
من تونس الخضراء، حيث يختلط عبق الزيتون بملح المتوسط، جاء أحمد بن حريز، تونسيّ المولد فلسطينيّ الانتماء، ليحجز اسمه في سجل الفدائيين الذين لم تعترف قلوبهم بالحدود. في الأيام الأولى للاجتياح الصهيوني للبنان عام 1978، شدّ رحاله إلى خنادق الثورة، مدفوعًا بإيمانٍ راسخ أن فلسطين ليست جغرافيا فحسب، بل قضية أمة وكرامة شعب.
شهدت له مواقع القتال حيثما حلّ، وفي كل معارك الدفاع عن الثورة والشعب كان مقدامًا لا يعرف الخوف ولا التراجع. تميّز بجرأته وخبرته العسكرية الكبيرة، حتى غدا مرجعًا لرفاقه، يشهد له كل من عرفه وعمل معه بصلابة الموقف ونقاء السيرة. كان قائدًا فدائيًا صاحب مسلكية ثورية ناصعة، متواضعًا دائم الابتسامة، يحمل بندقيته كما يحمل حلم العودة.
وفي اجتياح عام 1982، سطّر مآثر بطولية حيث واجه قوات الاحتلال بثبات المؤمن بعدالة قضيته. حاول العدو الصهيوني كسر إرادته بعد اعتقاله إثر مواجهة بطولية ، وفشل العدو في تحقيق مراده وكان (ايوب) بحق مثالاً للصبر والصمود داخل معتقلات وزنازين الاحتلال ، متنقلًا بين سجون عتليت وأنصار، لكن السجّان لم ينجح في انتزاع قناعته. في الزنازين، كما في الميدان، كان مثالًا في الصلابة والتحدي. وبعد الإفراج عنه، عاد إلى صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، يواصل كفاحه مؤمنًا بمبادئه حتى الرمق الأخير.
وفي الحادي عشر من كانون الأول 2025، وفي قاعة الشهيد ناجي العلي في مخيم عين الحلوة ،وحين تشرفتُ مع رفاق آخرين بتكريمه في الذكرى الثامنة والخمسين لانطلاقة الجبهة، رأيت في عينيه بريق الوفاء. تسلّم الدرع ووشاح الجبهة، وابتسم ابتسامته المعهودة قائلًا بصوت خافت: «أتشرف بهذا التكريم، لكن الشهداء هم الأجدر به».
رفيقي أبو بيرم، سنبقى على عهدك وعهد الشهداء، ماضين في درب الكفاح والمقاومة حتى نحقق الأهداف التي قاتلتم من أجلها. ستبقى ذكراك خالدة في نفوسنا وضمائر الأجيال القادمة، عنوانًا للوفاء، ودليلًا أن الثورة تصنع رجالها كما يصنعونها.


