أبرزحوار وشخصيات

حوارٌ مطوّل مع زوجته الرفيقة “أم هاني”

حوارالقائدُ الإنسان أبو علي مصطفى.. صديقُ الفلاحين والأب الحنون العاشق لفلسطين

بوابة الهدف- أحمد بدير

في الذكرى الأولى لرحيل الزميل الصحافي الشهيد/ أحمد نعيم بدير، تعيد بوابة الهدف الإخبارية نشر تقاريره الخاصة الذي نشرها أثناء عمله في البوابة.

الشخصيّاتٌ قليلةٌ في التاريخ بالكاد يستطيعُ المرء القول: إنّها غنيّةٌ عن التعريف، ومن ضمن هذه الشخصيّات دون إزادةٍ أو تأليه؛ الرفيقُ  أبو علي مصطفى  الذي كان أمينًا عامًّا للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، بل كان من الأعلام الذين حفروا أسماءهم في سجّلات التاريخ؛ إذ كان سياسيًّا بارعًا، وعسكريًّا محنّكًا، ومحاورًا فطنًا، ولربّما أخذ الرفيق حقّه على مدار سنواتٍ في الحديث عن صفاته هذه، لكنّنا أردنا التعرّف إلى جانبٍ آخر من حياة الرفيق أبو علي، عن الإنسان البسيط، صديق الفلّاحين في الأسواق الشعبيّة، المتواضع في حديثه، المتقشّف في طعامه، الكريم في صداقاته، وعلاقته مع جيرانه، في عرّابة وجنين ورام الله ودمشق وبيروت وعمَّان.

رأى كثيرون أنّ أساس تميّز الرفيق أبو علي نابعٌ من شخصيته الإنسانيّة، الواضحة؛ إذ كان متواضعًا ومتميّزًا بصلابة العامل وعزيمة الفلّاح المكافِح، ما أهّله – قبل كل شيء – ليكونَ قائدًا شعبيًّا ملتصقًا بهموم الجماهير من أبناء شعبه، وأبًا حنونًا على بناته وأبنائه رغم انشغالاته الكثيرة وظروف عمله السريّ في غالب الأحيان..

ولد الرفيق أبو علي مصطفى في بلدة عرابة بمحافظة جنين عام 1938، ودرس المرحلة الأولى في بلدته، ثم انتقل عام 1950 إلى عمّان، وبدأ حياته العمليّة، وأكمل دراسته فيها، فيما شارك عام 1967، مع الدكتور  جورج حبش  في تأسيس الجبهة الشعبيّة، وتولّى مناصبَ عديدة فيها، وأصبح مدماكًا صلبًا إلى جانب رفاقه المؤسّسين، إلى أن أصبح نائبًا للأمين العام ثلاثةَ عقود، وبعد أن شهدت رحلتُهُ تنقّلاتٍ عديدةً بين العراق ولبنان وسوريا والأردن وبعض الدول الاشتراكيّة، عاد للوطن في نهاية أيلول 1999، وتولّى مسؤوليّاته نائبًا للأمين العام حتى عام 2000، وانتخب في المؤتمر الوطني السادس أمينًا عامًا للجبهة حتّى اغتياله من قِبل الاحتلال في أغسطس/ آب العام 2001.

في هذه الذكرى اقتربنا من الرفيق أبو علي الإنسان، لنُلامس ما سمعناه وعرفناه وقرأناه عن هذا القائد المثال بإنسانيّته وتواضعه وبساطته وعفويّته.

في الذكرى الثانية والعشرين لاستشهاده، أجرت “بوّابة الهدف الإخباريّة” حوارًا مطوّلًا مع المناضلة ختام صالح “أم هاني”، رفيقة درب الرفيق القائد أبو علي مصطفى، التي تقيم حاليًّا في العاصمة الأردنيّة عمَّان، حيث تحدّثت لنا باعتبارها زوجةً ورفيقةَ دربٍ لسنواتٍ طويلة، عن الرفيق الذي خسرناه جميعًا.

تعرَّف الرفيق أبو علي عام 1963 على “أم هاني”؛ إذ كان ذلك بعد الإفراج عنه من السجن، وتزوّج منها في 23 يوليو/ تموز عام 1964.

