحتلال المدعوم أميركياً يقوم على رغبة واضحة المعالم تقول (سلموا الأسرى وسنقوم بالتخلص منكم، أو سنتخلص منكم ومن ثم نأخذ الأسرى!).
واتفق نتنياهو وستيف ويتكوف على خطة مشتركة بشروط وتعديلات ترتكز على الإفراج عن كافة الأسرى الصهاينة بدون الذهاب للمرحلة الثانية، والبدء بتنفيذ الخطة بواقع تسليم رفات ستة عشر أسيراً صهيونياً والافراج عن (11) أسيراً حياً، مقابل الإفراج عن (120) أسيراً فلسطينياً محكوماً بالمؤبد و(1110) من أسرى قطاع غزة و(160) جثماناً لشهداء فلسطينيين على أن تقوم حماس بالإفراج عن بقية الأسرى الصهاينة في نهاية المدة التي حددها الاحتلال بأربعين يوماً دون الموافقة على ما ورد في خطة المراحل الثلاث. ويعتقد ويتكوف أن هذه الترتيبات لا يجب أن تتوقف عند حدود غزة بل عليها أن تعبر الحدود باتجاه دول المنطقة والدفع بها لتوقيع اتفاقيات “سلام”، تشمل سورية ولبنان.
ووفق الأوساط الإعلامية الصهيونية “فإن خطة ويتكوف تلبي مطالب الحكومة الإسرائيلية بالكامل وتشكل حماية لنتنياهو من السقوط” كونها تؤجل المواجهة مع أقطاب اليمين المتطرف في الائتلاف الحاكم، وتسمح بالموافقة على مصادقة ميزانية الحكومة المقررة في نيسان /إبريل 2025 بدون عقبات لأنه إذا لم تتم الموافقة على الميزانية، فإن حكومة نتنياهو، وفقاً للقانون، ستسقط وسيتم الإعلان عن انتخابات مبكرة.
إن حجم العدوان ومستوى الاغتيالات لقيادات سياسية ومدنية وارتفاع أعداد الشهداء والجرحى والمصابين وتدمير وحرق الأحياء السكنية ومراكز الإيواء ومخيمات النازحين والتوغل البري وتعقيدات المفاوضات وطرح العديد من المقترحات لم يجعل المفاوض الفلسطيني يفقد التوازن، بل على النقيض من ذلك بقي ثابتاً على موقفه مستمراً بالمفاوضات بغية الوصول إلى اتفاق يعيد وقف إطلاق النار من جديد، ويوقف العدوان الإسرائيلي، ومشترطاً تعديلات على خطة ويتكوف وأن تندرج ضمن اتفاق المراحل الثلاث الموقع عليه منتصف يناير/ كانون الثاني الماضي وأن تتضمن كافة البنود انسحاب قوات الاحتلال من محور فيلادلفيا وإخلاء نقاط المراقبة العسكرية من محيط محور نتساريم وتطبيق البروتوكول الإنساني والسماح بعودة الأهالي إلى القطاع، وأمام هذا الموقف الاستراتيجي والتكتيكي للمفاوض الفلسطيني في آن، راح ويتكوف يهدد “حماس” ويتهمها بأنها رفضت الحلول المطروحة وأنها المعتدية وهي سبب اندلاع الحرب. ومن اللافت أن لغة التهديد الأميركية تجاه “حماس” لم تخفِ طلب إدارة ترامب بعقد اللقاءات المباشرة معها فلماذا التناقض في موقف الإدارة الأميركية التي تلعب دور الشريك في الحرب وبذات الوقت الوسيط الذي عقد محادثات مع “حماس”؟ على الأرجح أن إدارة ترامب التي تتسم بمنطق “البازار” تدرك دور وتأثير “حركة حماس” في المشهد السياسي والعسكري الفلسطيني الغزاوي، وليس من المنطق تجاوزها سيما أنه لم يتحقق هدف القضاء عليها وتالياً من البديهي أن يكون لها حضورها في اليوم التالي للحرب.
صحيح أن الشعب الفلسطيني في غزة يدفع ثمناً كبيراً في مواجهة العدوان الإسرائيلي المتجدد إلا أن الخيارات الفلسطينية في هذه المواجهة محدودة ولا تسمح بترف الاجتهاد، في الوقت الذي يروج فيه العدو على الملأ تصوراته القائمة على استسلام المقاومة الفلسطينية استسلاماً كاملاً ومن ثم إجبار الغزيين على الهجرة بعد إعمال الإبادة الإجرامية بحقهم، وتالياً فلا خيار سوى مواصلة الصمود في مواجهة الآلة الحربية الصهيونية والذي يأتي في ظل غياب كامل لكل أشكال الدعم العربي والإسلامي للمقاومة وأهلها باستثناءات تكاد تكون محدودة وتتعلق بالموقف اليمني فقط.
