
في اللحظات المفصلية من تاريخ الشعوب، لا تُقاس المبادرات السياسية بمدى انسجامها مع الحسابات الفصائلية الضيقة، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأكثر إلحاحاً ، كيف نحمي القضية الوطنية، ونصون وحدة الشعب، ونمنع تحويل التضحيات الهائلة التي قدمها شعبنا إلى مدخل لتصفية حقوقهم الوطنية والتاريخية؟
من هذا المنطلق، تكتسب المبادرة السياسية التي طرحتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين تحت عنوان «خارطة الطريق من أجل الإنقاذ الوطني» أهمية خاصة، ليس لأنها تقدم وصفة نهائية للأزمة الفلسطينية، وإنما لأنها تضع إصبعها على جوهر المأزق: استمرار الانقسام، وغياب الشراكة الوطنية، وأزمة النظام السياسي الفلسطيني، في وقت تتعرض فيه القضية الفلسطينية لأخطر محاولات إعادة تشكيل مستقبلها من خارج إرادة شعبها.
المبادرة، في جوهرها، تدعو إلى الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة أسبابه السياسية والوطنية، عبر مرحلة انتقالية متوافق عليها، وحوار وطني شامل، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة، وصولاً إلى إعادة تشكيل المجلس الوطني وتوسيع منظمة التحرير لتضم مختلف القوى الفلسطينية، بما فيها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، وإنتاج برنامج وطني قادر على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
وتزداد الحاجة إلى التعامل مع هذه المبادرة بمسؤولية وطنية عالية، كونها صادرة عن فصيل فلسطيني صاحب إرث وتاريخ نضالي وسياسي وكفاحي عريق، عُرف بنزاهته ووطنيته وأصالته الفلسطينية والقومية، وبمناصرته التاريخية لقضايا الشعوب العادلة وحركات التحرر في العالم. كما أن ثباته على مبادئه، وحرصه الدائم على تغليب المصلحة الوطنية الفلسطينية على مصالحه الفئوية والتنظيمية، يمنحان المبادرة صدقية إضافية، ويؤكدان أنها تنطلق من هاجس حماية المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني في هذه المرحلة المصيرية والخطيرة، لا من حسابات المكاسب أو المقاعد أو الحصص.
كما أن إرث الجبهة وتاريخها النضالي الطويل، وما قدمته من تضحيات جسام على امتداد مسيرتها، يدحضان بصورة واضحة كل محاولات التشكيك في دوافع المبادرة أو تفسيرها باعتبارها نابعة من الخوف من نتائج الانتخابات أو القلق على حضور الجبهة ودورها. فالتاريخ السياسي والنضالي للجبهة يؤكد أنها لم تجعل يوماً من حضورها التنظيمي أو وزنها الانتخابي معياراً لمواقفها الوطنية، ولم تتعامل مع القضية الفلسطينية بمنطق المقاعد والحصص والمكاسب الفئوية. ولو كانت الحسابات التنظيمية الضيقة هي ما يحكم مواقفها، لما اختارت في محطات كثيرة مواقف ومبادرات دفعت أثماناً سياسية وتنظيمية باهظة دفاعاً عن وحدة الشعب والقضية والمصلحة الوطنية العليا. ولذلك، فإن قراءة المبادرة في ضوء هذا التاريخ تجعل من الصعب اختزالها في حساب انتخابي عابر، بل تضعها في سياقها الطبيعي باعتبارها محاولة للمساهمة في إنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني من أزمته الراهنة، وصون وحدته في مواجهة تحديات مصيرية.
وإذا كان تاريخ الجبهة وإرثها النضالي يدحضان محاولات اختزال المبادرة في حسابات انتخابية أو تنظيمية، فإن موقفها من الانتخابات نفسها يؤكد ذلك بصورة أكثر وضوحاً. فالجبهة تنطلق من إيمان راسخ بأهمية الانتخابات وحق الشعب الفلسطيني المطلق في انتخاب ممثليه بكل حرية وشفافية وديمقراطية، وبمشاركة الجميع ترشيحاً وانتخاباً، بما يشمل أبناء شعبنا الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية وفي جميع مواقع اللجوء والشتات، بما يجسد وحدة الشعب الفلسطيني حيثما تواجد. وعليه، فإن دعوتها إلى تأجيل الانتخابات لا تعني بأي حال رفضها أو الانتقاص من أهميتها، وإنما تأتي لإفساح المجال أمام مزيد من الحوار والاتصالات واللقاءات، وتعزيز الوحدة الوطنية، والوصول إلى الاستحقاق الانتخابي في أفضل الظروف التي تمكن شعبنا وقواه السياسية والمجتمعية من إنتاج نظام سياسي قادر على حمل المشروع الوطني الفلسطيني التحرري، القائم على إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض وصون حق العودة. فالانتخابات، في نهاية المطاف، ليست غاية بحد ذاتها، وإنما خطوة على طريق تغيير هذا الواقع الفلسطيني المؤلم، لا وسيلة للتكيف معه أو إعادة إنتاجه.
وهنا تكمن القيمة الأساسية للمبادرة: فهي لا تتعامل مع الانتخابات باعتبارها المشكلة، بل تطرح السؤال الأعمق حول البيئة السياسية والوطنية التي ستجري فيها، وما إذا كانت قادرة على إنتاج حالة سياسية فلسطينية جديدة تتجاوز واقع الانقسام والتشرذم. فالانتخابات لا تكتسب معناها الديمقراطي الكامل بمجرد إجرائها، وإنما بما يمكن أن تفضي إليه من تجديد للشرعيات، وتوسيع للمشاركة، وإعادة بناء للنظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية.
لكن نجاح أي مبادرة لا يتوقف على سلامة تشخيص الأزمة، بل على القدرة على تحويلها إلى مسار سياسي عملي. والمطلوب هنا ألا تبقى الدعوة إلى الحوار شعاراً عاماً، بل أن تتحول إلى آلية وطنية واضحة، تشارك فيها القوى والفصائل والشخصيات والفعاليات المجتمعية، بعيداً عن منطق الإقصاء أو المحاصصة أو احتكار القرار، وبما يتيح الوصول إلى توافقات حقيقية حول شكل المرحلة الانتقالية ومهامها وأهدافها وآلياتها.
إن إعادة بناء منظمة التحرير لا ينبغي أن تكون مجرد إضافة أسماء إلى مؤسساتها، بل عملية سياسية وديمقراطية تعيد للمنظمة دورها باعتبارها البيت الوطني الجامع للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وتعيد الاعتبار للقرار الوطني المستقل، وتربط بين الداخل والخارج واللاجئين، وتحمي حق العودة وسائر الحقوق الوطنية الثابتة. وهي، بهذا المعنى، ليست شأناً تنظيمياً أو إجرائياً، بل مدخل لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس وطنية وديمقراطية وتشاركية.
وفي المقابل، فإن الوحدة الوطنية المنشودة ليست وحدة شكلية بين القيادات، بل وحدة تقوم على برنامج سياسي ونضالي مشترك، وعلى احترام التعددية، وصون القرار الديمقراطي، وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال والاستيطان والتهجير ومحاولات فرض الوصاية الخارجية على مستقبله. وحدة كهذه لا تلغي الاختلاف السياسي والفكري، بل تنظم هذا الاختلاف داخل إطار وطني جامع، بحيث يصبح التنوع مصدر قوة للمشروع الوطني لا سبباً لاستنزافه.
لذلك، فإن المبادرة تستحق أن تُقرأ باعتبارها دعوة إلى نقاش وطني فلسطيني واسع، لا باعتبارها مشروعاً خاصاً بفصيل. والمصلحة الفلسطينية العليا تقتضي أن تتعامل معها القوى السياسية بجدية ومسؤولية، وأن تُطرح أفكارها على طاولة الحوار، وأن يجري تطوير ما يحتاج إلى تطوير، وتجاوز أي ثغرات قد تعترض طريقها، لأن اللحظة الفلسطينية الراهنة لا تحتمل استمرار إدارة الأزمة بعقلية الانتظار أو الاكتفاء بإعادة تدوير الخلافات ذاتها.
ففلسطين اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الانقسام حول من يمتلك الشرعية، بقدر ما تحتاج إلى إعادة بناء الشرعية الوطنية نفسها على قاعدة الشراكة والوحدة والمقاومة بكل اشكالها. كما أن المطلوب ليس فقط إعادة ترتيب المؤسسات، وإنما استعادة وظيفة النظام السياسي الفلسطيني بوصفه أداة في خدمة المشروع الوطني التحرري، وليس إطاراً لإدارة واقع الاحتلال أو التعايش معه.
وفي زمن تتسارع فيه المشاريع الهادفة إلى رسم مستقبل الفلسطينيين من خارج إرادتهم، تصبح الوحدة الوطنية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً من شروط البقاء والانتصار. ومن هنا، فإن قيمة «خارطة الطريق من أجل الإنقاذ الوطني» لا تكمن فقط في تفاصيل ما تقترحه، وإنما في قدرتها على فتح الباب أمام مراجعة وطنية شاملة ومسؤولة، تعيد ترتيب الأولويات الفلسطينية انطلاقاً من المصلحة العليا للشعب الفلسطيني.
إن المعركة الحقيقية ليست حول عدد المقاعد التي سيحصل عليها هذا الفصيل أو ذاك، ولا حول من يتقدم في هذه الانتخابات أو تلك، وإنما حول قدرة الفلسطينيين على امتلاك قرارهم الوطني، وتوحيد طاقاتهم، وإعادة بناء مؤسساتهم السياسية، وحماية حقوقهم التاريخية، ومواصلة نضالهم من أجل إنهاء الاحتلال واستعادة الأرض وتحقيق حق العودة.
ولهذا، فإن التعامل الجاد مع المبادرة لا يعني بالضرورة الاتفاق مع كل تفاصيلها، وإنما يعني أولاً الاعتراف بالحاجة الملحة إلى الخروج من المأزق الراهن، وفتح حوار وطني جدي حول أفضل السبل لذلك. فالمبادرات الوطنية تُقاس في النهاية بقدرتها على تحريك الواقع لا بوضعه في قوالب جامدة، وعلى إنتاج الأمل والعمل لا تكريس الانقسام والعجز.
إن السؤال الذي ينبغي أن يحكم النقاش الفلسطيني حول هذه المبادرة ليس من المستفيد منها؟ . وإنما:ماذا يمكن أن ننتج من خلالها لمصلحة شعبنا وقضيته؟ وهل نستطيع أن نحولها إلى فرصة لاستعادة الوحدة، وتجديد الحياة السياسية، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني التحرري؟
فإذا كانت الإجابة تقود إلى وحدة الشعب، وإعادة بناء مؤسساته، وتوسيع مشاركته الديمقراطية، وحماية حقوقه الوطنية، فإنها تكون قد وضعت لبنة على طريق الخروج من الأزمة، وأعادت للسياسة الفلسطينية وظيفتها الأساسية بأن تكون أداة لخدمة الشعب وقضيته، لا ساحة للصراع على المواقع والحصص.
وفي النهاية، تبقى الانتخابات وسيلة ديمقراطية وحقاً أصيلاً للشعب الفلسطيني، لكن قيمتها الحقيقية تكمن في أن تكون جزءاً من مسار وطني أشمل يقود إلى تغيير الواقع، لا مجرد آلية لإعادة إنتاجه. وتبقى الوحدة الوطنية شرطاً لهذا المسار، لا شعاراً يرفع في المناسبات. ومن هنا، فإن أي جهد فلسطيني صادق يضع المصلحة الوطنية العليا فوق المصالح الفئوية، ويفتح الطريق أمام استعادة وحدة الشعب والقرار والمؤسسات، يستحق أن يُناقش بعقل مفتوح ومسؤولية تاريخية، وأن يُختبر بميزان واحد: هل يقربنا من فلسطين ، أم يعيد إنتاج أزماتنا ؟