للرفيق أبو علي خمسةٌ من الأبناء، ولدان هما: الدكتور هاني الذي يعمل طبيبًا في عمَّان، وفادي يعيش في سوريا، وثلاثة بنات هنّ: هالة، متزوجة في باقة الغربية في الداخل المحتل عام 1948، وهند، متزوجة في سوريا، وهيفاء، تعيش في الولايات المتّحدة، ومنذ اليوم الأوّل لتعارفه مع “أم هاني” أخبرها أنّه يريد تسمية هاني، وهالة، وهند.

الزوج المثال الذي يحترم المرأة:

عن الزواج، تتحدّث “أم هاني” أوّلًا: “كان هناك معرفة نسب بيننا، شقيقي كان متزوّجًا من شقيقته الكبرى، وبعد أن أمضى 5 سنوات في معتقل “الجفر” كان يتردّد دائمًا إلى بيت شقيقته للاطمئنان عليها في مدينة الزرقاء، وأنا كنت دائمة الزيارة لبيت شقيقي، وكان يراني دائمًا هناك، ومع تكرار الزيارات بدأ الأهل يتشاورون بشأن تجديد النسب بين العائلتين، وبالفعل كان خيارنا موفّقًا؛ لأنّ أبو علي كان جديرًا بالاحترام والحب، وأيّ فتاةٍ تتمناه، لرجولتِهِ وشهامتِهِ وأخلاقِهِ ووسامتِه، والأكثر من كلّ ذلك نضاله المبدئي وحبّه لفلسطين”.

“الحقيقة، أنّه – كان كأيّ زوج وأب – كان محبًّا لعائلته وبيته، لكنّه كان كثير الغياب؛ بسبب ظروف عمله، وكثيرًا ما كان يخرج وأطفالُنا نيامٌ، ويعود وهم نيامٌ في فترة طفولتهم، ولكن لا ينسى أبدًا أعيادَ ميلادِهم، ومناسباتهم المختلفة في المراحل الأخرى، وكان دائمًا يأخذنا في نزهةٍ إلى الجبل عندما كنّا في بيروت، كلّما سمح له الوقت بذلك”.

“أبو علي، قولًا وفعلًا، كان زوجًا مثاليًّا، يحترم المرأة لأبعد الحدود، فلا أذكر أنّه جرحني في يومٍ من الأيّام، ونحن – كأبناء قرى – كنّا نتعامل مع بعضنا بعضًا وفق  الحياة البسيطة، وكنّا متفاهمين فيما بيننا لأبعد الحدود؛ فقد كنت أتفهّم طريقة عمله وظروفه رغم صعوبتها في البداية؛ لأنّني لم أعتد على هذه الحياة، ومع مرور الوقت أصبحت داعمةً ومشجّعةً لكل ما كان يفعله أبو علي كوني جزءًا من هذا الشعب، والحمد لله قمت بدوري على أكمل وجه في تربيّة الأولاد أفضل تربيّة في ظلّ غياباته المتكرّرة حتى يكون مرتاحًا ومتفرّغًا لأعماله”.

“بعد الزواج وحينها كنّا في عرابة، انتقلنا للعيش في جنين بحكم عمله، عَمِل أبو علي في محل لبيع الحبوب والمواد الزراعيّة للفلاحين، وأيضًا عَمِل في محلٍ لبيع (الفول والفلافل والحمص) عند شارع المدرسة في الحارة الشرقيّة من باب “التمويه”، وحينما كان يلتقي مع الناس كان لا يتحدّث مثل القادة بأسلوبٍ جدّي ورسمي، بل كانت أحاديثه بسيطة وشعبيّة”.

“بعد النكسة عام 1967، خفت عليه كثيرًا، لا سيّما وأنّه انتقل إلى العمل الفدائي المسلّح، ودخل إلى فلسطين متسلّلًا أكثر من مرّة، وأذكر في إحدى المرّات غاب عن البيت أربعين يومًا، ولم أعرف عن غيابه شيئًا في تلك المرّة، ولا يوجد تواصل بالتلفون أو أي رسائل بيننا؛ لأنّه كان ينتهج العمل السري بشكلٍ كبير، وبصراحةٍ أنا كنت أتابع أخباره لأطمئنّ عليه من إذاعة الاحتلال، فكنت أقول في نفسي لو كان معتقلًا أو حدث له أي مكروه آخر لأقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وسيذكرون ذلك في الأخبار، باعتباره يشكّل صيدًا ثمينًا لهم”.

موقفٌ لا ينسى.. وصلنا شاطئ حيفا يا أم هاني:

“في أحد الأيّام ونحن نسكن في عرّابة، أبلغني أبو علي أنّه سيُغادر ويبيت تلك الليلة في جنين، ودّعني أنا وهالة وخرج، وفي اليوم التالي عاد إلى البيت وكان متعبًا جدًّا، بل كان يمشي بصعوبة، وطلب منّي إحضار (طُشُتْ مي) – وعاء ماء فاتر- ليضع قدميه فيه، وعندما خلع حذاءه كانت قدماه متورّمتين، وحينما سألته: (وين كنت يا أبو علي) قال: (كنّا نمشي أنا ومجموعة شباب، ووصلنا شاطئ حيفا يا أم هاني)، وأخبرني أنّ العدو قد شعر بوجودهم وأطلق جنود الاحتلال الرصاص عليهم، وأزّت إحدى الرصاصات ومرّت بالقرب من وجه أبو علي، وكانت المسافة بينها وجانب وجهه الأيسر كشعرة، فأخبرني أنّه في لحظتها ما خطر في باله شيء سوى ابنته هالة التي أحسّ بأنّها تبكي في تلك اللحظة. هذه القصّة دائمًا تذكّرني بأنّ أبو علي كان في الدرجة الأولى إنسانًا عاطفيًّا رغمَ جديّته الظاهرة، لكنّه كان يحمل قلبًا مليئًا بالحبّ والحنان”.

دمشق.. الرحلة الأهدأ:

“عندما سافرنا إلى دمشق وأقمنا هناك، كانت مرحلةً مهمّةً جدًّا في حياتنا، مليئةً بالهدوء، واتّسمت بالبساطة، وهذا ما كان يريده أبو علي، كان يتنقّل بكل حريّة، ويذهب لشراء الأغراض بنفسه من الأسواق الشعبيّة، ويشاهده الناس وهو يحمل أكياس الخضار والفاكهة، وكانت علاقته مع الجيران من أروع ما يكون، وحتى يومنا هذا يتحسّر الجيران في دمشق على المرحلة التي عايشوا فيها أبو علي مصطفى؛ لأنّه كان يزورهم في الأعياد والمناسبات ونسج علاقات مع كل الجيران، ويجلس معهم على أبواب المحلّات ليسمع لهم ويناقشهم في القضايا المختلفة”.

الأكلة الأطيب:

“عندما كنت أسافر لظروفٍ مختلفة، وخاصّةً عندما كنّا في الشام، كان أبو علي في بعض الأحيان هو من يطبخ للمرافقين، وكان بسيطًا في طعامِه ولا يتكبّر على أي شيء، ولا يتعامل بفوقيّة مع مرافقيه، بل كان يُعاملهم مثل أبنائه، ولم أشعر للحظة أنّهم مرافقون، فقد كانوا في بيتنا بشكلٍ دائم، وكلّما كنت أطبخ كانوا يأكلون معنا في المنزل ممّا نأكل، وكانت علاقتي معهم علاقة أم مع أبنائها، لا سيما وأنّ أبو علي كان كريمًا ومضيافًا على الدوام، ولا أذكر مرّة أنّه كان في اجتماعٍ مع الرفاق أو لديه ضيوف من الخارج، إلّا وكان يصرُّ على دعوتهم إلى بيتنا، سواءً أبلغني أن معه ضيوفًا أو لم يبلغني، فقد كانوا يأكلون معنا من الأكل الموجود في البيت، وكان دائمًا يفاجئني ويقول كلمته المعروفة: (دبّري حالك يا أم هاني معاي ضيوف) وفعلًا كنت أدبّرها”.

“أطيب أكلة كان يحبّها أبو علي هي طبخة فلسطينيّة بسيطة ومتواضعة لا تطبخها سوى والدته التي تعلّمت منها عندما كنّا في عرّابة كل الأكلات التي يُحبّها أبو علي، وهي عبارة عن (عدس وكوسا وبندورة)، وكان لا يحب أن يأكل إلّا ما أطبخه له على طريقة والدته، حتى في طلباته كان بسيط جدًّا، وعندما تغيّر وضعه التنظيمي وأصبح أمينًا عامًا للجبهة، لم يتغيّر شيء على أطباعه وعاداته وتواضعه وبساطته، بقي كما هو، أبو علي الذي نعرفه ويعرفه الجميع”.

نقاشاتٌ سريعةٌ على طاولة الطعام:

“كان أبو علي يفصل ما بين عمله السياسي والتنظيمي، وما بين أسرته التي لها حق عليه، فلم يكن يتحدّث في السياسة أو الأمور التنظيميّة إلّا في ظروفٍ قليلةٍ جدًّا؛ إذ كان هناك مرّات يتبيّن أنه يشعر بالضيق، فأسأله عمّا جرى، أحيانًا يتكلّم، وأحيانًا لا، لا سيّما عن أمورٍ قد تكونُ سريّةً لا يمكن الحديث عنها حتّى لزوجته، أو في أحيانٍ أخرى يكون هناك حدث مهمّ، مثلًا، وسمعنا عنه من خلال الأخبار، فنتناقش سريعًا خلال جلساتنا في المنزل، وكانت طاولة الطعام في منزلنا محطّة لنقاشاتنا مع أبو علي، سواء معي أو مع الأولاد، ويسأل عنهم وعن أحوالهم ودراستهم، وتفاصيل أخرى كثيرة عن الحياة”.

علاقته مع والدته:

“علاقته كانت مميّزةً جدًّا مع والدته، كان حنونًا لدرجةٍ كبيرة على أمه، وعندما عدنا إلى فلسطين عام 1999، أصرّ على السكن في عرّابة بجنين ليكون قريبًا منها، ويوميًّا كان يذهب للاطمئنان عليها، ويأكل من طبخاتها البسيطة التي اعتاد عليها في طفولته، وعلاقته مع أعمامه وأخواله وأقاربي كانت أيضًا من أفضل ما يكون”.

“أبو علي كان كثير الحركة، يحب التجوّل هنا وهناك، ومن شدّة تواضعه كان يذهب إلى السوق الشعبي من أجل شراء الخضروات والأعشاب التي يُحبها، وخاصّة “الزعتر، والخبيزة”، كان يشتريهم من الفلاحات اللواتي يجلسن على الأرض في السوق برام الله، ويشتري خضروات موجودة عندي في المطبخ لست في حاجةٍ إليها، فقط لأنّه يريد مساعدة الفلاحات ولكن بطريقته، وفي مرّة أذكر جاءني شقيقه ليقول (يا إم هاني لا ترسلي أخوي على السوق، احكيلي كل طلباتك وأنا بشتري الأغراض لإني عارفه ما بيحب يقعد)، فأخبرته أنّني لست في حاجة لكل هذه الأغراض؛ ولكن أبو علي هو من يريد ذلك، وحريص على العيش بين الناس، وهدفه معرفة أحوالهم، وتلمّس هموم الفقراء، فلم يترك مخيم، أو بلدة، أو قرية، إلّا وزارها وتعرّف على أهلها، كما أنّه زار غزّة عدّة مرات ويحب أهلها كثيرًا”.

الرحيل.. “احكيلي انو الخبر كذب”

“سافرت قبل استشهاده بفترةٍ قصيرة إلى ابني هاني في عمَّان؛ لأنّه كان على وشك التخرّج من الجامعة، أحببت أن أكون بجانبه وأساعده في أمور المنزل، وعندما جئت إلى عمّان صادرت المخابرات هناك كل أوراقي الثبوتيّة على الجسر، ولم يبقَ معي أي ورقة ثبوتيّة أستطيع العودة من خلالها، وقضيت أكثر من أسبوعين في عمّان وقررت العودة؛ لأنّني لا أريد البقاء هنا، بل أريد أن أعود عند أبو علي، وكان من المفترض أن أستلم جواز سفري لأتمكّن من العودة إلى رام الله في يوم استشهاده 27 أغسطس”.

