آراءأبرزمقالات

الاستيطان… من مظلة الحماية الدولية إلى استحقاق المساءلة: هل آن للعالم أن يرى الحقيقة؟ [أحمد مراد]

بقلم: أحمد مراد

من فلسطين، حيث تُختبر إرادة الشعوب في مواجهة الاحتلال والاقتلاع، تتقدم الحقيقة، رغم كل محاولات التزييف والتضليل، لتفرض نفسها على الرأي العام العالمي. فبعد عقود طويلة من توفير مظلة سياسية ودبلوماسية للاحتلال، بدأت مواقف دولية تتجاوز حدود الإدانة اللفظية، وتتجه، ولو بصورة محدودة ومتأخرة، نحو اتخاذ إجراءات عملية تجاه الاستيطان وممارسات المستوطنين.

وفي هذا السياق، تبرز الخطوة التي أعلنتها اثنتا عشرة دولة، هي فرنسا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد والمملكة المتحدة وكندا، بشأن فرض قيود أو دعم إجراءات تستهدف التجارة مع منتجات المستوطنات، باعتبارها تطورًا سياسيًا مهمًا يستحق الترحيب، لأنها تمثل انتقالًا نسبيًا من دائرة التعبير عن القلق والإدانة إلى دائرة الفعل والإجراء.

إن أهمية هذه الخطوة لا تكمن فقط في طبيعة الإجراءات المعلنة، وإنما في دلالتها السياسية ، فهي تعكس تزايد الإدراك الدولي بأن الاستيطان ليس مجرد قضية خلافية أو نشاطًا اقتصاديًا عاديًا، بل مشروع احتلالي استعماري يقوم على مصادرة الأرض وتهجير أصحابها وفرض وقائع جديدة بالقوة، ويشكل إحدى الأدوات الرئيسية في تنفيذ مخططات الضم وتكريس الاحتلال.

وتأتي هذه التطورات فيما تواصل حكومة الاحتلال الصهيوني حربها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، بالتوازي مع تصعيد مخططاتها لتسريع الضم والتهجير القسري في الضفة الغربية والقدس.

 وفي الوقت ذاته، تتصاعد اعتداءات المستوطنين على المواطنين الفلسطينيين في المدن والبلدات والقرى والتجمعات الفلسطينية، مستهدفة المنازل والأراضي والممتلكات والمزروعات ومصادر المياه والطرق والمنشآت وكل مقومات الحياة.

وما يجري في الضفة الغربية والقدس ليس مجرد سلسلة اعتداءات فردية منفصلة، بل جزء من منظومة متكاملة تتداخل فيها سياسة الاستيطان مع سياسات الضم والتهجير ومصادرة الأرض.

 فالمستوطنون يتحركون تحت حماية جيش الاحتلال وأجهزته الأمنية، بينما توفر لهم حكومة الاحتلال الغطاء السياسي والقانوني، بما يؤكد أن الاستيطان ليس هامشًا على المشروع الاحتلالي، بل أحد أعمدته الأساسية وأدواته في فرض السيطرة والاقتلاع.

وعليه ، فإننا نرحب بخطوة الدول الاثنتي عشرة، ونعتبرها ثمرة تضحيات وصمود وثبات ومقاومة الشعب الفلسطيني ، على مدى اكثر من 100 عام ، وليست منة من احد ، ومع ذلك ننظر إليها باعتبارها خطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي البناء عليها وتطويرها، لا باعتبارها محطة نهائية.

 فالاستيطان الذي ترسخ على مدى عقود في ظل الحماية السياسية الدولية لا يمكن مواجهته بإجراءات جزئية ومحدودة، وإنما يحتاج إلى مسار نضالي طويل فلسطيني وعربي وأممي ، ينقل القضية من الإدانة إلى المساءلة، ومن المساءلة إلى العقوبات، وصولًا إلى إنهاء الإستيطان والاحتلال .

لقد بات المطلوب اليوم من هذه الدول، ومن المجتمع الدولي عمومًا، أن تترجم مواقفها إلى أفعال سياسية واقتصادية وقانونية أكثر وضوحًا، وألا تتوقف عند مقاطعة منتجات المستوطنات أو فرض قيود محدودة على التعامل معها، بل أن تمتد الإجراءات إلى محاسبة المستوطنين المتورطين في الاعتداءات، ومساءلة الشركات والجهات التي تموّل أو تدعم المشروع الاستيطاني، ووقف أشكال الدعم التي تتيح للاحتلال مواصلة سياساته، وفرض كلفة حقيقية على الإبادة والاستيطان والضم والتهجير.

فالاختبار الحقيقي لهذه المواقف لا يكمن في البيانات، وإنما في القدرة على الانتقال من القول إلى الفعل، ومن الاعتراف بخطورة الاستيطان إلى اتخاذ الإجراءات الكفيلة بوقفه. وإذا كان العالم قد بدأ يرى حقيقة الاستيطان، فعليه أن يتعامل معه باعتباره جزءًا من منظومة الاحتلال وانتهاكًا مستمرًا للحقوق الفلسطينية والقانون الدولي، لا كأمر واقع ينبغي التعايش معه.

