أبرزثقافة

ذاكرة التاريخ  69 عامًا من كفر قاسم إلى غزة… ذاكرةُ الدم لا تموت

إعداد: المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – في لبنان

في مثل هذا اليوم من عام 1956، ارتُكبت واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الفلسطيني الحديث — مجزرة كفر قاسم، حين أطلق جنود (إسرائيل) النار بدمٍ بارد على عشرات المدنيين العائدين من حقولهم، غير مدركين أنّ سلطات الاحتلال فرضت حظر تجول مفاجئًا على القرية العربية الصغيرة الواقعة داخل الأراضي المحتلة عام 1948.

في مساء التاسع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر، ومع اقتراب العدوان الثلاثي على مصر، نفّذت قوات حرس الحدود التابعة للاحتلال خطة معدّة مسبقًا لإفراغ القرى العربية القريبة من “الخط الأخضر” من سكانها، ضمن سياسة تطهيرٍ عرقيٍّ تستهدف تهجير من تبقّى من الفلسطينيين في الداخل.

عند الساعة الخامسة مساءً، بدأ إطلاق النار العشوائي على المزارعين والعمال العائدين من أعمالهم. لم يكن في أيديهم سلاح، ولا في قلوبهم سوى رغبة بالعودة إلى بيوتهم قبل حلول المساء. في دقائق قليلة، سقط 49 شهيدًا — من بينهم 23 طفلاً وامرأة — قُتلوا بدمٍ بارد على أيدي جنود الاحتلال الذين تلقّوا أوامر واضحة من قادتهم: “أطلقوا النار على كل من يخالف حظر التجول”.

كانت المجزرة جزءًا من خطة لترويع الفلسطينيين داخل ما يُسمّى “الكيان”، وإجبارهم على الرحيل طوعًا، ضمن سياسات التهويد المبكر التي مارستها (إسرائيل) منذ قيامها.

عقب الجريمة، حاولت سلطات الاحتلال طمس الحقيقة، ففرضت تعتيماً إعلاميًا وحظرت النشر. لكن شهادات الأهالي والصور المروّعة خرجت إلى العالم، لتكشف حجم الفظاعة.

وفي ما وُصف حينها بـ”محاكمة شكلية”، أُدين بعض الجنود، لكن أحكامهم كانت هزيلة — تراوحت بين فترات سجن قصيرة انتهت بالعفو السريع. بل إن قائد العملية، الضابط إسحاق شيدمي، دفع غرامة رمزية مقدارها قرش واحد فقط، في واحدة من أكثر الوقائع دلالةً على استهتار (إسرائيل) بدم الفلسطينيين وعدالة قضيتهم.

لم تكن كفر قاسم حادثة معزولة، بل نموذجًا مبكرًا لنهج مستمر من الإبادة المنظمة. فبعد تسعةٍ وستين عامًا، يتكرّر المشهد ذاته في غزة، حيث تُرتكب أمام أعين العالم مجازر يومية بحق الأطفال والنساء، ويُقصف المدنيون في بيوتهم وملاجئهم ومستشفياتهم تحت ذريعة “الدفاع عن النفس”.

القاتل هو ذاته، والمنهج هو ذاته — فقط الأسماء تغيّرت، أما الدم الفلسطيني فظلّ الشاهد الدائم على الجريمة الممتدة من كفر قاسم إلى غزة.

إنّ ذكرى كفر قاسم ليست مجرد استحضارٍ لماضٍ مؤلم، بل هي تذكيرٌ متجدد بأن العدالة لم تتحقق بعد، وأنّ الشعب الفلسطيني ما زال يدفع ثمن صموده وحقّه في أرضه ووجوده.

من دماء كفر قاسم تنبُت جذور المقاومة في غزة، ومن صرخات الأطفال هناك تنبثق عزيمةٌ لا تنكسر. فذاكرة الدم لا تموت، بل تظل تنبض في وجدان الأمة، توقظ ضميرها وتكتب التاريخ من جديد.

 من كفر قاسم إلى غزة… يستمر النشيد الفلسطيني: لن تُكسر الإرادة، ولن تُطفأ شعلة الحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى