
في ذكرى انطلاقة «جمّول» في 16 أيلول 1982
بقلم: أحمد مراد
في مثل هذا اليوم، 16 أيلول/سبتمبر 1982، وفي واحدة من أكثر المراحل قسوةً وخطورةً في تاريخ لبنان والثورة الفلسطينية والمنطقة العربية . صدر البيان الأول عن جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية «جمّول»، رداً على الاحتلال الصهيوني الذي اجتاح لبنان واحتل بيروت والجنوب وأجزاء واسعة من الجبل والبقاع، في محاولة لفرض واقع جديد على لبنان وشعبه وإخضاع إرادته الوطنية، وطرد قوات الثوره الفلسطينيه والجيش العربي السوري من لبنان وادخال لبنان في العصر الاسرائيلي.
لكن الاحتلال لم يواجه لبنان مستسلماً، بل واجه شعباً وقوى وطنية قررت أن تجعل من المقاومة طريقاً لمواجهة العدوان ودحر الاحتلال. وجاءت ولادة «جمّول» تعبيراً عن إرادة وطنية لبنانية جامعة، التقت فيها قوى وأحزاب وطنية وتقدمية وبمشاركه فلسطينيه وبدعم من قوى تحرريه عربيه على قاعدة واضحة ،أن الاحتلال لا يُواجه بالاستسلام أو الانتظار، وأن مقاومته مسؤولية وطنية، وأن تحرير الأرض وصون السيادة والكرامة لا يمكن أن يتحققا إلا بإرادة الشعب ومقاومته. ومنذ بيانها الأول، فتحت «جمّول» صفحة جديدة من تاريخ النضال الوطني اللبناني، وانتقلت المقاومة من إعلان الموقف إلى الفعل الميداني، فنُفذت عمليات متلاحقة ضد قوات الاحتلال ومواقعه ودورياته، وتحوّلت بيروت والجنوب والمناطق المحتلة إلى ساحات مواجهة مفتوحة.
ولم تكن «جمّول» فعلاً لبنانياً معزولاً عن محيطها الفلسطيني والعربي ، فقد شارك مناضلون وفصائل فلسطينية في عمليات المقاومة الوطنية اللبنانية، جنباً إلى جنب مع المقاومين اللبنانيين، وقدمت عشرات الشهداء ونعتهم باسم “جمول” ، في تعبير حيّ عن وحدة النضال في مواجهة الاحتلال، وعن حقيقة أن العدوان الذي استهدف لبنان كان جزءاً من مشروع أوسع استهدف الشعب الفلسطيني وحقه في الحرية والتحرر.
وخلال مسيرتها، نفذت المقاومة الوطنية اللبنانية العديد من العمليات النوعية، وقدمت قوافل من الشهداء والجرحى والأسرى والمفقودين، من الرجال والنساء، الذين اختاروا طريق المواجهة دفاعاً عن الأرض والكرامة الوطنية.
وكان للمرأة اللبنانية والفلسطينية حضور بارز في هذه المسيرة، فلم تكن المرأة مجرد شاهدة على الأحداث، بل كانت في مواقع النضال والمقاومة، وقدمت الشهيدات والأسيرات والجريحات، ومن الأسماء التي ارتبطت بذاكرة “جمول” في تلك المرحلة يسار مروة، ومريم فخر الدين، ولولا عبود، وسناء محيدلي، إلى جانب كوكبة من الشهيدات والأسيرات والجريحات اللواتي تركن أسماءهن في صفحات تاريخ المقاومة.
إن استحضار هؤلاء الشهداء والشهيدات لا يعني استعادة أسماء من الماضي فحسب، بل استعادة ذاكرة وطنية ونضالية كاملة، ذاكرة أولئك الذين دفعوا حياتهم ثمناً لرفض الاحتلال، والذين واجهوا آلة الحرب بإرادة لم تنكسر، وتركوا للأجيال درساً في التضحية والانتماء والتمسك بالأرض والحرية. فقد شكّلت «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» محطة بارزة في تاريخ لبنان الحديث، وأثبتت أن الاحتلال، مهما امتلك من تفوق عسكري وسياسي، لا يستطيع إلغاء إرادة الشعوب، وأن وحدة القوى الوطنية حول هدف التحرير قادرة على تحويل الاحتلال من مشروع للهيمنة إلى مأزق سياسي وميداني متواصل.
وفي ذكرى انطلاقتها، نستحضر شهداء «جمّول» وكل من ارتقى في صفوف المقاومة اللبنانية والفلسطينية والعربية، وننحني أمام تضحيات الأسرى والمفقودين والجرحى، ونستعيد خصوصاً أسماء الشهيدات اللواتي جسدن حضور المرأة في مسيرة المقاومة، وكنّ جزءاً أصيلاً من تاريخها وتضحياتها. والوفاء لهذه الذاكرة لا يكون بتحويلها إلى مجرد مناسبة سنوية، بل بحفظ حقيقتها، وصون أسماء شهدائها، وتوثيق تضحيات مناضليها، والتأكيد على أن تاريخ الشعوب لا يُكتب فقط في الاتفاقيات والمؤتمرات، بل تكتبه تضحيات أبنائها وبناتها الذين وقفوا في وجه الاحتلال.
ومن ذاكرة «جمّول» إلى جنوب لبنان اليوم، تؤكد التجربة أن الاحتلال لا يستطيع فرض إرادته على شعب يتمسك بأرضه وحقوقه . وكما أسهمت المقاومة وصمود الشعب وتضحياته في إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للبنان عام 2000، فإن صمود اللبنانيين ووحدتهم وثباتهم ومقاومتهم، إلى جانب كل الجهود الوطنية والسياسية، قادر على فرض وقف العدوان وإنهاء الاحتلال والانسحاب من كل الأراضي اللبنانية. وفي مواجهة استمرار الاحتلال والاعتداءات في الجنوب، تبقى السيادة اللبنانية ووحدة الأرض أولوية لا تقبل التنازل.