 وهنا تبرز مسؤولية بريطانيا بصورة خاصة، إلى جانب مسؤولية الدول الغربية التي أسهمت تاريخيًا في توفير البيئة السياسية والدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية التي مكّنت المشروع الصهيوني من القيام و التوسع وترسيخ وجوده على حساب الشعب الفلسطيني. فبريطانيا تتحمل مسؤولية تاريخية مباشرة عن الدور الذي أدته خلال مرحلة الانتداب، وعن السياسات التي أسهمت في تمكين الحركة الصهيونية ودعم مشروعها، وصولًا إلى قيام الكيان الصهيوني عام 1948 على أرض فلسطين، وما رافق ذلك من نكبة وتهجير واقتلاع للشعب الفلسطيني.

كما أن مسؤولية الدول الغربية لا تتوقف عند الماضي ، فقد استمرت، بدرجات وأشكال مختلفة، مظاهر الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي والدبلوماسي للاحتلال على مدى عقود طويلة، بما ساهم في استمرار الاحتلال والاستيطان والإفلات من المساءلة.

ومن هنا، فإن انتقال بعض هذه الدول اليوم إلى اتخاذ إجراءات ضد منتجات المستوطنات يمثل خطوة مهمة، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام استحقاق أكبر ، ان تراجع سياساتها، وأن تعترف بمسؤوليتها التاريخية، وأن تترجم هذا الاعتراف إلى أفعال ملموسة.

لقد آن الأوان لهذه الدول، وبخاصة تلك التي شاركت في صناعة الظروف التي مكّنت المشروع الصهيوني من اقتلاع الشعب الفلسطيني، أن تتحمل مسؤوليتها الأخلاقية والسياسية والقانونية تجاه ما لحق بفلسطين وشعبها من ظلم تاريخي. ولا يكون تصحيح هذا المسار بالاعتراف بخطورة الاستيطان وحده، بل بالاعتراف الواضح بالحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، والاعتراف بما لحق به من ظلم واقتلاع وتهجير، والمساهمة الفعلية في إنهاء الاحتلال وآثاره، وضمان حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره..

وفي المقابل، فإن مسؤولية القوى الفلسطينية لا تقل أهمية ، إذ إن مواجهة مشاريع الضم والتهجير والاستيطان تتطلب تعزيز الوحدة الوطنية وإنهاء الانقسام، وتحديد رؤية سياسية فلسطينية مشتركة، وتوحيد طاقات الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، واستنهاض كل القوى الوطنية والشعبية لمواجهة المشروع الصهيوني والدفاع عن الأرض والحقوق والثوابت الوطنية.

إن وحدة الشعب الفلسطيني وصموده، إلى جانب اتساع دائرة التضامن الدولي، يشكلان رافعة أساسية لتحويل التحولات الدولية الحالية إلى مسار أكثر تأثيرًا. والمطلوب أن تتراكم هذه الخطوات وتتسع، وأن تنتقل من فرض عقوبات على منتجات المستوطنات إلى مواجهة المنظومة الاستيطانية بكاملها، ومن إجراءات محدودة إلى سياسة دولية متكاملة تضع الاحتلال أمام استحقاقات سياسية وقانونية واقتصادية حقيقية.

فحقيقة فلسطين لا تبدأ من المستوطنات وحدها، بل من الاحتلال الذي أنشأها ويحميها، ومن الاقتلاع الذي سبقها، ومن النكبة التي ما زالت آثارها قائمة، ومن عقود طويلة من الدعم والحماية التي مكّنت الاحتلال من الاستمرار والإفلات من المساءلة. ودماء الشهداء وتضحيات الأجيال لم تكن من أجل أن يبقى الاحتلال أمرًا واقعًا، ولا لكي يتحول الاستيطان إلى حقيقة دائمة، بل من أجل الحرية والعودة والعدالة.

لقد عرف العالم الحقيقة الفلسطينية منذ زمن طويل، لكنه تأخر في الانتصار لها. واليوم، إذا كانت بعض الدول قد بدأت بالانتقال من الإدانة إلى الفعل، فإن عليها أن تمضي حتى النهاية ، لأن تصحيح الظلم التاريخي بحق الشعب الفلسطيني لا يكون بنصف موقف، ولا بإجراء محدود، وإنما بالاعتراف الصريح بالحقوق الوطنية الفلسطينية، وتحمل المسؤولية عن السياسات التي أسهمت في صناعة هذا الظلم، والعمل الجاد على إنهاء الاحتلال والاستيطان وتمكين الشعب الفلسطيني من استعادة حقوقه الوطنية المشروعة.

فهل آن للعالم أن يرى الحقيقة كاملة، وأن ينتقل أخيرًا من مظلة حماية الاحتلال إلى استحقاق مساءلته، ومن إدارة الظلم التاريخي إلى تصحيحه وإنهائه ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى