أبرزأخبار الجبهةالفلسطينيةالمخيماتثقافةحوار وشخصياتمقالات

مقابلة مع والد الشهيد على طريق تحرير فلسطين عبد الهادي نزيه بريش (ابو تراب). مشاعل الحرية (4)

مشاعل الحرية(4)

لأنّ الشهادة ليست رحيلًا عاديًا، بل خلودٌ في ذاكرة الوطن، ولأنّ الشهيد بدمه يعبد درب الحرية ويخلّد قضيتنا، نلتقي اليوم في الذكرى السنوية لملحمة طوفان الأقصى لنضيء شموع الوفاء ونتضرّع إجلالًا لأرواح شهدائنا الأبرار، الذين غرسوا بدمائهم الطاهرة حريةً وكرامة على أرضنا المحتلة. فالشهيد ليس فقط من غاب، بل هو وعيٌ متوقدٌ، ووصيةٌ تُسير على الأرض، وقنديلٌ ينير درب الصمود لكل جيل.

وفي هذا السياق يتحرك المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، مستمرًا في سلسلة اللقاءات “مشاعل الحرية”، التي تهبّ القلوب فتحكي، وتُحيي الذاكرة لعوائل الشهداء الأبطال من كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، وأسر المفقودين الذين واجهوا العدوان الصهيوني على حدود الوطن، أو ارتقوا فداءً في عمليات اغتيال غادرة.

نستمع في هذه اللقاءات إلى النبض الحيّ لسيرتهم، نحتضن قيمهم الثورية، ونُوثّق إرثهم النضالي الذي يردّد في الأزقة، ويُلهِم الأجيال في المخيمات.

وإيمانًا منا بأنّ دم الشهداء ليس فصلًا يُطوى، بل عهدٌ باقٍ في الوجدان، وذكراهم لا تموت، نقدم لكم هذا الحوار الكامل مع والد الشهيد عبد الهادي نزيه بريش “أبو تراب”، واحدٍ من رجال العزّ الذين نقشوا اسمهم بدمائهم في جدار المجد الفلسطيني.

فاسمحوا لنا أن نبدأ اللقاء بالسؤال الأول…

أولًا: حول الشهيد ومسيرته النضالية

1. هل يمكن أن تُحدثونا عن الشهيد، من هو، كيف كان في حياته اليومية، وما الذي ميّزه؟

عبد الهادي نزيه بريش، رحمه الله، كان حنونًا، محبًا للعائلة، محبوبًا من جميع أفراد عائلته، وجيرانه وأصدقائه. افتقدناه في البيت؛ كان دائم المرح والابتسام، وقد اختار بنفسه أن يكون شهيدًا.

2. متى وكيف بدأت ملامح التزامه النضالي والكفاحي بالظهور؟

نشأ في أسرة مارست الجهاد منذ زمن جده وعمّه ووالده، فترعرع في جوّ المقاومة. كان يسمع من جده قصص مقاومته للإنكليز، وعندما سنحت له الفرصة قال لي: “ذاهب للتدريب والتمكين”، فوافقت، ولما اشتدّ الوضع في غزة لبّى نداء الواجب.

3. ما أبرز المحطات في مسيرته الثورية؟ وهل شارك في معارك أو أنشطة مقاومة قبل ارتقائه؟

في معارك غزة ازداد توق كثير من الشباب للمقاومة، وعبد الهادي كان منهم. رغم عمله موظفًا في مستشفى النداء الإنساني في مخيّم عين الحلوة لتأمين الأمان عند المدخل الرئيسي، اختار الذهاب للتدريب والمرابطة على الحدود اللبنانية-الفلسطينية، مهيئًا نفسه للتصدّي للعدو من أجل القدس وفلسطين.

4. كيف تلقّى الشهيد خبر التصعيد أو الدعوة للالتحاق بالمعركة؟ وما كانت ردة فعله؟

عندما كان يذهب لمهمة، يقول لنا إنه “ذاهب لشمّ الهوا” كان مستعدًا للشهادة. والحمد لله عاد إلينا شهيدًا كما تمنى.

5. هل كنتم تتوقعون أن يسير في طريق الشهادة؟ وكيف تعاملتم كعائلة مع هذا الخيار؟

كنت أتوقّع احتمال استشهاده؛ فمن يواجه هذا العدو لا بد أن يعود شهيدًا من أجل الأرض والكرامة. وقد اختاره الله شهيدًا، فذاك شرف من عنده .

ثانيًا: حول مفهوم الشهادة ومعانيها

6. ماذا تعني لكم الشهادة كعائلة قدمت شهيدًا من أبنائها؟

هذا فخر لنا، نرفع رأسنا به عاليًا.

7. كيف تفسّرون هذا الإقدام الطوعي من الشهيد على تقديم روحه من أجل القضية والوطن؟

الأساس في كل عمل هو الإخلاص والنية الصادقة.

8. ما الرسالة التي تعتقدون أن الشهيد أراد أن يوجّهها باستشهاده؟

رسالته كانت واضحة: على كل فلسطيني شريف أن يقوم بواجبه في مواجهة العدو ومقاتلته. فلسطين غالية، والروح تهون في سبيلها.

