
كوزو أوكاموتو: حين يصير الياباني نجماً فلسطينياً، أممياً
في صباح الخميس الموافق 23 يوليو/تموز 2026، غادرنا من كان يعرف نفسه بـ”أحمد الياباني”، تاركاً خلفه سيرة لا تشبه سير الرجال.
في كوماموتو اليابانية، حيث ولد عام 1947، كان يمكن لهذا الفتى الذكي أن يصير عالماً نباتياً بارزاً، أو أستاذاً للغات يتقن ست منها. لكن النضال الأممي كان له مشروع آخر. ففي زمن اختلطت فيه أوجاع الأرض، قرر أوكاموتو أن يضع علم النبات جانباً، وأن يحمل بدلاً منه بندقية وقلباً نابضاً بفلسطين.
لن نتحدث هنا عن عملية مطار اللد كحدث عسكري فقط. بل كفعل شعري بامتياز. ففي 30 مايو/أيار 1972، لم يخترق أوكاموتو ورفاقه مطاراً محصناً فحسب، بل اخترقوا منطق التاريخ نفسه. كانوا ثلاثة فقط، لكنهم زرعوا في وجدان مقاومةٍ بأكملها فكرة أن الجغرافيا لا تعني شيئاً حين يكون الإيمان بالقضية هو البوصلة.
ثلاثة عشر عاماً في سجون الاحتلال. ثلاثة عشر عاماً من العزل الانفرادي، حيث حاول السجان أن يكسر جسده قبل روحه. كانوا يُجبرونه على الأكل ويداه خلف ظهره، وكأنهم يريدون أن يقولوا له: “أنت مجرد جسد”. لكن أوكاموتو كان يردّ بصمته الطويل، بذاك الصمود الذي لا يُفسر إلا بالإيمان بأن الحرية ليست مجرد كلمة، بل حالة وجودية.
في عام 1985، خرج أوكاموتو إلى النور، ليس كرجل محطم، بل كقضية متجسدة. منحته لبنان لجوءً سياسياً عام 2000، لكنه لم يطلب منها سوى أن تتركه يواصل حلمه. عاش في ضاحية بيروت الجنوبية، بعيداً عن الأضواء، قريباً من وجع الناس.
اليوم، حين نودّعه، لا نودّع يابانياً تحول إلى فلسطيني، بل نودّع نموذجاً نادراً للأممية الحقيقية. تلك الأممية التي لا تكتفي بالشعارات، بل تسافر آلاف الأميال، وتتخلى عن رفاهية الوطن الأول، لتزرع نفسها في تراب وطن ليس لها، وكأنها تقول: “الحرية لا وطن لها، والعدل لا جنسية له”.
كوزو أوكاموتو لم يمت. فهو الآن نجم في سماء فلسطين، يضيء درب التحرير. من البحر إلى النهر، سيبقى اسمه يتردد في جلسات المقاومة، وفي قلوب أولئك الذين يؤمنون بأن الإنسان يمكن أن يكون أكبر من حدوده الجغرافية.
وراء الع…دو في ك…ل م…كان، جسّد أوكاموتو العلاقة النضالية الفريدة بين الج…يش الأح….مر الياباني والج….بهة الش…عبية لتح… رير فل…سطين، ليؤكد أن الدماء الممزوجة على أرض المعركة تكتب تاريخاً لا تفرّقه الجنسيات، بل تجمعه قسوة السجان وروح التحدي.
سنمضي في طريقه. سنبقى على العهد. فلسطين حرة، والقدس عاصمتها، وهذا ليس شعاراً، بل وعد من دم الرجال الذين صنعوا المجد بأيديهم، وهجروا أوطانهم ليعيشوا في وطن الكرامة.
لذكراه المجد والخلود، ومنا الوفاء.
*أحمد الشهال



