أبرزمقالات

الانتخابات: فرصة للسلطة أم مأزق لفتح؟ فريد مرة 

ليست الانتخابات الفلسطينية المقبلة، إن جرت، مجرد استحقاق ديمقراطي لتجديد المؤسسات، بل قد تكون لحظة كاشفة لتحولات أعمق داخل بنية السلطة وفتح والمجتمع الفلسطيني. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: من سيفوز؟ بل: أي مصالح ستدخل الانتخابات، وبأي مشروع، ولصالح من؟

خلال سنوات الحكم، نشأت داخل منظومة السلطة شريحة واسعة لم تعد ترى في السلطة مجرد أداة مؤقتة لإدارة مرحلة سياسية، بل أصبحت السلطة بالنسبة إليها إطارًا لمصالح اقتصادية واجتماعية وسياسية تراكمت وتداخلت مع قطاعات من الرأسمال الفلسطيني. وهكذا بدأت تتشكل، بصورة أو بأخرى، كتلة مصالح (طبقة)لها حساباتها الخاصة، وشبكاتها وعلاقاتها وقدرتها المالية والإعلامية، وأصبح شعارها العملي: المصالح أولًا.

وتزداد شهية هذه الطبقة مع ما يمكن أن تفتحه مرحلة غزة المقبلة من فرص، ولا سيما إعادة الإعمار، بما تحمله من أموال ومشاريع وشبكات نفوذ. ومن هنا فإن إبعاد حماس عن القرار والتأثير لا يبدو بالنسبة إلى هذه المصالح مجرد مسألة سياسية، بل جزءًا من إعادة تشكيل البيئة التي ستدار فيها مرحلة ما بعد الحرب.

هذه الطبقة المرتبطه مصالحها مع الطرف الاخر ، إذا قررت خوض الانتخابات، تدخلها وهي تملك عناصر قوة مهمة: المال، والإعلام، والعلاقات، والقدرة على المناورة، والاستعداد للمساومة السياسية، فضلًا عن قبولها لدى أطراف عربية ودولية عديدة. ولذلك فإن التعامل معها باعتبارها مجرد امتداد إداري للسلطة سيكون خطأ سياسيًا.

في المقابل، تواجه فتح مأزقًا مختلفًا. فهي بحكم تاريخها ودورها الوطني ليست مؤهلة، نظريًا على الأقل، لأن تختزل نفسها في حماية مصالح الطبقه كما أنها ليست كتلة متجانسة. جزء منها خارج المنظومة الرسمية، وجزء معارض من داخلها، وجزء آخر بات شديد التداخل مع منطق المصالح الذي أنتجته السلطة.

وهنا يصبح الفرز داخل فتح أكثر أهمية من الفرز الانتخابي نفسه.

فمن يجعل حماية السلطة أولوية مطلقة يجد نفسه، موضوعيًا، أقرب إلى خندق المصالح المتشكلة حولها. ومن يضع الأولوية الوطنية والاجتماعية فوق بقاء السلطة ومصالحها يجد نفسه أقرب إلى تاريخ فتح ودورها الشعبي. ولذلك فإن مأزق فتح ليس في قدرتها على خوض الانتخابات، وإنما في قدرتها على تحديد أي فتح ستخوضها: فتح السلطه ( الطبقه )أم فتح الحركة الوطنية.

وهذا المأزق يمكن أن يصبح سببًا لتأجيل الانتخابات أو تعطيلها، لكنه ليس بالضرورة العامل الحاسم؛ فكتلة المصالح (الطبقه)التي ترى في الانتخابات فرصة لإعادة إنتاج نفوذها قد تكون أكثر إصرارًا على إجرائها، لأنها تنظر إليها بوصفها جزءًا من معركة أوسع على شكل المرحلة المقبلة، وليس مجرد تنافس على المقاعد.

ومن هنا يبرز السؤال الأصعب للمعارضة، ولا سيما اليسار: ما موقعكم من هذه الطبقة الجديدة؟

لا يكفي إعلان معارضة السلطة إذا كان يجري في الوقت نفسه بناء علاقات وتحالفات مع القوى التي يمثل جوهرها مصالح هذه الطبقة. فالمسألة ليست في أسماء الأشخاص ولا في شعارات القوائم، وإنما في المصالح الاجتماعية والسياسية التي تقف خلفها. وأي تحالف لا يأخذ هذا البعد الطبقي والسياسي في الاعتبار قد يتحول، من حيث لا يريد أصحابه، إلى غطاء لإعادة إنتاج المنظومة نفسها.

ولذلك ليس غريبًا أن تتراجع فرص الحوار الوطني الشامل، وأن تُقابل المطالب المتعلقة بالتوافق والضمانات السياسية والاجتماعية بقدر كبير من التجاهل. فالمعركة، في أحد وجوهها، ليست حول الانتخابات فقط، وإنما حول من يملك القدرة على تحديد اتجاه النظام السياسي الفلسطيني بعد الانتخابات.

إن الفرز الحقيقي يجري الآن داخل فتح نفسها: بين فتح التي تنحاز تدريجيًا إلى منطق السلطة ومصالح الطبقة المتشكلة حولها، وفتح التي تحاول استعادة صلتها بالشعب وبالأولويات الوطنية وبأصولها التاريخية.

ولهذا فإن مواجهة المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى قائمة انتخابية قوية، بل إلى مشروع سياسي واجتماعي واضح.

أولًا، يجب وضع أولويات الناس في مركز الخطاب والممارسة: المعيشة، والعدالة، والكرامة، والحريات، ومواجهة الاحتلال، واستعادة الثقة بالمؤسسات.

ثانيًا، يجب العمل على بناء أوسع تجمع وطني ممكن حول الحد الأدنى من الحقوق الوطنية والسياسية والاجتماعية، بحيث لا تتحول الخلافات إلى ذريعة لتفكيك المجتمع السياسي الفلسطيني.

ثالثًا، يجب السعي إلى بناء كتلة وطنية جامعة قادرة على مواجهة الاحتلال، وفي الوقت نفسه مواجهة محاولات تحويل السلطة إلى أداة لإدارة المصالح الخاصة.

هذه المهام الثلاث لا ينبغي أن تنتظر واحدة منها الأخرى. بل يجب أن تسير بالتوازي: فالدفاع عن مصالح الناس يخلق قاعدة سياسية، والتجمع الوطني يوسع هذه القاعدة، والكتلة الوطنية تمنحها القدرة على التأثير.

المعركة المقبلة، إذن، ليست ببساطة بين سلطة ومعارضة، ولا بين فتح وحماس، ولا بين قوائم انتخابية متنافسة. إنها، في أحد أعمق وجوهها، معركة على اتجاه النظام السياسي والاجتماعي الفلسطيني نفسه: هل يعاد إنتاج سلطة تتسع فيها دائرة المصالح الخاصة، أم يجري استعادة السياسة إلى مجالها الوطني والشعبي؟

وقد يكون الانتصار على كتلة المصالح(الطبقه) في هذه اللحظة صعبًا. لكن صعوبة المعركة لا تعني الاستسلام لها. فالطريق يبدأ من إعادة تعريف الأولويات، وبناء الثقة، وتوسيع المجال الوطني، ثم تحويل ذلك كله إلى قوة سياسية قادرة على خوض الانتخابات لا باعتبارها غاية، بل باعتبارها إحدى ساحات الصراع على مستقبل فلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى