أبرزمقالات

رغم الخذلان واستمرار الإبادة… غزّة تكتب مجدها بدمها. بقلم: أحمد مراد

فيما تستمرّ حرب الإبادة الصهيونية المفتوحة على قطاع غزّة، يتواصل مسلسل الجرائم اليومية بلا انقطاع، قصفٌ لا يهدأ، ونيرانٌ لا تميّز بين طفلٍ وامرأة، بين بيتٍ أو خيمةٍ تأوي نازحين هربوا من الموت ليجدوه يلاحقهم من السماء والأرض. طائرات الاحتلال ومدفعيته تحوّل الخيام إلى مقابر مؤقتة، ويستمر نزيف الدم الفلسطيني يومًا بعد يوم، وسط عجزٍ فاضح للوسطاء والضامنين، وصمتٍ دوليٍّ مخزٍ، لا يقلّ جرمًا عن القتل ذاته. حربٌ تُدار بغطاءٍ سياسي كامل ودعمٍ عسكري ومالي مفضوح من الإدارة الأميركية، التي منحت القاتل حصانة، وشرعنة المجزرة، وشاركت في حصار الحقيقة كما في حصار البشر.

وفي زمنٍ تتهاوى فيه القيم، وتُختبر فيه المعاني الكبرى، تقف غزّة وحيدةً في مواجهة أعتى حرب إبادة عرفها العصر الحديث، حربٌ تجاوزت في وحشيتها كل القوانين والأعراف، واستمرّت لأكثر من عامين، فيما ظنّ القتلة أنّ النار قادرة على كسر الإرادة، وأنّ الحصار كفيل بإخماد الروح. لكن غزّة، كعادتها، خيّبت رهاناتهم، وكتبت بدماء أبنائها فصلًا جديدًا من أسطورة الصمود والمقاومة، فصلًا سيبقى شاهدًا حيًا في ذاكرة التاريخ.

غزّة ليست مجرّد بقعة جغرافية محاصرة، بل هي معنى متجسّد، وحكاية شعب قرّر ألّا ينحني. في كل بيتٍ مهدّم، وفي كل زقاقٍ ضيّق، وفي كل خيمةٍ نُصبت فوق الركام، تولد إرادة جديدة تقول للعالم إنّ الحياة هنا لا تُقاس بعدد الأنفاس، بل بعمق الكرامة. أهل غزّة لم يختاروا هذه المعركة، لكنهم اختاروا كيف يخوضونها، واقفين، صامدين، مؤمنين بعدالة قضيتهم، وبأنّ الحقّ لا يموت مهما طال الزمن.

ورغم المجازر والحصار والتجويع، ورغم التآمر والصمت الدولي المريب، ظلّت المقاومة في غزّة عنوانًا للعنفوان، تُربك المحتل، وتكسر أسطورته الزائفة، وتعيد تعريف موازين القوى. مقاومةٌ خرجت من رحم المعاناة، وتتكئ على حاضنة شعبية دفعت أثمانًا باهظة، لكنها لم تساوم، ولم ترفع راية الخضوع أو الاستسلام. في غزّة، امتزج الدم بالتراب ليصنعا معًا هوية لا تُمحى، وإرادة لا تُكسر.

وفي مواجهة محاولات الاحتلال بثّ الفوضى وزرع الفتنة، برز الموقف الوطني المشهود لأبناء العشائر والعائلات الفلسطينية، الذين أعلنوا براءتهم الصريحة من العصابات العميلة المرتبطة بالاحتلال والمدعومة منه، ورفضوا تحويل دم غزّة إلى أداة في يد العدو. هذا الموقف الأخلاقي الجامع، الذي وصل حدّ التبرؤ العلني من تلك العناصر، شكّل رسالة قوية بأنّ النسيج الوطني الفلسطيني عصيّ على الاختراق، وأنّ وحدة الشعب أقوى من كل مخططات التشويه والطمس والاقتلاع.

غزّة اليوم لعنةٌ تطارد المحتلين والغزاة، ومرآةٌ فاضحة للمتخاذلين والمتواطئين والمتآمرين على دمها. هي السؤال الأخلاقي الكبير الذي يواجه العالم… أين تقفون؟ ومع من؟ وهي في الوقت نفسه الجواب العملي على كل من راهن على كسر الإرادة الفلسطينية. فكلما اشتدّ القصف، ازداد التمسّك بالأرض، وكلما طال الحصار، تعمّق الإيمان بالتحرير. وستبقى غزّة، مهما حاولوا محوها، شعلةً مضيئة في ذاكرة الأجيال، تُعلّم أبناءها وأحرار العالم معنى البطولة والكرامة، وتروي لهم أنّ الشعوب الحيّة قد تُجرح، لكنها لا تُهزم. ستبقى غزّة عنوان الإباء، وراية الصمود، ونقطة الضوء التي تهدي التائهين في ليل هذا العالم الطويل. ستبقى تكتب تاريخها بأحرفٍ من نارٍ ونور، وتؤكد، مرةً بعد مرة، أنّ من يمتلك الحقّ والإرادة لا بدّ أن ينتصر، ولو بعد حين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى