الشهيد القائد عماد عودة “حكايةُ مجدٍ ودمٍ وإنتصار”

[المكتب الإعلامي – لبنان]
في فجرٍ ثقيل من صباح الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2024، امتدّت يد الغدر الصهيونية لتغتال أحد أعمدة النضال الفلسطيني وثلةً من رفاقه. ارتقى القائد العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، الشهيد عماد عودة (أبو زياد)، والرفيق القائد نضال عبد العال، ورفيق دربه وحارسه عبد الرحمن عبد العال، في غارة كانت تستهدفهم في حيّ الكولا المكتظ في قلب العاصمة اللبنانية بيروت. هؤلاء من كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، الذين نذروا أرواحهم لفلسطين وقضيتها العادلة.
لم يكن هذا الاغتيال فعلًا عابرًا في سجل العدوان المتواصل؛ بل محاولات مدروسة لنسف إرادةٍ لا تنكسر، وروحٍ عصيّةٌ على الانكسار. روحٌ تشكَّلت في أزقّة المخيّمات الفلسطينية، تربّت على وجع اللجوء وكرامة الانتماء، ولم تساوم يومًا على حقّ أو مبدأ، بل خاضت كل معركة دفاعًا عن الكرامة والهوية.
في فجر عام 1962 وُلد عماد عودة في مخيّم نهر البارد شمالي لبنان؛ المخيّم الذي قَلّ فيه الرفاه، لكنه غنيٌّ بالبسالة والكرامة. في أزقته المتعبة تشكَّل وعيه الأول على وقع جنازات الشهداء وصورهم المنتشرة على الجدران، فحملهم في قلبه لا كأسماءٍ راحلة، بل كبوصلةٍ تحدّد الاتجاه… نحو فلسطين، ولا شيء سواها.
التحق مبكرًا بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتشرّب مبادئها والتزامها الثوري. منذ نعومة أظفاره كان من الحاملين لوصايا الشهداء، السائرين على دربٍ لا تُختَتَم خطواته بالأوسمة، بل تُعبَّد بالتضحيات الجسام.
شارك أبو زياد في معارك عدة دفاعًا عن الثورة والشعب، متنقِّلاً بين القواعد والمواقع وجبهات القتال، وشارك بفاعلية في مهام خاصة ونوعية لمواجهة قوات الاحتلال وعملائه في جنوب لبنان. لكنه لم يكتفِ بالسلاح وحده؛ كان حاضرًا في ساحات التنظيم والسياسة والمجتمع. برز اسمه في ملف إعادة إعمار مخيّم نهر البارد بعد نكبته عام 2007، حيث عمل بلا كلل، طارقًا أبواب البيوت، مستمعًا لشكاوى الناس، وباحثًا عن حلول في ظلّ شحّ الإمكانات. كان قائدًا ميدانيًا لا يعرف الغياب؛ يسابق الخطى ويسند ظهر المخيّم بهمّته.
عرفه رفاقه قائدًا متواضعًا لا يطلب الظهور، يجعل من الالتزام الثوري نمط حياة، ومن الانضباط سلوكًا يوميًّا. جمع بين الحزم والودّ، بين العمل الميداني والرؤية السياسية، وتدرّج في صفوف الجبهة حتى صار عضوًا في دائرتها العسكرية والأمنية وقائدًا عسكريًا لها في لبنان. وكان له دور محوري في التخطيط والإعداد لمشاركة كتائب الشهيد أبو علي مصطفى في معركة “طوفان الأقصى” دعمًا لغزة ومقاومتها الباسلة، حيث قدّمت الكتائب كوكبةً من خيرة قادتها ومقاتليها شهداءً ومفقودين، وفاءً لمبادئها وعهدها لأبناء شعبنا.
عندما استهدفتهم طائرات الغدر الإسرائيلية في بيروت، لم يكن القصد اغتيال أشخاص فحسب، بل محاولة لإسكات نموذج مقاوم ورمز فلسطيني متجذر في الوعي الجمعي. لكنّ الالتزام الذي جسّده أبو زياد صار اليوم أمانةً في أعناق رفاقه وأبناء المخيّم وأجيال فلسطين القادمة.
بفيضٍ من الدموع والزغاريد، وبكثيرٍ من الفخر والاعتزاز والغضب، شيّعت جماهير غفيرة الشهداء الثلاثة من بيروت إلى البداوي وصولًا إلى نهر البارد، حيث احتضنهم المخيّم الذي أنجبهم. ارتفعت الأعلام الفلسطينية لا لتغطّي النعوش فقط، بل لتؤكّد أن هؤلاء لا يُدفنون، بل يُزرعون في الذاكرة الحيّة للمخيّم وللوطن.
في ذكراك ابا زياد ورفيقيك في الشهادة نضال وعبد الرحمن ، نجدد العهد: أن نظل أوفياء لدمائهم، حراسًا لأحلامهم، وحنينًا لقضيتهم. نعدك يا أبا زياد أن نبقي الراية التي حملتها عالية لا تُنكّس، وأن نسير على دربك ودرب كل الشهداء—درب العزّة والكرامة والمقاومة. نعدك ألا نخذل حلمك، وأن نحفظ ما استودعتنا من مبادئٍ لا تهتزّ، وإرادةٍ لا تنكسر.
فلسطين التي أحببتها وعشتَ لها واستشهدت من أجلها ستبقى البوصلة، وسيظلّ المخيّم منارةً للشهداء: حافظًا لذاكرتهم، ناقلًا لسيرتهم، ومعدًّا لجيلٍ سيكمل المسير حتى التحرير الكامل والعودة المؤكدة.
عهدًا لك ولجميع الشهداء: أن نبقى على دربكم… حتى النصر.



