أبرزحوار وشخصياتمقالات

مشاعل الحرية (15). أبٌ ينتظر ابنه… عبد الكريم أحمد عبد الكريم (صمتُ الغياب وصَدى البطولة).

تتواصل سلسلة “مشاعل الحرية” التي يُعدّها المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، في سياق توثيق سير الشهداء والمفقودين الذين لبّوا نداء الواجب في معركة إسناد غزة، منطلقين من الحدود الفلسطينية–اللبنانية دفاعًا عن الأرض والكرامة، ووفاءً لعهد المقاومة الممتد من بيروت إلى غزة، ومن نهر البارد إلى كل شبرٍ من فلسطين.

في هذه الحلقة، نقترب من حكايةٍ إنسانيةٍ نازفة، نُصغي لصوت أبٍ حمل الوجع بصمتٍ وكبرياء، هو والد الرفيق المفقود عبد الكريم أحمد عبد الكريم، ابن مخيم نهر البارد، الذي مضى بخطاه الواثقة نحو الجبهة، مؤمنًا بأنّ الدفاع عن شعبنا في غزة هو دفاعٌ عن لبنان، وأنّ طريق الحرية واحد مهما بعدت المسافات.

**المفقود عبد الكريم أحمد عبد الكريم**

حدثنا عن عبد الكريم: من كان؟ كيف كان في حياته اليومية؟
عبد الكريم كان رجلًا في منتصف عمره، يبلغ من العمر ستةً وثلاثين عامًا. يعمل في الأعمال الحرة، ومع ذلك كان معروفًا بانضباطه وحيويته في كل ما يقوم به. رغم مشاغل الحياة، كان حاضرًا دائمًا في تفاصيل بيتنا. هو مطلق، وله ولد وبنت كانا أغلى ما في حياته. كان حنونًا جدًا عليهما، لا ينام إلا بعد أن يطمئن أنهما بخير. قريب من الناس، طيب القلب، قوي في الموقف، لكنه رقيق مع من يحب — كان محبوبًا في الحيّ بين الجيران والأصدقاء.

متى بدأت ملامح التزامه الوطني والنضالي بالظهور؟
منذ صغره كان يشعر بانتماءٍ قويٍّ لوطنه. كان دائم الحديث عن فلسطين والحق، ويتابع الأخبار بشغف، ويشارك في أي عمل تطوعي أو نشاط يخدم الناس. لكن التزامه الحقيقي تبلور في السنوات الأخيرة، حين صار أكثر قربًا من قضايا المخيم وأكثر اهتمامًا بخدمة الناس وإغاثة المحتاجين.

ما أبرز محطات حياته النضالية أو الإنسانية قبل فقدانه؟
لم يتأخر يومًا عن أي نداء مساعدة، سواء أثناء الأزمات أو العدوانات. كان يُعرف بين الشباب بأنه “اللي ما بيرفض طلب حدا”. شارك في تنظيم مبادرات مجتمعية ووقف مع الناس في أصعب اللحظات.

كيف تلقيتم خبر فقدانه؟ وكيف كانت اللحظات الأولى؟
كانت لحظات صعبة جدًا لا تُنسى. خرج عبد الكريم في ذلك اليوم ولم يعد. كنا ننتظر مكالمة أو خبراً يطمئننا عليه، لكن الصمت طال. حاولنا بكل الطرق معرفة مصيره، لكن الغياب كان مؤلمًا أكثر من أي شيء آخر، لأنك لا تعرف إن كنت تبكيه شهيدًا أم تنتظره راجعًا.

هل كنتم تتوقعون أن يسلك هذا الطريق رغم مسؤوليته كأب؟
عبد الكريم كان يتحرك بدافع المسؤولية نفسها — ليس رغمها، بل بسببها. كان يقول دائمًا: “إذا ما عملنا إحنا، مين بيحمي أولادنا؟” كان يرى أن الدفاع عن الكرامة والحق هو الطريق الوحيد لضمان مستقبل أبنائه، حتى لو كلّفه ذلك الغياب أو الفقد.

كيف تعاملتم كعائلة مع غيابه المستمر؟
الغياب أصعب من الفقد. كل يوم نعيش على أمل أن يعود، وكل ليلة نحسب الخطوات على الباب علّها تكون له. نحاول أن نحافظ على توازُننا، ونستمد الصبر من الإيمان بالله ومن يقيننا أن عبد الكريم لم يغب إلا في سبيل قضية سامية.

ماذا تعني لكم كلمة “مفقود”؟
كلمة موجعة — فهي بين الحياة والموت، بين الأمل والخذلان. لكنها أيضًا كلمة فيها انتظار وصبر وإيمان. المفقود بالنسبة لنا ليس غائبًا، بل حاضر في تفاصيلنا كل يوم، في صورته، في صوته، في ذكراه التي لا تموت.

كيف تصفون عبد الكريم كابنٍ بالنسبة لك؟
هو أقرب أولادي إلى قلبي. كان صديقي قبل أن يكون ابني. نتحادث ونتناقش في كل شيء، كان يزورني يوميًا حتى لو كان مشغولًا. كان يحترمني بشدة، لكنه في الوقت نفسه يعاملني بودٍّ ودفءٍ قلّما تجده بين أب وابنه. غيابه ترك في قلبي فراغًا لا يُملأ.

كيف أثّر فقدانه على العائلة؟
الفقد غيّر كل شيء. البيت صار هادئًا أكثر من اللازم، وكأن صوته ما زال يدور في الأرجاء. أمه تعيش على الدعاء، وأطفاله يسألون عنه باستمرار. نحن نعيش بين الألم والأمل، نحاول أن نكون أقوياء لأننا نؤمن أن الله لن يضيع عبد الكريم.

ما الدور الذي لعبه المجتمع والمخيم بعد فقدانه؟
أهل المخيم لم يتركونا لحظة. وقفوا معنا في البحث والدعم والمؤازرة. وجودهم حولنا أعطانا طاقة نستمر بها. المخيم عائلة كبيرة، وكل من فيه يعرف معنى التضامن، ووقفوا معنا كما لو أن عبد الكريم ابنهم جميعًا.

هل زاد غيابه من ارتباطكم بالقضية؟
بالتأكيد. الغياب جعلنا نرى القضية من زاوية مختلفة — زاوية الألم الذي يعيشه الناس كل يوم. صرنا نتمسك أكثر بحقنا، ونتحدث عن عبد الكريم كرمز لكل من فُقدوا في سبيل الكرامة والحرية.

كيف تحافظون على ذكراه؟
نحاول أن نعيش كما كان يحب. نحكي قصصه لأطفاله، نحفظ صوره وأدواته، ونشارك في أي نشاط أو مناسبة تذكّره أو تشبه ما كان يؤمن به. أحيانًا نجتمع ونتحدث عنه، وكأننا نحاول أن نبقيه حاضرًا بيننا.

ما رسالتك لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان؟
رسالتي لهم: كونوا كما كان عبد الكريم — مخلصين، متماسكين، لا تتركوا اليأس يتسلل إليكم. المخيم ليس مكانًا للضعف، بل رمزٌ للصمود والكرامة. تدربوا، ففلسطين لن تعود وأنتم جالسون هنا، تحتاج إلى تضحياتكم.

وماذا تقول للجيل الجديد من الشباب والفتيات؟
أقول لهم إن الوطن بحاجة إليكم كما لم يحتج من قبل. تعلموا، تمسكوا بالهوية، وكونوا أوفياء لمن سبقكم. لا تجعلوا الغياب يخيفكم، بل اجعلوه دافعًا للبقاء على الطريق الصحيح. وعار علينا أن نترك أبناءنا مختبئين في المنازل ولا نواجه العدو الصهيوني.

كيف ترى مستقبل القضية الفلسطينية؟
رغم كل شيء، أراها تسير نحو النصر. الطريق طويل ومليء بالتضحيات، لكن الشعوب لا تموت، ومن يملك الإيمان والحق لا يُهزم. عبد الكريم وأمثاله هم دليل أن القضية ما زالت حيّة ولن تُنسى.

ما رسالتك في ذكرى معركة “طوفان الأقصى”؟
رسالتي أن الدماء التي سالت لن تذهب سدى. ما بدأ هناك هو وعدٌ بالحرية، وكل تضحيات أبنائنا ستثمر يومًا. المعركة لم تنتهِ بعد، لكنها رسمت طريق العودة بوضوح.

لو عاد عبد الكريم للحظة، ما أول ما تود قوله له؟
أقول له: “ارجع يا ابني، البيت ناقصك.” ثم أضمه وأخبره كم نحن فخورون به، وكم اشتقنا إليه، وكم ننتظره مهما طال الغياب.

ما الذي يمنحكم القوة للاستمرار؟
إيماننا بالله أولًا، ثم الأمل. الأمل هو ما يجعلنا نصحو كل يوم ونواصل الحياة. نؤمن أن الله سيرده لنا أو يجمعنا به في الآخرة. القوة تأتي من ذكره الطيبة ومن حب الناس له.

يبقى عبد الكريم أحمد عبد الكريم واحدًا من أولئك الذين غابوا بأجسادهم، لكنّهم حاضرون في الذاكرة والوجدان، مشعلًا من مشاعل الحرية التي لا تنطفئ. قصته ليست حكاية فَقْد، بل شهادة على وفاءٍ خالدٍ بين الإنسان وقضيته، بين المخيم وفلسطين، بين الأبناء والكرامة.

ومن نهر البارد إلى غزة، تظل الحكاية واحدة، حكاية وطنٍ لا ينسى أبناءه، ومقاومةٍ لا تنكسر مهما طال الغياب.

مشاعل الحرية

•إعداد المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – لبنان
• سلسلة توثيقية في ذكرى معركة إسناد غزة – تشرين الأول/أكتوبر 2025

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى