الأسلحة الحرارية المستخدمة في حرب الإبادة على غزة: الأجسام البشرية تذوب وتتبخر

علي زيدان
أصبحت غزة ساحة مفتوحة لتجارب الأسلحة الأمريكية الفتاكة والمتطورة. تتناقل وكالات الأنباء العالمية والمحلية تقارير مرعبة عن حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة ضد السكان المدنيين العزل، وعن الإجرام الوحشي الذي يمارسه الكيان الصهيوني وحلفاؤه الأمريكيون والأوروبيون على السواء. تعددت الأدوار والجريمة واحدة. وما يحدث اليوم في غزة، لم يسبق له مثيل في الحروب العسكرية السابقة أو الحالية نظراً لحجم الإجرام والتدمير والقتل المتعمد للمواطنين العُزّل. وما يزيد الطين بلة، الصمت العالمي، وخاصة العربي. هذه اللامبالاة جعلت الكيان الصهيوني يتمادى في انتهاك القانون الدولي الإنساني، وسجله حافل بذلك، يقتل من يريد، ويهدد من يريد، ولا يستطيع أحد أن يلومه أو أن يوقفه أو أن يحاسبه. بل أكثر من ذلك، فإن العديد من الدول العربية تسعى للتطبيع معه، بينما الدول الغربية تزوده بالأسلحة الفتاكة والمحرمة دولياً بموجب اتفاقيات لم يعد لها قيمة أو وزن. وتشهد مناطق غزة، خصوصاً المربعات السكنية ومراكز الإيواء المكتظة، والمستشفيات، الهجمات العسكرية المتتالية بشكل يومي، وتستخدم فيها أسلحة فتاكة ومتطورة جداً تؤدي إلى تدمير شامل للمباني والمرافق العامة والبنى التحتية وتلوث التربة ومصادر المياه، بالإضافة إلى قتل وحشي للمدنيين بما في ذلك النساء والأطفال. الكثير من السكان يموتون تحت الردم والركام، دون التمكن من إخراج جثثهم من أجل دفنها. كذلك فإن الكثيرين أيضاً من الضحايا يموتون، وتختفي جثثهم بطرق مثيرة، تتفحم أو تتحول إلى رماد. وقد ذكرت الكثير من التقارير الصحفية وتقارير المراقبين وشهادات أقارب الضحايا أن من بين الأسلحة المحرمة التي ظهرت آثارها مؤخراً بشكل لافت للنظر القنابل أو الأسلحة الحرارية، التي تشمل أنواعاً وأشكالاً مختلفة، وتتميز بقدرة هائلة على تدمير الأجسام البشرية بشكل لا يُصدّق، حيث تؤدي إلى ذوبان الجثث أو تبخر أجزاء منها نتيجة الحرارة العالية التي تولدها هذه الأسلحة. لقد استخدم جيش الاحتلال خلال عدوانه على غزة مجموعة متنوعة من الأسلحة والذخائر المحرمة دولياً، مثل الفسفور الأبيض، وقنابل من طراز (GBU-31) زنة 2000 رطل، و (GBU-32) زنة 1000 رطل، و(GBU-39) زنة 250 رطلاً، وقنابلBLU-109/MK 84 زنة 2000 رطل، أو BLU-110/MK 83 زنة 1000 رطل، أو BLU-111/MK 82 زنة 500 رطل . هذه القنابل تستطيع تدمير الحصون والمباني العالية بالكامل، ويؤدي استخدام هذه الأسلحة المحظورة إلى آثار مدمرة على الصحة العامة وعلى البيئة. وتُساهم أيضاً في تفاقم الأزمات الإنسانية، خصوصاً وأن السكان المدنيين يعانون من التجويع والحصار الشامل الذي أدى إلى نقص شديد في الأدوية والمواد الطبية، وغياب الرعاية الصحية. ويمكن أن تتسبب الأسلحة الحرارية في حرائق ضخمة، بالإضافة إلى قدرتها على إذابة المعادن، وتسبب تدميراً شبه كامل لأي كائن يتعرض لها. ويمكن أن تسبب القنابل الحرارية والفراغية حروقاً شديدة، وتدميراً للأنسجة، والأعضاء الداخلية. كما أن استخدامها في المناطق السكنية يمكن أن يؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة. هذا النوع من الأسلحة يشمل القنابل الحرارية (Thermobaric Bombs) ، والقنابل الفراغية (Vacuum Bombs) ، بالإضافة إلى أنظمة أخرى مثل الصواريخ الحرارية. تُستخدم هذه الأسلحة في الحروب الحديثة بسبب فعاليتها في تدمير الأهداف الكبيرة والتحصينات المنيعة، وتسببها في أضرار جسيمة. وقد استخدم الجيش الأمريكي أنواعاً مختلفة من هذه الأسلحة على نطاق واسع في فيتنام وفي أفغانستان والعراق. غير أنها تعتبر من الأسلحة المحظورة والمحرم استخدامها في الحروب. أما القنابل الحرارية، أو ما يعرف بالقنابل النارية، فهي تستخدم مزيجاً من المواد الكيميائية التي تنتج حرارة شديدة عند الانفجار من خلال استخدام متفجرات تقليدية صغيرة تعمل على إنتاج سحابة من الغبار أو الجسيمات شديدة الاشتعال، ثم يقوم جهاز متفجر ثان بإشعال سحابة المواد القابلة للاشتعال، حيث ينتج عنها درجات عالية للغاية من الحرارة تصل إلى نحو 2500 – 3000 درجة مئوية، ويتم إضافة مسحوق الألمنيوم إلى بعض المتفجرات لتعزيز موجة الانفجار والضغط الزائد الذي يمكن أن يصل إلى 73 كغ/سم2. هذه الموجة هي السبب الرئيس وراء تأثيراتها القاتلة والمدمرة. وهذا ما يتسبب في حرق شديد للجلد وأجزاء الجسم الداخلية، وحرق الجثث إلى حد الذوبان الكامل أو التبخر، وخاصة في المناطق حيث تكون سحابة الانفجار أكثر كثافة. وتُستخدم هذه القنابل الحرارية عادةً ضد الأهداف المحصنة، مثل المخابئ العسكرية أو المنشآت الصناعية. بينما القنابل الفراغية، وتُعرف أيضاً باسم القنابل ذات الضغط المنخفض، تعمل على سحب الهواء من المنطقة المحيطة بها، مما يؤدي إلى وجود فراغ مؤقت. وعند انفجار القنبلة، يتم إطلاق موجة من الضغط العالي، مما يؤدي إلى تدمير الأهداف بشكل شامل. تُستخدم القنابل الفراغية بشكل رئيس في العمليات العسكرية ضد الأهداف الكبيرة، مثل المباني المحصنة والمخابئ، والدبابات والمركبات المدرعة. وتشمل التأثيرات الرئيسة للأسلحة الحرارية على الأجسام البشرية جَرّاء الحرارة الشديدة ما يلي:
أ. القتل والإصابات الخطيرة.
تؤدي الانفجارات القوية للقنابل الحرارية إلى الوفاة الفورية للمدنيين أو الإصابات الخطيرة التي تؤدي إلى فقد أعضاء من الجسم وتشوهات جسدية دائمة، وإصابات الأعصاب الطرفية وإصابات النخاع الشوكي وإصابات الدماغ والحروق. الآلاف من سكان غزة، الذين يصابون بهذه القنابل يواجهون مخاطر تهدد استمرار حياتهم بسبب الحاجة إلى تدخلات طبية معقدة وغير متوفرة، في ظل انعدام الرعاية الطبية.
ب. الذوبان والتبخر.
تعمل الأسلحة الحرارية على رفع درجات حرارة الجسم إلى مستويات عالية، نحو 2500 – 3000 درجة مئوية، مما تجعل الأنسجة البشرية تتبخر بسرعة. وفي كثير من الحالات، فإن التعرض المباشر لهذه الحرارة قد يؤدي إلى اختفاء أجزاء من الجسم بشكل شبه كامل، حيث تتبخر الأنسجة العضلية والعظمية.
ج. الحروق المدمرة.
تسبب الأسلحة الحرارية حروقًا شديدة تتجاوز الحروق التقليدية التي تنتج عن النيران. الحروق الناتجة عن هذه الأسلحة قد تؤدي إلى فقدان الأنسجة بشكل كامل، مما يجعل علاج المصابين أمراً مستحيلاً في بعض الحالات.
د. تحولات فسيولوجية في الأنسجة.
تؤدي الحرارة المفرطة إلى تدمير الأنسجة الداخلية، مثل الأوعية الدموية والأعضاء الحيوية. هذه الحرارة تتسبب في تمزق الأنسجة بشكل كامل، وتحويل الجسم إلى كتل شبه سائلة.
ه. الأضرار النفسية.
بجانب الأضرار الجسدية، يؤدي الاستخدام المتكرر لمختلف أنواع القنابل والصواريخ، ضد المدنيين إلى معاناة نفسية واكتئاب حاد بسبب خوف السكان الدائم من التعرض للهجمات العشوائية. ويعتبر الأطفال أكثر الفئات تأثراً.
و. التلوث والتسمم.
عند انفجار القنابل الحرارية، تنطلق كميات من الغازات السامة والمكونات الكيميائية، مما يؤدي إلى تلوث الهواء والتربة وموارد المياه. المواد الكيميائية الناجمة عن الانفجارات والحرائق وبقايا الرماد تؤدي إلى تدهور البيئة، وتسبب الأمراض على المدى الطويل للسكان، مثل مشاكل التنفس والتسمم.
ز. تدمير المنشآت الحيوية.
بالإضافة إلى قتل المدنيين تؤدي القنابل الحرارية إلى تدمير المنشآت المدنية الرئيسة مثل المستشفيات، والمدارس، ومراكز الإيواء، والطرقات، ومنشآت البنى التحتية مما يعيق وصول المساعدات الإنسانية الشحيحة في ظل الحصار الشامل الذي تعاني منه كافة المناطق في قطاع غزة.
ح. التأثير على موارد التنوع الحيوي.