“هاتفني أبو علي ليلة الاستشهاد، وقال لي عودي إلى رام الله بأي شكلٍ من الأشكال وبأسرع وقت (بدي أشوفك) وأنا في حاجةٍ إليك، وأخبرته أنّني أيضًا أريد العودة سريعًا ولا أريد أن أتركه وحيدًا، وبقيت هذه الكلمات ترنّ في أذني طوال الليل، وقلقت عليه كثيرًا، وفي تلك الليلة اتّصل أيضًا بابنتنا هالة في فلسطين المحتلّة، وقال لها: (يبدو أنّها مسألة وقت يابا) وكأنّه كان يشعر بقرب موعد الرحيل، فردّت عليه هالة: (يابا دير بالك على حالك يا حبيبي، وما تتحرّك كثير خارج المكتب)”.

“صباح اليوم التالي، أي يوم الاستشهاد، كنتُ موجودةً وحدي في المنزل، رنّ الهاتف، وكانت على الجانب الأخر من الاتصال (نديّة) شقيقة أبو علي منهارةً من البكاء، وقالت حرفيًّا: (أم هاني قصفوا مكتب أخوي أبو علي)، حينها أنا تجمّدت في مكاني، فتحت التلفاز ولم أصدق الخبر من الصدمة، وفورًا اتّصلت في سهيل (مسؤول مكتبنا في عمّان) وسألته ما الذي جرى؟، فردّ قائلًا: (ليلى في طريقها إلى منزلك)، يقصد الرفيقة ليلى خالد، وحينها أنا صدّقت الخبر، وبدأت بالصراخ بأعلى صوت، وجاءت جارتي تركض من شدّة صراخي، وتسألني: (مالك؟ شو اللي صار؟) وأذكر أنّني كنت أردّ عليها بجملةٍ واحدة فقط: (احكيلي انو الخبر كذب)، هذا الحدث هزّ العائلة، وهزّني بشكلٍ خاص، لا يُمكن أن أنساه”.

“سنُذيقهم من نفس الكأس”:

“شربت يومها هذا الخبر العلقم، وكانت صدمة لكلّ الشعب الفلسطيني والعربي، وكلّ من تعرّف على أبو علي وعرفه، لا سيّما وأنّنا تركنا الكثير من العلاقات المميّزة مع الناس، خاصّةً في سوريا والأردن ولبنان، والجميع تلّقى الخبر بصدمةٍ كبيرة، إلّا أنّ التصريح الذي أعطته الرفيقة ليلى في حينه لوسائل الإعلام من داخل بيتنا الذي امتلأ بالصحفيين فور علمهم بخبر الاغتيال، أراحني وانتشلني من هذا الحزن ولو قليلًا؛ إذ أكَّدت لهم بعباراتٍ قليلة وشديدة الوضوح: “سنُذيقهم من نفس الكأس”، وهذا ما حصل فعلًا، قتل الرفاق الوزير العنصري رحبعام زئيفى”.

“الثأر.. أبو غسّان تاج على الراس”:

“بعد الاغتيال عُدتُ إلى رام الله، وأذكر جاءت مظاهرة شبابيّة كبيرة أمام بيتنا، فخرجت لاستقبالهم ووجهت التحيّة لهم، وأدركت أنّ أحد هؤلاء الشباب سينتقم حتمًا لدم أبو علي مصطفى، وفعلًا، كان الردّ قويًّا جدًّا، وكان فعلًا الرأس بالرأس مع أنّه (فشر يكون زئيفي مثل رأس أبو علي)، ولكنّه كان ردًّا شفى صدور كل أبناء الشعب الفلسطيني”.

“في يوم الثأر، السابع عشر من أكتوبر، أذكر أن ابني الدكتور هاني هاتفني أثناء قيادته السيارة، وسألني: (عرفتي شو صار؟)، فأخبرته أنّني سمعت بالخبر، ولكن الأخبار لم تؤكّد مقتل الوزير المستهدف، وسألته (مات ولّا لسا؟)، وخلال حديثنا سمعنا سويًّا من الأخبار أنّه (مات أخيرًا)، فأُصِبنا بحالةٍ من الفرح الذي لا يُوصف، ومهما فعلنا لن نوفي الشباب أبطال العملية حقّهم بكل أمانة، وفيما بعد ذهبت لزيارتهم في رام الله قبل أن يحصل معهم ما نعرفه جميعًا، وكل الكلمات قليلة بحقهم، حيث كان الحمل ثقيلًا عليهم، ولكنّهم كانوا على قدر هذه الأمانة والمسؤوليّة الكبيرة، والرفيق أحمد سعدات “أبو غسّان” سيبقى على العين والرأس طوال العمر، وأنا التقيت به بعد استشهاد أبو علي، فهذا الإنسان عظيم ولا مثيل له”.

“الخلاصّةُ أنّنا عشنا مع أبو علي حياةً سعيدةً للغاية، ونتذكّره في كل دقيقة، لم يغب عنّا لحظةً واحدة، ومواقف كثيرة تحدث معنا ننظر إلى صوره ونشعر بالحسرة والألم، ونقول: يا ليتك موجود معنا الآن يا أبا علي”.

رسالة إلى أبناء شعبنا:

“صحيح أنّني أقيم في عمَّان في الوقت الحالي، ولكنّ تلفازي لا ينطفئ عن الأخبار، أتابع يوميًّا ما يجري مع أبناء شعبنا، وقلوبنا معلّقة معكم في الوطن، قضيتنا كبيرة وشعبنا يقدّم الشهداء يوميًّا، وأسرانا يعذّبون في السجون، وغزّة تُعاني الويلات، ودائمًا شعبنا محطّ فخرٍ ويُناضل بلحمه الحي، وأقولها بملء الفيه: رغم كل هذه الصعوبات والهموم، نفتخر بأنّنا أشجعُ شعبٍ في العالم”.

وداعًا رفيق أبو علي:

رحلة الرفيق أبو علي مع الرفيقة المناضلة “أم هاني” استمرت 37 عامًا، ورحل بعد هذه الرحلة تاركًا خلفه إرثًا عظيمًا، ليس لأسرته فقط، بل للشعب الفلسطيني بأكمله، إرثٌ تتوارثه الأجيال جيلًا بعد جيل، فهذا القائد الإنساني ترك بصمةً له في كل شارعٍ وزقاقٍ ومُخيّم، مصرًّا على النضال بأشكاله كافّة، داعمًا للطبقات المسحوقة المهمّشة، ساعيًا مع رفاقه في الوقت ذاته إلى تحرير الأرض والإنسان، حتى فاضت أنفاسه الأخيرة نهار السابع والعشرين من أغسطس/ آب عام 2001.

نُرفق رسالةً خاصّة كتبها الرفيق أبو علي مصطفى بخط يده إلى زوجته أم هاني في أحد الأيّام معبرًا فيها عن شوقه لها ولأبنائه ليطمئن عليهم:

عزيزتي أم هاني.. تحيّة الشوق

في الساعة السابعة من صبيحة هذا اليوم الربيعي الجميل، أكتب لك هذه الرسالة الثالثة منذ سفري مطمئّنًا عنك وعن الأولاد جميعًا، وهو أوّل عملٍ أقوم به صباح هذا اليوم الأحد، وهو عملٌ جميلٌ وممتع، ولا أخفيكِ كم كان شوقي وتلهّفي في انتظار رسالةٍ منك مع الرفيق صالح، ولكن أسقط في يدي، بعد أن فتحت المغلفات القادمة معه من دمشق ولم أجد المطلوب، ونمت ليلةً بلا راحة، مما دفعني أن يكون ما فعلته الاتصال التلفوني مع موسكو صباحًا ومبكرًا، وسألت صالح عن رسالةٍ منك، مؤمّلًا نفسي أن تكون معه، وقد يكون من باب الحرص عليها لم يضعها مع مغلفات المكتب، لكنّ خاب أملي وأخبرني أنه لم يستلم رسالةً لي من طرفك.

المهم ما هي أخبارك الصحيّة والمعنويّة، وكذلك أخبار الصبايا والشباب، هند وهيفا وهاني وفادي، أكيد غاطسين هالأيام في الاستعداد للامتحانات، أتمنّى لهم النجاح، وأنا واثقٌ من ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى