مشاعل الحرية (1) مقابلة مع عائلة الشهيد على طريق تحرير فلسطين القائد نضال عبدالعال (أبو غازي)
مشاعل الحرية (1)

لأن الشهادة هي ذروة العطاء وأسمى مراتب الفداء، وحين يقدّم الإنسان روحه طواعيةً من أجل حرية شعبه وكرامته، ويتقدّم الصفوف ليعبد الطريق نحو الوطن السليب، ويروي بدمه شعلة الحرية والمقاومة في مواجهة الاحتلال والظلم والعدوان، فإنه يكون شهيد الوطن وضمير القضية الذي لا يموت.
وفي الذكرى السنوية لملحمة طوفان الأقصى، وفي ظل تصاعد المواجهة مع الاحتلال الصهيوني، والتضحيات العظيمة التي يقدّمها أبناء شعبنا الفلسطيني في مختلف ساحات النضال، أجرى المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان سلسلة من الحوارات الإعلامية الخاصة مع عوائل شهداء كتائب الشهيد ابو علي مصطفى – الذراع العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في الساحة اللبنانية. الذين ارتقوا في معركة طوفان الأقصى، سواء في خطوط القتال الأولى في جنوب لبنان، أو عبر عمليات الاغتيال الصهيونية الغادرة. كما أجرى المكتب الإعلامي لقاءات إعلامية مع بعض عوائل الرفاق الذين ما زالوا مفقودي الأثر خلال تصديهم البطولي للعدوان الصهيوني على جنوب لبنان.
وسيتم نشر المقابلات عبر منصات المكتب الإعلامي في لبنان في سلسلة من الحلقات اليومية المتتالية. نسلّط الضوء من خلالها على معاني الشهادة، ونُخلّد ذكرى الشهداء بأسمائهم وذكراهم ومسيرتهم وسلوكهم الثوري والكفاحي. ونتوقف عند مواقف ومشاعر أهالي الشهداء وأبناء المخيمات، وتبنّيهم واحتضانهم للقيم والمبادئ التي ارتقى من أجلها الشهداء، كما نُبرز دور أبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان في مقاومة الاحتلال، على طريق الحرية والانتصار. وفيما يلي النص الكامل للحوار مع سعاد وعبدالفتاح عبدالعال، شقيقي الشهيد القائد نضال عبدالعال “أبو غازي”. عضو المكتب السياسي للجبهة.
اسمحوا لنا في البداية ان نشكركم على حسن استقبالكم، وأن نتوجه اليكم بتحية اجلال وإكبار كعائلة شهيد لما قدمتموه من تضحية نصرة لأهلنا في غزة، ودفاعًا عن شعبنا الصامد في فلسطين وفي مواجهة العدوان الصهيوني على شعبنا الشقيق في لبنان، ومن خلالكم الى كل عوائل الشهداء الذين ارتقوا على طريق الحرية والكرامة ، والى عموم ابناء شعبنا الفلسطيني الصامد، والى كل الأحرار والشرفاء في أمتنا والعالم . واسمحوا لنا أن نبدأ لقائنا بالسؤال الأول :
مقابلة سعاد عبدالعال شقيقة الشهيد
أولًا: حول الشهيد ومسيرته النضالية
1. هل يمكن أن تُحدثونا عن الشهيد، من هو، كيف كان في حياته اليومية، وما الذي ميّزه؟
كان الشهيد نضال عبد العال شخصًا مميزًا في حياتنا اليومية، كان بمثابة قائد لكل أفراد عائلتنا، سواء في مواقفه أو أفعاله. كان حكيمًا جدًا، ورغم صغر سنه مقارنةً ببقية أفراد العائلة، إلا أنه دائمًا كان صاحب قرار ورأي سديد. كان يتمتع بمكانة كبيرة بيننا، وكان شخصية محورية يعوّل عليها الجميع. إلى جانب كونه قائدًا سياسيًا، كان إنسانًا حنونًا يحرص على تلبية احتياجات الآخرين، وكان يحمل هموم الناس ويعبر عن آلامهم. في كل مكان كان يذهب إليه، كانت شخصيته الجذابة تحظى بالاحترام والمودة، سواء من العائلة أو من الأصدقاء أو حتى من الجيران. هو ليس فقط قائدًا من الناحية السياسية أو العسكرية، بل كان قائدًا في الحياة اليومية، يُحتذى به في الأخلاق والمواقف.
2. متى وكيف بدأت ملامح التزامه النضالي والكفاحي بالظهور؟
منذ عمر الـ16 أو الـ17، بدأ الشهيد نضال يظهر اهتمامًا واضحًا بالقضية الفلسطينية. بدأ مشاركته في معركة صبرا وشاتيلا التي كانت لها تأثير كبير عليه في تشكيل شخصيته الثورية. عاش الشهيد في تلك المرحلة معاناة الحصار وظروف الحرب، وكان متأثرًا بشكل عميق بما يجري حوله من عدوان وظلم، الأمر الذي عزز في قلبه إصرارًا على المضي قدمًا في الطريق الذي اختاره. في وقت لاحق، سافر إلى ليبيا للمشاركة في دورات تدريبية، وكان ذلك رغم صغر سنه، مما يعكس مدى التزامه المبكر بالقضية الفلسطينية. لم يكن يرى نفسه بعيدًا عن المعركة، بل كان دائمًا على استعداد للمشاركة في أي مهمة لخدمة الوطن، مهما كان الثمن.
3. ما أبرز المحطات في مسيرته الثورية؟ وهل شارك في معارك أو أنشطة مقاومة قبل ارتقائه؟
طبعًا، الشهيد نضال شارك في العديد من المحطات الثورية الهامة. بدأ معركة صبرا وشاتيلا، وكانت تلك إحدى أولى المحطات التي تركت أثرًا بالغًا في نفسه. بالإضافة إلى ذلك، شارك في العديد من المعارك في مناطق مختلفة، وكان له دور كبير في التحضير والتخطيط للعمل المقاوم. لكن ما يثير الاهتمام هو العمل السري الذي قام به الشهيد والذي لم نعلم عنه إلا بعد استشهاده. كان دائمًا في المقدمة، رغم أننا لم نكن ندرك تمامًا حجم الأعباء التي كان يتحملها.
4. كيف تلقّى الشهيد خبر التصعيد أو الدعوة للالتحاق بالمعركة؟ وما كانت ردة فعله؟
كقائد ميداني محنك، كان الشهيد دائمًا في قلب الأحداث. لم يكن هناك شيء يمر دون أن يكون له دور فيه. كان دائمًا في عمله الثوري، يتابع الأحداث لحظة بلحظة، ولذلك لم يكن مفاجئًا له خبر التصعيد أو الالتحاق بالمعركة. من ناحية رد فعله، كان يتصرف دائمًا بحكمة، لم يكن يبالغ في التحضير أو القلق، بل كان يركز على القيام بواجبه على أكمل وجه. كنا نراه قليلاً، حيث كانت أيامه غالبًا مكرسة للعمل والواجب، ولكننا كنا نعلم أنه في مكان ما، كان يقوم بما ينبغي عليه القيام به.
5. هل كنتم تتوقعون أن يسير في طريق الشهادة؟ وكيف تعاملتم كعائلة مع هذا الخيار؟
لم نكن نتوقع أبدًا أن يسير في طريق الشهادة. في البداية، كنا نخشى عليه من معركة الجنوب، كنا نخشاه على رفاقه الذين كانوا في الخطوط الأمامية، ولم نتصور قط أنه سيكون مستهدفًا بهذا الشكل، ويُغتال بهذه الطريقة. في عائلتنا، لم يكن الحديث عن الاستشهاد أمرًا عاديًا، ولكننا كنا نعلم أنه إذا كان هناك أي شخص يمكن أن يسلك هذا الطريق، فهو نضال. في البداية، كان الخوف هو شعورنا، لكننا لم نكن نتخيل أن استشهاده سيكون مصيرًا له.
ثانيًا: حول مفهوم الشهادة ومعانيها
6. ماذا تعني لكم الشهادة كعائلة قدمت شهيدًا من أبنائها؟
الشهادة بالنسبة لنا، كعائلة قدمت شهيدًا من أبنائها، هي فخر لا يوصف. رغم الألم الكبير الذي نشعر به جراء فقدانه، فإننا فخورون جدًا به وبما قدمه. فالشهادة ليست مجرد موت، بل هي حياة مستمرة عبر المبادئ التي تمثلها. نحن نشعر بغصة في قلبنا لفراغه، ولكننا في الوقت ذاته نعلم أن فلسطين بحاجة لهذه التضحيات العظيمة، وأن دماء الشهداء هي التي تفتح الطريق نحو التحرير. كلما شعرنا بالحزن، تذكرنا أنه اختار أن يضحي بنفسه من أجل فلسطين، وهذا يعطينا قوة للاستمرار.
7. كيف تفسّرون هذا الإقدام الطوعي من الشهيد على تقديم روحه من أجل القضية والوطن؟
نحن فرحون لأن الشهيد نضال كان يسير على الطريق الصحيح. كان دائمًا يردد أن هذه هي “المهمة النبيلة”، وأن الشهادة في سبيل الله والوطن هي أسمى من أي شيء آخر. الشهيد كان يدرك تمامًا أن استشهاده هو جزء من طريق طويل من النضال، وأن كل شهيد يسهم في بناء مستقبل حر لفلسطين. كان يؤمن بضرورة أن يستمر هذا الطريق حتى لو فقدنا أرواحنا في سبيله. لذلك، نشعر بالفخر العميق لما قام به، ونعتبره قدوة للأجيال القادمة.
8. ما الرسالة التي تعتقدون أن الشهيد أراد أن يوجّهها باستشهاده؟
الرسالة التي تركها الشهيد نضال واضحة جدًا، وهي رسالة استمرار النضال مهما كانت التضحيات. أوصى دائمًا رفاقه وأبناءه وأبناء الشعب الفلسطيني أن الطريق النضالي لا يجب أن يتوقف، حتى لو استشهدنا جميعًا. الرسالة كانت: “المهمة النبيلة لا تقف عند الشهيد، بل تستمر عبر أجيال”. الشهيد كان يعتقد أن الاستشهاد ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لمرحلة جديدة في النضال من أجل الوطن والكرامة.
9. برأيكم، ما العلاقة بين الشهادة والحرية؟ وكيف تفسّرون مفهوم “الشهادة كأسمى مراتب الفداء”؟
الشهادة عندنا هي أعلى درجات الفداء، لأنها تعني التضحية بالروح من أجل أن يعيش الوطن حرًا، وأن نرفع رأسنا عالياً. الشهادة ليست مجرد موت، بل هي قيمة إنسانية كبيرة لأنها تتجاوز مجرد الحياة اليومية إلى تحقيق الأهداف العظيمة. فالحرية في نظرنا لا تأتي إلا من خلال التضحيات الكبرى التي يقدمها الشعب في كل لحظة من لحظات المواجهة، والشهادة هي الجسر الذي يعبر عليه الجميع نحو الحرية والكرامة.
مقابلة مع الشاعر عبد الفتاح عبد العال شقيق الشهيد.
ثالثًا: حول أثر الشهادة في العائلة والمجتمع
10. كيف أثّر استشهاد أخيكم على العائلة؟ وماذا تغير في حياتكم من بعده؟
لقد ترك استشهاد نضال أثرًا عميقًا في العائلة كلها. في البداية، كان التأثير النفسي كبيرًا، فالصغار لم يعرفوه فقط كخال، بل كانوا يعتبرونه صديقًا لهم. كان دائمًا يأخذهم إلى البحر ويقضي وقتًا ممتعًا معهم. لذلك، عندما استشهد، فقدوا أكثر من أخ، فقدوا صديقًا كان يلعب معهم ويعطيهم دروسًا في الحياة. أما بالنسبة لنا كعائلة، فقد تغيرت حياتنا بالكامل. شعرنا بالفراغ الكبير، لكننا أيضًا شعرنا أن هناك مسؤولية كبيرة على عاتقنا لمواصلة طريقه وإكمال مسيرته.
11. ما الدور الذي يلعبه المخيم وأهله في احتضان عوائل الشهداء وتكريم ذكراهم؟
كان لمخيماتنا دور كبير في دعمنا ومواساتنا في هذه اللحظات الصعبة. في جنازة نضال، كان حضور الجميع لافتًا، فقد رأيت كيف شارك جميع الناس، سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، في إحياء ذكرى الشهيد. لم يكن هناك أي تفرقة بين الفصائل أو الانتماءات السياسية؛ كل شخص جاء ليشارك في وداعه وتكريمه، وهذا ما جعلني أشعر أن الشهيد كان رمزًا لنا جميعًا. نشكر أهل المخيم على وقوفهم معنا في هذه الأوقات، فهم لم يبخلوا علينا بكلمات العزاء أو بمواقف الدعم.
12. هل تشعرون أن استشهاد ابنكم قد عمّق ارتباطكم بالقضية الفلسطينية والمقاومة؟
نعم، استشهاد نضال عمّق ارتباطنا بالقضية الفلسطينية بشكل كبير. كلما شعرنا بالحزن من فقده، تذكرنا وصاياه وأهدافه النضالية، فذلك يعطينا القوة للاستمرار. ونحن لا نقبل بحل الدولتين، كما كان الشهيد يرفضه بشدة، لأننا نعتقد أن هذا الحل هو مجرد تصفية للقضية الفلسطينية. في قلبنا، نشعر أن الأمل بالتحرير قريب جدًا، ونحن نعمل بكل قوتنا حتى لو كنا بعيدين عن أرض فلسطين، لأن النضال يجب أن يستمر.
13. كيف تساهمون اليوم في الحفاظ على إرث الشهيد؟ وهل هناك أنشطة تقومون بها لإحياء ذكراه؟
نحافظ على إرث الشهيد من خلال كتاباته التي تركها، وكذلك من خلال الذكريات التي يتداولها الأقارب. نحن نكتب ونروي قصصه ومواقفه، ونتأكد من أن كل جيل يعرف عن نضاله وتضحياته. في كل رواية نكتبها، نتذكر الشهيد نضال، ونعرف أن تاريخه لا يجب أن يُنسى. كذلك، نحرص على الاحتفاظ بتوثيق كل لحظة من حياته التي كانت مليئة بالنضال والعطاء، لأننا نعلم أن هذا هو الطريق الذي يجب أن يسلكه الجميع.
رابعًا: حول مستقبل المقاومة والاستمرار في الدرب
14. ما هي رسالتكم لأبناء المخيمات الفلسطينية في لبنان في ظل هذه المرحلة؟
رسالتي واضحة: لن ننسى، لن نساوم، سنبقى نقاوم، وسنثأر للشهداء. لا يمكن أن نتوقف عن مقاومة الاحتلال حتى لو كانت التضحيات كبيرة. نحن مستمرون على درب الشهيد نضال وكل شهدائنا.
15. ما الكلمة التي تودّون توجيهها للجيل الجديد، خاصة من الفتيان والفتيات الذين ينشأون وسط هذه التضحيات؟
عليكم أن تتذكروا تضحيات الأجيال السابقة، وأن تواصلوا السير في طريق النضال الذي اختاره شهداؤنا. لا تظنوا أن الحرية تُعطى هكذا بسهولة؛ يجب أن تحاربوا من أجلها بكل ما تملكون. تعلموا من الشهيد نضال، وكونوا مثابرين في دفاعكم عن قضيتكم.
16. كيف ترون مستقبل القضية الفلسطينية في ظل استمرار هذه التضحيات والمواجهات؟
نحن نؤمن أن مستقبل القضية الفلسطينية ما زال مشرقًا رغم التحديات. الجهود المستمرة من الأجيال القادمة ستؤتي ثمارها في النهاية. التحرير قريب إن شاء الله، وإن ما يحدث الآن في فلسطين يعكس إرادة الشعب الفلسطيني التي لا تنكسر. رغم كل الصعوبات، الأمل في التحرير لا يزال حيًا.
17. ما الرسالة التي تودّون توجيهها للعدو الصهيوني في ذكرى معركة طوفان الأقصى؟
رسالتنا واضحة: لن نرضى بالاحتلال، ولن نساوم على حقوقنا، وسوف نستمر في مقاومة الاحتلال حتى تحرير أرضنا. استشهاد نضال وغيره من الشهداء هو دليل على إصرارنا على التحرير، ولن نتوقف حتى نحقق هذا الهدف.
خامسًا: سؤال ختامي إنساني وشخصي
18. لو عاد الشهيد اليوم للحظة، ما أول شيء تودّون قوله له؟
نود أن نقول له: “شكراً لك على كل شيء قدمته، نحن فخورون بك، وسنستمر في طريقك، ولن ننسى أبدًا تضحياتك”. انتم السابقون ونحن اللاحقون. هنيئا لك
19. ما الذي يواسيكم اليوم في غيابه؟ وما الذي يمنحكم القوة للاستمرار؟
ما يواسينا في غيابه أنه ضحى من أجل قضية عادلة، وعندما نشعر بالحزن نذكر وصاياه وحكمته. القوة التي تمنحنا الاستمرار هي إيماننا بأن الطريق الذي اختاره هو الطريق الصحيح، وبأننا مسؤولون عن نقل رسالته للأجيال القادمة.