يؤدي انفجار القنابل الحرارية إلى اختفاء موارد التنوع الحيوي والحياة البرية، والغطاء النباتي في مناطق العمليات. وينبغي القول إن حرب الإبادة في غزة دمرت بشكل متعمد الأراضي الزراعية، والموارد الطبيعية القليلة في القطاع نتيجة ضيق المساحة والكثافة السكانية العالية. ولذلك فإن تدمير الأنظمة البيئية المحلية يساهم في إبادة الموارد الطبيعية التي يعتمد عليها السكان في حياتهم اليومية.
استخدم الجيش الصهيوني خلال حرب الإبادة الشاملة في غزة هذه الأنواع من الأسلحة، بالإضافة إلى أنواع أخرى لم يعلن عنها. فقد أصبحت غزة منطقة مخصصة لتجارب الأسلحة الأمريكية الفتاكة الجديدة. لقد وردت تقارير عن حالات استخدام هذه الأسلحة المحظورة وأثرها على المدنيين من منظمات حقوق الإنسان، مثل منظمة العفو الدولية (Amnesty International)، ومنظمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch)، والمستشفيات المحلية ، والمصادر الإعلامية وشهادات المواطنين. جميعها تُشير إلى أن الأسلحة الحرارية قد تم استخدامها في الهجمات العسكرية على الأهداف المدنية ومراكز الإيواء، وراح ضحيتها العديد من المدنيين الذين تحولت جثثهم إلى رماد. ووفقاً لبعض التقارير، تمت مشاهدة آثار غير مألوفة على الجثث التي انتشلت من مناطق القصف، حيث أظهرت الجثث علامات واضحة من التبخر أو الذوبان في أجزاء منها. على سبيل المثال، بعض الجثث كانت تبدو كأنها تعرضت لحرارة تفوق قدرة الجسم على التكيف معها، ما أدى إلى تحول الأنسجة إلى حالتها السائلة أو تدمير أجزاء منها بشكل كامل. الأطباء الذين عاينوا الجثث أكدوا أن بعض الأضرار لا يمكن أن تفسر إلا من خلال التعرض لدرجات حرارة عالية جداً ومواد كيميائية ناتجة عن استخدام أسلحة حرارية. وفي تقرير نشرته منظمة العفو الدولية، تم التأكيد على أن هناك استخداماً للأسلحة الحارقة في بعض الهجمات ضد المدنيين، ما أدى إلى حالات من التفحم والتبخر في الضحايا. يُعد استخدام الأسلحة الحرارية في الحروب والنزاعات العسكرية انتهاكاً فاضحاً للحقوق الإنسانية، خاصة وأن هذه الأسلحة تتسبب في تدمير الأجسام البشرية بشكل غير إنساني. إن التسبب في أضرار مدمرة من هذا النوع يتعارض مع العديد من المعاهدات الدولية التي تحظر استخدام الأسلحة المحرمة، مثل اتفاقيات جنيف التي تهدف إلى حماية المدنيين أثناء الحروب. منظمة هيومن رايتس ووتش أكدت في تقاريرها أن الأسلحة الحارقة تمثل تهديدًا غير إنساني وأن استخدامها ضد المدنيين يتسبب في معاناة كبيرة تمتد لفترة طويلة بعد الهجوم، إذ تتسبب في تشويه الأجسام والتسبب في أضرار نفسية كبيرة للمجتمع المتضرر.
وتجدر الإشارة إلى أن استخدام الأسلحة الحرارية في غزة، يتم بشكل منتظم، كجزء من حرب الإبادة الجماعية الشاملة، مما يجعل من الضروري أن يتدخل المجتمع الدولي فوراً وبشكل أكثر فاعلية من أجل الحد من استخدامها والضغط على الكيان الصهيوني من أجل وقف استخدامها ضد المدنيين. القانون الدولي الإنساني يحظر استخدام القنابل الحرارية والأسلحة التي تسبب أضراراً غير متناسبة أو معاناة مفرطة للمدنيين في المناطق المأهولة بالسكان. كذلك اتفاقيات لاهاي لعامي 1899 و1907، واتفاقيات جنيف لعام 1949. كما يصنف نظام روما للمحكمة الجنائية الدولية استخدام القنابل الحرارية كجريمة حرب. ومع ذلك، فإن الولايات المتحدة ما زالت تزود جيش الاحتلال بهذه الأسلحة التي يستخدمها على مرأى ومسمع المجتمع الدولي. وهذا ما يثير التساؤل إلى متى يبقى الكيان الصهيوني فوق القانون، وتبقى الهيئات القانونية الدولية صامتة إزاء هذا الوضع اللاإنساني في غزة بالرغم من إدانة قادته بجرائم الحرب، وإصدار مذكرات جلب بحق رئيس الحكومة ووزير الحرب السابق. ومع ذلك، تتزايد الدعوات من قبل بعض الدول وبعض المنظمات الحقوقية لمحاسبة الكيان الصهيوني وإدانة قادته كمجرمي حرب. إلا أن العبرة في التطبيق خاصة في ظل غياب الصوت العربي.