حسابات نتنياهو من التصعيد
يدرك الائتلاف الصهيوني الحاكم أنهم لم يحققوا نصراً واضح المعالم، وأن توقيع الاتفاق بنسخته الأولى كان بهدف إطلاق سراح أكبر عدد ممكن من الأسرى الصهاينة والتساوق مع الإدارة الأميركية الجديدة التي منحتهم الضوء الأخضر والدعم الكامل في استئناف الحرب الإبادية، ولكن نتساءل هنا حول أهداف بنيامين نتنياهو من الحرب في ظل عوامل داخلية وخارجية تعاكس مصالحه وباتت تهدد مصيره، وذرائع بدأت تقل خاصة ما بعد إتمام توقيع الموازنة في الأول من نيسان وبعدها بأيام ستبرز تحديات استقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، رونين بار بالإضافة إلى إقالة المدعية العامة غالي بهاراف ميارا. فربما الإجابة على التساؤل تنقسم إلى شقين أساسيين الأول اعتقاده بأنه قادر على هزيمة الشعب الفلسطيني وأن اللحظة التاريخية اليوم لن تتكرر، وأنه انتقل من تحقيق الأهداف الصغرى ( الحفاظ على حكومته واسترجاع بن غفير إليها وضمان نجاح التصويت على الميزانية في الكنيست) إلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية الكبرى التي فشل بتحقيقها خلال الـ 15 شهراً من الحرب الدموية وهو التطهير العرقي لقطاع غزة وإبادة أكبر عدد ممكن من سكانه، والاعتقاد بأن مخطط التهجير سينجح أكثر من أي وقت مضى خاصة أنه مدعوم أميركياً وبات العمل على تهيئة الأجواء لشرعنته كأمر واقع من خلال إعلان (اسرائيل) عن إنشاء “مديرية” تابعة لوزارة الأمن خاصة بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة. ويشكل ذلك جوهر الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية التي يمثلها نتنياهو، كما أن التقدم البطيء لقوات الاحتلال في غزة يندرج ضمن الاستعدادات لتطبيق “الخطة الكبرى” والتي تفضي إلى شن هجوم بري واسع في القطاع وذلك وفقاً لرئيس أركان جيش الاحتلال الجديد إيال زامير الذي صرح بأن “بإمكان خطته أن تؤدي هذه المرة إلى تحقيق الهدف الذي لم تحققه إسرائيل طوال سنة ونصف السنة من الحرب، وهو تدمير حكم حماس وقدراتها العسكرية بالكامل”. والشق الثاني يرتبط بعوامل داخلية تتعلق ببنية الاجتماع السياسي الصهيوني وقدرته على مدى إبقاء الحرب مشتعلة بما يضمن لنتنياهو الاستمرار في الحكم، ولكن في حال حدوث أي لحظة انزياح عن الحرب ستفتح الباب إلى لحظة انكشاف واضحة لمجمل تجربة نتنياهو سيما أن كل ما أحدثه من دمار وإبادة بشرية بحق الفلسطينيين في غزة لم تجعلهم يرفعون الراية البيضاء حتى هذه اللحظة. أما على الصعيد الداخلي الصهيوني فإن نتنياهو يدرك جيداً أن القضاء الصهيوني عازم على إدخاله للسجن بتهم فساد سياسية واقتصادية وغيرها، لهذا يمضي إلى الأمام دون أن يحمل أي تصور سياسي سواء فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية أو فيما يتعلق بالأزمات البنيوية “للدولة” الصهيونية والمجتمع الصهيوني معتقداً وجازماً أن الإدارة الأميركية بزعامة ترامب تتقاطع استراتيجياً معه وتسلك ذات الخطى في تثبيت دعائمه في السلطة، إلا أن هنالك غريماً داخلياً في مواجهة نتنياهو يسمى “بالدولة العميقة” وهي ليست دولة شبحية أو وهمية، فهي بالتحديد الجسم القضائي والاقتصادي والأكاديمي والثقافي والنقابي ورجال المال والأعمال والشركات والذين باتوا يشعرون بحالة اغتراب شديدة عن حكومة اليمين المتطرف والتي لا يرون فيها أنها لا تمثلهم فقط بل هي معادية لكل منجزاتهم. ويعتقدون أن التطرف اليميني الديني الصاعد والحاكم لديهم بات يتغلغل في جسم “الدولة” ويمزق لحمتها، ولأول مرة تبرز ملامح الانقسام الداخلي الصهيوني بعدم الإجماع على عودة نتنياهو إلى الحرب والصراع الذي انفجر بسبب إقالة رئيس الشاباك وقد حذرت أوساط سياسية من تداعياته وإطلاق تخوفات من الانزلاق نحو “حرب أهلية”.
في الواقع، إن اللحظة التاريخية الآن هي لحظة قاتمة لكنها لحظة ضبابية بتداخلات متعددة ومختلفة وليس فيها لاعب أوحد، وأن لحظة الحرب التي يتغطى بها نتنياهو لن تدوم طويلاً فهذه اللحظة – الحرب – تعني استنزافاً مادياً وأخلاقياً ومعنوياً ويكفي التقارير التي تتحدث عن انتهاك كبير في صفوف الجيش وألويته الاحتياطية والنظامية لتقدم صورة مصغرة تكشف فيها الإمكانيات وابتعادها عن الطموح، وما بين الإمكانية والطموح يدخل كيان الاحتلال عصر نتنياهو بالمطلق والذي على ما يبدو يشكل عنواناً لمعركة داخلية لن تنتهي دون أن يكون هناك منتصر واحد، ومقتبل الأيام سيكشف من هو هذا المنتصر لكن بالتأكيد فإن الصورة الأسطورية لـ (إسرائيل) انتهت وذهبت إلى غير رجعة وسلوكها الإجرامي يؤكد أنها تراجعت إلى حدود اللحظة التأسيسية من سلوك العصابات.
*مدير تحرير مجلة الهدف الفلسطينية