أبرزمقالات

الضم الصهيوني يتقدم في الضفة… والمطلوب تحرك فلسطيني أكثر جرأة وجدية. [أحمد مراد]

لم يكن المشروع الاستيطاني الصهيوني في الضفة الغربية يوماً مشروعاً عمرانياً أو أمنياً عابراً، كما حاول الاحتلال تسويقه، بل كان جزءاً من مشروع سياسي متكامل يستهدف السيطرة على الأرض وتهجير أصحابها وفرض وقائع تحول دون قيام دولة فلسطينية مستقلة. وما يجري اليوم من نقل صلاحيات إنفاذ القانون المتعلقة بالمستوطنين من جيش الاحتلال إلى الشرطة الإسرائيلية يؤكد، مرة جديدة، صحة الرؤية الفلسطينية التي حذرت منذ عقود من أن الاستيطان ليس منفصلاً عن مشروع الضم والسيطرة على الأرض الفلسطينية.

فوزير جيش الاحتلال يسرائيل كاتس طلب من الجيش إعداد خطة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون المدني المتعلقة بالمستوطنين والمواطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية إلى الشرطة التابعة لوزارة الأمن القومي التي يقودها المتطرف إيتمار بن غفير، على أن تُعد الخطة خلال أسبوعين. ورغم تقديم هذه الخطوة باعتبارها مجرد إعادة توزيع للمهام، فإن دلالاتها السياسية تتجاوز بكثير البعد الإداري، إذ تعني توسيع حضور مؤسسات الدولة الصهيونية المدنية داخل الأرض الفلسطينية المحتلة، وترسيخ ارتباط المستوطنات بمنظومة الحكم والقانون الإسرائيلية.

والأكثر دلالة أن بن غفير نفسه لم يخفِ حقيقة هذا المسار، بل وصف نقل الصلاحيات بأنه خطوة نحو فرض “السيادة الإسرائيلية”، وطالب بتوسيعها لتشمل نقل صلاحيات أخرى إلى وزارته والشرطة. وهنا تسقط محاولات تقديم الأمر باعتباره إجراءً أمنياً محدوداً، إذ يكشف أحد أبرز أركان حكومة الاحتلال عن الغاية السياسية الكامنة وراءه: تحويل السيطرة العسكرية على الضفة الغربية إلى سيطرة مدنية إسرائيلية متدرجة.

إن الشعب الفلسطيني لم يحتج إلى هذه الخطوة كي يدرك طبيعة المشروع الاستيطاني. فمنذ إقامة المستوطنات الأولى، كان واضحاً أن الاحتلال لا يبني تجمعات سكانية مؤقتة، وإنما يسعى إلى خلق وقائع دائمة على الأرض، تقطع أوصال الضفة، وتصادر الأراضي، وتحاصر المدن والقرى والمخيمات، وتدفع الفلسطينيين تدريجياً إلى مساحات مجزأة ومحاصرة، وصولاً إلى دفعهم إلى ترك أرضهم وبيوتهم بقوة القهر والعدوان.

وما يحدث اليوم هو انتقال المشروع من مرحلة صناعة الوقائع إلى مرحلة تثبيت هذه الوقائع داخل مؤسسات الدولة الصهيونية. فالخطورة لا تتوقف عند المستوطنات القائمة، وإنما تتصل بمسار متكامل يجمع بين التوسع الاستيطاني، وشرعنة البؤر الاستيطانية، وتصعيد اعتداءات المستوطنين، وتوسيع صلاحيات الأجهزة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وفي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات الدولية لفشل الاحتلال في مواجهة اعتداءات المستوطنين بحق الفلسطينيين، يجري، بدلاً من محاسبة المعتدين ووقف الاستيطان، إدماج المستوطنين بصورة أعمق في منظومة الدولة وأجهزتها، بما يهدد بتحويل الاستيطان من مشروع احتلالي محمي إلى واقع ضم فعلي.

ومن منظور وطني فلسطيني، تؤكد هذه التطورات أن المعركة على الضفة الغربية ليست معركة على حدود أو إجراءات إدارية، بل هي معركة على الأرض والوجود والهوية والمستقبل السياسي للقضية الفلسطينية. فالاحتلال يسعى إلى جعل الضم أمراً واقعاً قبل أن يصبح قراراً معلناً، وإلى طمس الخط الفاصل بين الأراضي الفلسطينية المحتلة والمجال الإسرائيلي، بحيث تصبح المستوطنات وأمن المستوطنين جزءاً من مؤسسات الدولة، بينما يبقى الفلسطيني خاضعاً لمنظومة الاحتلال والسيطرة.

وعليه، فإن الرد الفلسطيني لا ينبغي أن يقتصر على الإدانة السياسية أو انتظار ردود الفعل الدولية. المطلوب رؤية وطنية شاملة تضع مواجهة الاستيطان والضم في صلب الصراع، وتجمع الطاقات الفلسطينية على أساس حماية الأرض وتعزيز صمود الشعب ومواجهة مشاريع التهجير والتصفية، بعيداً عن أوهام إمكانية احتواء المشروع الاستيطاني أو التعايش معه باعتباره أمراً واقعاً.

لقد حذّر الشعب الفلسطيني وقواه الوطنية طويلاً من أن الاستيطان هو رأس الحربة في مشروع السيطرة والضم.

واليوم تأتي الوقائع لتؤكد أن هذا التحذير لم يكن مبالغة ولا مجرد خطاب سياسي؛ فعندما تنتقل صلاحيات إنفاذ القانون من جيش الاحتلال إلى الشرطة التابعة لحكومة الاحتلال، وعندما يعلن بن غفير أنها خطوة على طريق “السيادة”، فإن المشروع الاستيطاني يكشف بوضوح عن هدفه السياسي والاستراتيجي.

إن مواجهة هذا المسار تتطلب إعادة الاعتبار إلى جوهر القضية: الأرض الفلسطينية ليست مجالاً للمساومة، والاستيطان ليس واقعاً طبيعياً يمكن التكيف معه، والضم لا يصبح مشروعاً مشروعاً بمجرد فرضه بالقوة.

 وسيبقى حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحرية وطنه واستقلاله وعودة لاجئيه ثابتاً، مهما حاول الاحتلال تحويل وقائع القوة إلى حقائق سياسية وقانونية.

فالاستيطان الذي حذّر منه الفلسطينيون لعقود، باعتباره أداة للاقتلاع والضم، يكشف اليوم عن وجهه الحقيقي بصورة أكثر وضوحاً. وما يجري في الضفة الغربية ليس مجرد توسع استيطاني، بل محاولة لإعادة صياغة الجغرافيا والسياسة والقانون بما يخدم مشروعاً استعمارياً يسعى إلى حسم الصراع على الأرض.

 ومن هنا، فإن حماية الأرض ومقاومة الاستيطان والتهجير والضم ليست مهمة فصيل أو جهة بعينها، بل مسؤولية وطنية فلسطينية شاملة، تفرض توحيد الموقف والطاقات في مواجهة هذا المشروع والدفاع عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى