آراءأبرزالفلسطينيةثقافة

أبو علي مصطفى: سيزيف الفلسطيني

(مروان عبد العال)   

لأن غزة اليوم هي سيزيف العصر، تواجه آلة استعمارية كونية، تملك كل الأدوات الحديثة للقتل، وكلما رفعت رأسها تساقطت عليها حجارة الحرب، وكلما رمّمت بيتاً انهار بيت آخر، ومع ذلك تواصل دحرجة صخرتها: إعادة بناء الحياة، إنجاب الأطفال، دفن الشهداء، وتكرار القول: “نحن هنا”.

التاريخ الإنساني يضعنا أمام نمطين من المواقف الوجودية في مواجهة القهر: الأول هو موقف العبث كما صاغه ألبير كامو في أسطورته عن سيزيف؛ والثاني هو موقف المقاومة كما جسّده قادة ثوريون مثل الشهيد أبو علي مصطفى، كلاهما يقف أمام سؤال المعنى: هل لنضالنا جدوى؟ وهل للفعل قيمة في عالم تهيمن عليه قوى القمع والموت؟

ألبير كامو رأى أن الإنسان يصطدم بعبث الكون “لا معنى موضوعياً للحياة، ولا إجابة كونية عن أسئلته”، لكن هذا الاصطدام لا يقود إلى الاستسلام، بل إلى التمرد، “سيزيف” في نظره، مثل الفلسطيني الذي يدحرج صخرته إلى أعلى الجبل، لأنه صنع معناه بنفسه، حتى وإن كان الجبل ثابتاً والصخرة لا تستقر، فالحرية هنا ليست في الانتصار النهائي، بل في الإصرار على الفعل.

أما أبو علي مصطفى فقد واجه عبثاً من نوع آخر: “عبث القوة الاستعمارية التي تملك طائرات ودبابات وتفرض الموت على شعب أعزل”، أمام هذا العبث الصهيوني الذي قصف مكتبه بطائرات الأباتشي، لأنه عاد ليجيب عن سؤال: هل للمقاومة جدوى؟ بل قلب السؤال رأساً على عقب: ما معنى أن نعيش بلا مقاومة؟ قائلا: “عدنا لنقاوم!”، هنا يتجاوز الموقف العبثي ليؤسس لمعنى تاريخي: “أن الفعل الثوري ليس مجرد مواجهة للعدم، بل هو تأسيس لهوية ووجود في التاريخ”.

حين واجه الرفيق أبو علي خطاب الهزيمة «ما كان ينبغي حمل السلاح»، سخر من اللغة الاستسلامية اليائسة، والسخرية هنا موقف فلسفي يشبه لحظة الوعي العبثي عند “كامو” إدراك المفارقة بين ثقل السؤال وخفة الجواب، لكنها عند أبو علي لم تكن سخرية وجودية فقط، بل سخرية ثورية “تعرية لمنطق يبرر الاستسلام باسم العقلانية”، إنها تذكير بأن اللاجدوى الحقيقية ليست في القتال، بل في القبول بالعدم السّياسي الذي أوصل أصحابه إلى نهاية عبثية من الإذلال والهوان والإقصاء.

خطاب “ما كان ينبغي حمل السلاح” يشبه استسلام الإنسان العبثي حين يتوقف عن دحرجة الصخرة، لكنه نقيض فلسفة “كامو” الحقيقية التي تدعو إلى الاستمرار/ أبو علي يذهب أبعد: “لا يكتفي بالفعل المستمر رغم اللاجدوى، بل يؤكد أن الفعل نفسه يخلق معنى تاريخياً يتجاوز الفرد، ويصوغ هوية شعب وأمة”، إنه انتقال من الجدوى الوجودية (معنى الحياة رغم عبثها) إلى الجدوى الثورية (معنى التاريخ رغم قسوته).

إن سخرية أبو علي مصطفى من مقولة «ما كان ينبغي حمل السلاح» ليست مجرد رد سياسي، بل هي فلسفة مضادة للعبث: “مضادة لدعاة السلاح الواحد ونزع القوة أو تقليم الأظافر وخلع أنياب أصحاب فلسفة تقول إن الفعل الثوري هو الذي يمنح الحياة معناها، وإن الوجود بلا مقاومة هو اللاجدوى الحقيقية”، هكذا ينتقل سيزيف من أسطورة إغريقية إلى واقعية فلسطينية: “الصخرة لم تعد حجراً، بل بندقية، والجبل لم يعد جبل الأوليمب، بل جبال فلسطين”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى