الفلسطينية

إيران والتموضع الجديد بعد سقوط الأسد

حمزة البشتاوي

نشر في مجلة الهدف العدد (67) (1541)

في سياق المشهد الجيوسيسي المعقد في المنطقة، تبرز الكثير من الفرص والتحديات للدول الإقليمية الكبرى في المنطقة، وفي مقدمتها الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي تعمل دبلوماسيتها على تحقيق التوازن ما بين المصالح الإستراتيجية والحفاظ على استقرار المنطقة التي تشهد اليوم الكثير من المتغيرات بعد معركة طوفان الأقصى والعدوان على لبنان وسقوط نظام بشار الأسد في سورية.

وتضع هذه المتغيرات المنطقة بشكل عام على أعتاب تحولات جذرية سوف تدفع إيران إلى إعادة النظر والتقييم للتموضعات الجديدة في المنطقة انطلاقاً من ثوابتها ومنطلقاتها واستمرارها بالتصدي للمشاريع والأطماع الأمريكية الإسرائيلية التي تستهدف المنطقة تحت عنوان الشرق الأوسط الجديد الذي تواجهه إيران عبر التمسك بدورها التاريخي المميز والمستند إلى مبادئ وأفكار وقيم وتوجهات سياسية جديدة تعمل من خلالها على تحقيق الأمن الجماعي وإقامة أفضل العلاقات مع الدول العربية و تركيا بما يخدم ويساهم في استقرار المنطقة وأمنها مع تعاون وثيق على المستوى الدولي مع كل من روسيا والصين.

وفي ظل التغيرات والتموضعات الجديدة تسعى إيران أيضاً إلى تكثيف وتعزيز حضورها وتموضعها على الصعيد الإقليمي والدولي برؤية دبلوماسية بعيدة المدى مستفيدة من مكانتها السياسية والإستراتيجية التي لا يمكن تجاهلها في المنطقة أو عزل تأثيرها بالمتغيرات والتحولات السياسية والأمنية.

وبما أن التموضعات الجديدة لا تغير من الأهمية الإستراتيجية لدور إيران خاصة في ثلاثة عناوين رئيسة هي:

1- مواجهة مشاريع الهيمنة والسيطرة الأمريكية والإسرائيلية.

2- تفعيل وتعزيز التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي بين دول وشعوب المنطقة.

3- دعم الشعب الفلسطيني ومقاومته وقضيته العادلة وحقوقه المشروعة.

ويتوقع أن تعمل إيران في ظل التموضعات والمتغيرات الجديدة على عودة العلاقات مع مصر كونها أكبر دولة عربية وأن تتعاون لاحقاً مع النظام الجديد في سورية وسط تقديرات تشير إلى أن سورية لن تكون إلا مع المقاومة وفلسطين في مواجهة الأطماع والتهديدات الإسرائيلية ويتوقع أيضاً أن تعمل إيران أيضاً على تعزيز علاقاتها مع جميع الدول العربية دون استثناء، وتطوير العلاقات الاقتصادية عبر التعاون المباشر وعبر التعاون الإقليمي من خلال منظمة (بريكس) ومنظمة التجارة في شنغهاي.

كما يمكن أن تقوم إيران في إطار إعادة التموضع السياسي على إطلاق حوارات ثنائية ومتعددة الأطراف بهدف إيجاد مساحة جديدة على المستوى الإقليمي مع إعطاء أولوية إيجابية للعلاقة مع تركيا و السعودية ومصر.

ولا تنظر إيران التي تتقدم إستراتيجياً وسط بعض التراجعات التكتيكية إلى سقوط نظام الأسد أنه انتكاسة لها ولدورها في المنطقة بل مناسبة لفهم التحديات والتعاون على المستوى الإقليمي لمواجهة كافة التحديات بتفاهمات مع كل الأطراف المعنية لتعزيز الأمن والاستقرار خاصة بعد وقف العدوان على لبنان وحرب الإبادة على قطاع غزة حيث لإيران دور كبير وأساسي في دعم المقاومة وإفشال أهداف الحرب والعدوان وانتصار إرادة الصمود والمقاومة في مواجهة الاحتلال الذي يحاول التغطية على هزيمته بخرق اتفاقيات الهدنة ووقف إطلاق النار واحتلال مناطق إستراتيجية في سورية بعد سقوط الأسد، وهذا ما يعزز قناعة إيران باستمرار دعم قوى المقاومة وإعادة تقييم إستراتيجيتها وتموضعها في مواجهة كيان الاحتلال الإسرائيلي الذي يستهدف فلسطين والمنطقة دون استثناء .

وأمام تصاعد المخاطر والاستهدافات تقف المنطقة عموماً على مفترق مصيري وتاريخي وسط متغيرات وتحديات تفرض إعادة تموضع جديد أساسه الحفاظ على الوجود وتمكين قوى المقاومة ومواجهة الضغوط الخارجية بروح وحدوية ثورية عالية، وانتهاج سياسة عدم الانحياز، مع بناء شراكات إستراتيجية على المستوى الإقليمي والدولي بما لا يتعارض مع مبدأ احترام سيادة واستقلال الدول، وتأكيد إيران على حضورها كقوة مستقلة في منطقة غرب آسيا وتبنيها لسياسة لا شرقية ولا غربية انطلاقاً من الثبات على مسألة الاستقلال الإستراتيجي وعدم الانحياز في تنظيم العلاقات مع الدول الكبرى والسعي لتوقيع اتفاقيات إستراتيجية وحل القضايا والمشاكل والملفات الاساسية عبر المفاوضات، خاصة الملف النووي الإيراني دون التفاوض حول ملفات أساسية ومنها على سبيل المثال مسألة الصواريخ الباليستية كونها جزءاً أساسياً من قوة الردع الإيرانية والتفاوض بشأنها لا يخدم سوى أعداء إيران التي لم ولن تقبل التفاوض حول هذه المسألة المتعلقة بقدراتها العسكرية مع أحد، وهذه المواقف الثابتة تعطي إيران المساحة اللازمة لتطوير قدراتها في مواجهة الضغوط الخارجية والعقوبات التي أثبتت إيران بمواجهتها قدرة كبيرة على التحمل تصل إلى حد المنعة التي لا تقهر.

وأظهرت إيران في سياق المواجهة المستمرة وإعادة التموضع الجديد بأنها تفضل تطوير علاقاتها مع الشرق بدلاً عن الغرب، ومع الدول المجاورة بدل الدول البعيدة والتركيز على الرغبة المشتركة بينها وبين دول وشعوب المنطقة في رفض الهيمنة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي، وهذه الرغبة المشتركة سوف تساهم في تحديد شكل وطبيعة التموضع الجديد مع الإصرار على الدفاع عن الخط المقاوم وهذا أقل تقدير بعدما حصل من تحول إستراتيجي بعد سقوط نظام الأسد، وهذا يستدعي تقييماً دقيقاً للتوجهات الجديدة التي قد تتبناها كل من إيران وتركيا ومصر والسعودية، وهذه التوجهات يمكن أن تؤدي إلى إعادة ترتيب التحالفات سياسياً وأمنياً واقتصادياً وكذلك إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة وفق رؤية مشتركة تغلب مساحات الاتفاق على مساحات الخلاف تجاه كافة التحديات الإقليمية والدولية المتصاعدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى