
في ظل تصاعد العدوان على لبنان وتواصل آلة القتل الصهيونية، ظهر بعدٌ جديد من أطماع الاحتلال: تحويل الحرب إلى فرصة لإعادة رسم الحدود الجنوبية عبر أدوات مدنية تبدو في ظاهرها تجارية — إعلانات عقارية ومخططات استيطانية تُروَّج على أنها “مستقبل مستوطنات جديدة”.
فقد أعلنت جهات “إسرائيلية” عن بيع أراضٍ في البقاع الغربي وحاصبيا ومزارع شبعا، إضافة إلى مدن الجنوب الكبرى: صور، بنت جبيل، مرجعيون وحاصبيا، كما نشرت خريطة استيطانية تُعيد تسمية قرى جنوب نهر الليطاني بأسماء عبرية. خطوة تكشف عن مشروع ممنهج لتحويل نتائج الحرب إلى حقائق ديموغرافية وجغرافية على الأرض.
من القصف إلى العقار: الاحتلال يوسّع حدوده بالمال
ما يُعرض اليوم للبيع على مواقع إسرائيلية بأسعار تبدأ من نحو 300 ألف شيكل (75 إلى 80 ألف دولار) لا يقتصر على أراضٍ فحسب، بل يشمل مشاريع سكنية فاخرة تُروَّج لضباط الاحتياط الإسرائيليين خصيصاً، مع صور لمسابح ومنازل واسعة وخدمات “عالية الجودة”.
هذا التوجيه ليس بريئاً، بل محاولة لخلق ارتباط شخصي ومصلحي بين هؤلاء الضباط والأرض اللبنانية، بما يجعلهم حماةً محتملين للمستوطنات الجديدة، في تكرار واضح لتجربة الضفة الغربية حيث رُسِّخ الاستيطان عبر امتيازات مدنية واقتصادية مدروسة.
العقارات كسلاح سياسي
الإعلان العقاري هنا يتحوّل إلى أداة سياسية تُنشئ “وقائع على الأرض”، تجعل من الصعب لاحقاً استعادة السيادة اللبنانية على تلك المناطق. هذه المقاربة ليست جديدة؛ فقد استخدمها الاحتلال في فلسطين المحتلة، حيث رافق التوسع الاستيطاني إنتاجٌ إعلامي وتعليمي موازٍ هدف إلى تطبيع السيطرة وشرعنتها.
بل إن المناهج الإسرائيلية نفسها، وفق شهادات تسربت من داخل مدارس الاحتلال، تُكرّس صورة العربي كعدو وبدائي، وتُغرس في نفوس التلاميذ فكرة “الدولة الكبرى” وحق السيطرة على ما وراء الحدود. إنها عملية غسيل أدمغة ممتدة منذ أكثر من عقدين، تغذي عقلية استعمارية تسعى لتحويل الاحتلال إلى ثقافة عامة.
حرب على الأرض وحرب على الوعي
تزامن هذه الإعلانات مع موجات القصف والتهجير ليس صدفة؛ بل هو دليل على أن المشروع الاستيطاني يسير بالتوازي مع العدوان العسكري. فبينما تدمر القنابل البنية التحتية وتُفرغ الأرض من أهلها، تأتي الإعلانات لتملأ الفراغ بالمستعمرين الجدد.
اقتصاد الحرب يخدم هنا أهدافاً استراتيجية، إذ تُقدَّم الأسعار المغرية في ظل انهيار لبنان الاقتصادي كوسيلة لاستقطاب المشترين وتثبيت موطئ قدم جديد للاحتلال على الحدود الشمالية.
مواجهة على كل الجبهات
المعركة ضد هذه الأطماع لا يمكن أن تُحسم بالسلاح فقط، بل تتطلب مواجهة شاملة — قانونية، إعلامية، دبلوماسية وثقافية.
فضح هذه المشاريع ومنع شرعنتها، وحشد المواقف الدولية ضد محاولات بيع أراضٍ لبنانية، خطوات أساسية لحماية السيادة الوطنية. كما أن تعزيز الصمود في الجنوب ودعم البنية الاقتصادية والاجتماعية فيه يشكّلان خط الدفاع الأول في وجه محاولات التهويد والاستيطان.
الجنوب ليس للبيع
الإعلانات العقارية والمخططات الاستيطانية في جنوب لبنان ليست مشاريع استثمارية عابرة، بل جزء من سياسة توسعية تستغل الفوضى لتوسيع رقعة الاحتلال.
إنها حلقة جديدة في سلسلة طويلة من السعي الصهيوني إلى ابتلاع الأرض وتغيير هويتها، لكن الجنوب اللبناني الذي صمد في وجه الاجتياحات السابقة، لن يسمح بأن يتحول إلى مستعمرة جديدة على خريطة “إسرائيل الكبرى”.
فالمعركة على الأرض والهوية واحدة، والردّ عليها يكون بالثبات، وباستعادة الوعي والسيادة والكرامة الوطنية فوق كل حسابات الربح والكيد السياسي .