9. برأيكم، ما العلاقة بين الشهادة والحرية؟ وكيف تفسّرون مفهوم “الشهادة كأسمى مراتب الفداء”؟

الجهاد فرض عين على المسلمين؛ أرضنا محتلة، ومن لا يتهيّب الجهاد في قلبه عنده شيء من النفاق. كمسلم ووطني، اختار مواجهة العدو، وكل عمل عظيم ثمنه غالٍ.

ثالثًا: حول أثر الشهادة في العائلة والمجتمع

10. كيف أثّر استشهاد ابنكم على العائلة؟ وماذا تغير في حياتكم من بعده؟

حياتنا بعده لم تتغيّر جوهريًا من حيث الثبات على المبدأ، لكننا حزنا لفقدانه. كان عضوًا أساسيًا في البيت؛ ضحكاته ومزاحه لم تعد كما كانت، والبيت أصبح أكثر هدوءًا.

11. ما الدور الذي يلعبه المخيم وأهله في احتضان عوائل الشهداء وتكريم ذكراهم؟

الشهداء ارتقوا على طريق القدس خلال طوفان الأقصى. أهل المخيم احتضنوا الشهداء وعوائلهم؛ شارك الجميع في التشييع والتبريك، وكانت الشوارع مزدحمة لاستقبال المواكب. نرفع رؤوسنا بهم لأنهم واجهوا العدو.

12. هل تشعرون أن استشهاد ابنكم قد عمّق ارتباطكم بالقضية الفلسطينية والمقاومة؟

نحن مرتبطون بالقضية: فلسطين قضية إسلامية ووطنية لا يجوز التنازل عنها. ولا يحق لأي شخص، مهما كانت صفته أو مركزه، أن يتنازل عن شبر من أرضنا أو يقبل بوجود القتلة على أرض فلسطين. فلسطين كلّها لنا من النهر إلى البحر.

13. كيف تساهمون اليوم في الحفاظ على إرث الشهيد؟ وهل هناك أنشطة تقومون بها لإحياء ذكراه؟

بعد استشهاده أقوم بأعمال خاصة إكرامًا له، أشارك في أمور لا أذكرها لكنها تأبين لروحه.

رابعًا: حول مستقبل المقاومة والاستمرار في الدرب

14. ما هي رسالتكم لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان في ظل هذه المرحلة؟

رسالتي لأهل المخيمات، ولأبنائنا وبناتنا: اتقوا الله، تعلّموا الدين، فالجهاد فرض على كل مسلم وطنيًا، واستعدوا بالعلم والفكر، وابتعدوا عن الآفات الاجتماعية، واحفظوا نقاء مجتمعنا وشخصيتنا الوطنية.

15. ما الكلمة التي تودّون توجيهها للجيل الجديد، خاصة من الفتيان والفتيات الذين ينشأون وسط هذه التضحيات؟

يجب أن يتعلم الشباب تاريخ فلسطين؛ ففلسطين يجب أن تكون في صلب عقيدتهم الإسلامية والوطنية. علينا أن نفهم ديننا وقرآننا وسنتنا، وأن ندرك قيمة قضيتنا ونقدّم الأرواح في سبيلها. الحمد لله الذي أكرمنا بالشهداء.

16. كيف ترون مستقبل القضية الفلسطينية في ظل استمرار هذه التضحيات والمواجهات؟

فلسطين محتلة منذ عام 1917، ومعركتنا مستمرة مع الصهاينة ومن يدعمهم. قدّمنا مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والأسرى على طريق تحرير فلسطين. لا مجال للتنازل عن ذرة تراب منها، ولا يمكن أن تُقسّم لأن هذا يخالف عقيدتنا. الثورة ستستمر حتى تحرير الأرض.

17. ما الرسالة التي تودّون توجيهها للعدو الصهيوني في ذكرى معركة طوفان الأقصى؟

أُريد أن يفهم العدو أن ليس له موطئ قدم في فلسطين؛ لا سلام ولا صلح مع هذا العدو. زوال الاحتلال وإنهاؤه فرض عين على كل مسلم. على الثورة أن تستمر، وعلى الصهاينة أن يفهموا أن فلسطين ستعود إلى أصحابها.

خامسًا: سؤال ختامي إنساني وشخصي

18. لو عاد الشهيد اليوم للحظة، ما أول شيء تودّون قوله له؟

اشتقنا لك. طيفك حاضر بيننا ورايتك مرفوعة دومًا. سلام لروحك وفداءك لا يُنسى.

19. ما الذي يواسيكم اليوم في غيابه؟ وما الذي يمنحكم القوة للاستمرار؟

ذكراه الطاهرة وابتسامته، محبة الناس، وحلم التحرير الذي ضحى لأجله — ذلك يواسي ويقوّينا.

( رسالة ختامية: مواساة وتعهد)

نتقدّم إليكم بأحرّ التعازي وأصدق مشاعر المواساة. باسم المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، نعاهدكم ونعاهد الشهيد عبد الهادي أن نبقى أوفياء لدمائه الطاهرة وتضحيات شعبنا.

وأنا، كوالد الشهيد عبد الهادي، وباسم العائلة، أجدّد العهد: سنسير على درب الشهداء حتى تحرير كامل ترابنا الفلسطيني.
كل التحية والتقدير للرفاق في الجبهة الشعبية ومكتبها الإعلامي في لبنان، على ما قدموه من احتضان مادي ومعنوي للعائلة. هذا عهدنا بالجبهة الوفية لشهدائها ومناضليها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى