أبرزمقالات

“الأطماع الإقليمية والاستعمارية تزيد مأساة الشعب السوداني تفاقمًا”  ( أحمد مراد)

يشهد السودان منذ أكثر من عام صراعًا دمويًا بين الجيش وقوات الدعم السريع، تحوّل إلى حرب شاملة أنهكت الدولة وألحقت الضرر بالملايين من المواطنين، وفتحت الباب أمام تدخلات إقليمية ودولية متعددة الأهداف. ومع تصاعد هذه الأزمة، يتضح أن ما يجري في السودان ليس مجرد صراع داخلي على السلطة، بل هو جزء من صراع دولي أوسع على الموارد والموقع الاستراتيجي، يضع مستقبل السودان وشعوبه أمام تحديات جسيمة تهدد استقراره وسيادته الوطنية.

ويأتي السودان في قلب هذه التدخلات بفضل موقعه الحيوي كبوابة للسيطرة على ثروات إفريقيا وممرات البحر الأحمر، إضافة إلى موارده المعدنية والزراعية والمائية الهائلة، ما يجعله هدفًا محوريًا للقوى الغربية الساعية لتأمين مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية في المنطقة. في هذا السياق، يسعى الكيان الصهيوني إلى توسيع نفوذه الاستخباراتي والعسكري في السودان والقرن الإفريقي، ليؤمن لنفسه موطئ قدم يتيح مراقبة العمق العربي من الجنوب، والسيطرة على طرق الإمداد والمقاومة، فضلاً عن إضعاف الدول العربية المجاورة، وخصوصًا مصر، ومنعها من استعادة دورها المحوري في الصراع العربي – الصهيوني.

ويترتب على استمرار الفوضى في السودان آثار خطيرة تتجاوز حدوده، لتشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري والعربي، إذ تسعى القوى الاستعمارية والكيان الصهيوني إلى محاصرة مصر مائيًا وسياسيًا من خلال دعم مشاريع في دول المنبع وتغذية النزاعات في حوض النيل، بما يعيق قدرتها على لعب دور قيادي في الصراع العربي – الصهيوني. وتشمل هذه الاستراتيجيات الأطماع الصهيونية في سيناء ومياه النيل، بالإضافة إلى إشغال مصر بأزمات حدودية ومخاطر اللاجئين، بهدف إحباط محاولتها لاستعادة مكانتها الطبيعية على الساحة الإقليمية.

ومن جهة أخرى، لا يمكن إغفال الدور المشبوه لبعض الدول العربية التي ساهمت في تأجيج الصراع السوداني من خلال دعم أطراف متنازعة وتمويل ميليشيات محلية، أو الانحياز لطرف ضد آخر. وهذه السياسات تزيد من تعقيد الأزمة، وتضعف وحدة السودان وسلامة أراضيه، كما أنها تمهد الطريق أمام النفوذ الغربي والصهيوني لتعزيز سيطرته على القرار الوطني، ما يعكس حجم المخاطر التي تواجه السودان والأمة العربية ككل.

وتتجلى مأساة هذا التدخل في ما شهدته مدينة الفاشر في إقليم دارفور، حيث المجازر والانتهاكات الجسيمة طالت المدنيين، وسط فوضى أمنية مستمرة وعجز دولي عن حماية السكان. هذه الأحداث تضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته الأخلاقية والقانونية، وتؤكد أن التدخلات الخارجية، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة، تتحمل جزءًا كبيرًا من تفاقم الأزمة الإنسانية في السودان.

وبالنظر إلى هذه التداعيات، يصبح الحل الحقيقي متوقفًا على بناء مشروع وطني ديمقراطي موحّد، يعكس مصالح الشعب السوداني بالكامل، ويستعيد الموارد الوطنية، ويقيم مؤسسات قادرة على حماية السيادة وضمان العدالة الاجتماعية، وصون وحدة البلاد. فالسودان الموحد هو ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وسقوطه أو تفككه يعني فتح الباب أمام مزيد من الهيمنة الخارجية والتدخلات الاستعمارية والصهيونية.

ويظل الشعب السوداني مثالاً حيًا على الالتزام بالقضايا العربية الكبرى، إذ وقف تاريخيًا إلى جانب القضية الفلسطينية ودعم نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة الاحتلال الصهيوني لاستعادة أرضه وحقوقه الوطنية المشروعة. واليوم، يؤكد السودانيون من خلال صمودهم أن وحدة المصير العربي هي السبيل الوحيد لمواجهة الاستعمار والهيمنة، وبناء مستقبل حر ومستقل للأمة العربية بأسرها. فلتتجسد إرادة السودان الموحد في حماية سيادته ودعم حقوق الشعوب العربية، بما يعزز الحرية والكرامة لكل أمتنا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى