أبرزحوار وشخصيات

مشاعل الحرية (12). مقابلة خاصة مع والدة الرفيق المقاتل المفقود في معركة إسناد غزة عند الحدود الفلسطينية – اللبنانية بشير زكريا لوباني

مشاعل الحرية (12)

في رحاب التضحية والفداء، نقف إجلالاً لأولئك الذين وهبوا أنفسهم لقضية عادلة، فلسطين ولشعبها الذي تعرّض لأبشع جريمة تاريخية باقتلاعه من أرضه وتعرضه لحملات إبادة هدفت إلى تصفية قضيته ومقاومته. وكان لأبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان شرف المشاركة في ملحمة «طوفان الأقصى» عبر معركة الإسناد على الحدود الفلسطينية-اللبنانية، وكان لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى دورًا فاعلًا فيها، حيث قدّمت كوكبة من قادتها ومقاتليها شهداءً ومفقودين ارتقوا في خضم هذه المعركة البطولية.

وضمن سلسلة «مشاعل الحرية» كان لنا في المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان شرف اللقاء بوالدة الرفيق المقاتل المفقود الأثر بشير لوباني، لنسلّط الضوء على نشأته ومسيرته الفدائية وسيرته في ذاكرة العائلة والمخيم.

أولًا: حول بشير لوباني ومسيرته النضالية

سـ: بدايةً، حدّثينا عن ابنك بشير؛ كيف كان في حياته اليومية وما الذي كان يميّزه؟

بشير كان قطعةً من قلبي؛ شاب طيّب حنون يبلغ من العمر ثلاثةً وعشرين عاماً، وكان الأقرب إليّ بين أولادي. كان بسيطًا في حياته وعظيمًا في روحه؛ يعمل ويعيلنا، ولم يغب يومًا عن هموم وطنه. كان هادئ الطبع، لكنه حين يتعلق الأمر بفلسطين يتحول إلى جبل من الحماسة والوعي.

سـ: متى بدأت تظهر عليه ملامح الالتزام النضالي؟

الالتزام بدا معه منذ صغره، لكنه اتخذ منحًى جادًا منذ أربعة أعوام تقريبًا. كان دائمًا يسأل عن أحوال المخيم وفلسطين والحصار، وبرز التزامه العملي بصورة أوضح قبل عامين من أحداث «طوفان الأقصى»، إذ بدأ يقضي وقتًا في النشاطات، وتغيّر نمط حياته فأصبح أكثر انضباطًا ومسؤولية كأنه يُهيّئ نفسه لمسار مختلف.

سـ: هل شارك بشير في نشاطات مقاومة أو معارك سابقة؟

نعم، كان يشارك باستمرار في المرابطة وخدمة الناس وقت التوترات الأمنية. لم يكن محبًّا للكلام الكثير، لكنه كان حاضرًا وقت الفعل، ولم يغب عن أي لحظة احتاجه فيها المخيم؛ كان يشعر أن وجوده في الصفّ الأول واجب.

سـ: كيف تلقّى خبر التصعيد؟ وهل أخبرك بنيته المشاركة؟

حين انتشرت الأخبار لم يكن في عمله، لكنه أصرّ على الخروج فورًا. قال لي: «إن لم أكن أنا فمن؟» حاولت أن أرجوه التريّث، لكنه قبل رأسي وقال: «ادعولي يا أمي، سأُزفُّ شهيدًا»، ومنذ ذلك الحين لم يعد.

سـ: هل توقعتِ أن يسلك طريق الشهادة أو الفقد؟

كنت أشعر بأن الطريق الذي يسير فيه محفوف بالمخاطر، لكني كنت أدعو الله أن يحفظه. لم أتوقع أن يختفي هكذا؛ الفقد أصعب من الاستشهاد لغياب الوداع والقبْر والخبر المؤكد. ومع ذلك، أنا راضية وقلبي مرفوع لأنّه سلك طريق الأحرار.

ثانيًا: حول مفهوم الشهادة والفقد

سـ: ماذا تعني لكِ الشهادة أو الفقد كأم قدمت ابنها؟

الشهادة والفقد معًا يحملان فخرًا عظيمًا ووجعًا كبيرًا. ليس سهلاً أن يغيب ضميرك ولا تعرفين عنه شيئًا، لكني مؤمنة أن الله لا يضيع دمًا أو أثر إنسان خرج من أجل وطنه. إمّا شهيدٌ في الجنة أو حيٌّ يعود مرفوع الرأس؛ في الحالتين سأزفه، إن عاد حيًا فزفة العريس، وإن كان شهيدًا فزفة الشهادة.

سـ: كيف تفسّرين إقدام بشير على هذا الطريق؟

هذا طريق الرجال والأوفياء؛ بشير لم يذهب حبًّا في الموت بل حبًّا للحياة لشعبه. كان يؤمن أن الكرامة تتطلّب تضحيات، وأنا فخورة بأنه اختار أن يكون في المقدمة.

سـ: برأيك، ما الرسالة التي أراد بشير أن يوجّهها؟

رسالته كانت واضحة: لا حرية بلا فعل، ولا كرامة بلا مواجهة. أراد أن يقول إننا لن ننسى ولن نعيش تحت الذل، وربّما رسالته أن نواصل نحن بعده المسير حتى تتحقق الأهداف.

سـ: كيف ترين العلاقة بين الشهادة والحرية؟

الشهادة طريق إلى الحرية، والفقد جزء من الكفاح. الغياب ليس نسيانًا، والدم ليس خسارة. كل من غاب من أجل فلسطين حيٌّ في قلوبنا وفي مسيرتنا؛ هم نور نهتدي به.

ثالثًا: حول أثر الفقد على العائلة والمجتمع

سـ: كيف أثّر غياب بشير على العائلة؟

تغير كل شيء؛ البيت صار أكثر هدوءًا، والأعياد ناقصة، وحتى الضحكات لم تعد كما كانت. ومع ذلك حملنا اسمه وسرنا على نهجه، ونقول لكل من يسأل: هذا ابننا، ولن ننساه.

سـ: كيف تعامل أهل المخيم معكم؟

لم يقصروا لحظة؛ احتضنونا ووقفوا معنا بالدعاء والدعم. أهل المخيم يعرفون ماذا يعني أن تكون أمًّا تنام ولا تعرف أين ابنها، لذا لم يتركونا وحدنا.

سـ: هل زاد الفقد من ارتباطكم بالقضية؟

بالتأكيد؛ فقدان بشير لم يجعلنا نبتعد بل زاد من شعورنا بالواجب لاستكمال مسيره. القضية صارت شخصية أكثر، ودمنا فيها وليست مجرد كلام أو خبر.

سـ: كيف تحيّون ذكراه؟

نذكره في تفاصيل حياتنا، ونقيم نشاطات باسمه، ونعقد لقاءات وأفطارات. في العيد الأخير أقيم نشاط في محل عمله عُلِّقت فيه صورته ووزعت حلويات باسمه. بشير حاضر في كل مكان.

رابعًا: حول مستقبل المقاومة

سـ: ما رسالتك لأبناء المخيمات؟

رسالتي أن يتمسّكوا بحقهم ويحملوا سلاح الوعي، وأن لا يسمحوا للتعب أو اليأس أن يكسر عزيمتهم. كل خطوة يخطونها على هذا الطريق وفاء لشهدائنا ومفقودينا.

سـ: ما الذي تقولينه للجيل الجديد؟

أقول لهم: اقرؤوا عن بشير وأمثاله، تعلموا كيف ساروا، واعلموا أن الكرامة ليست مجانية. نحن بحاجة إليكم، ونريدكم أن تنشأوا على حب الوطن لا على تقاليدٍ سطحية.

سـ: كيف ترين مستقبل القضية؟

رغم الحزن، أرى أملاً لأن هناك من هم على شاكلته ومن يمتلكون الإيمان والإصرار. النهاية لنا وإن طال الزمن؛ فلسطين ستعود. هذا وعد لا أمنية.

سـ: ما رسالتك للعدو الصهيوني؟

رسالتي: مهما طمحتوا وأبعدتم أبناءنا فلن تغيّبوا القضية. أنتم زائلون، وبشير عائد، سواء بروحه أو بانتصار شعبه.

خامسًا: سؤال ختامي إنساني

سـ: لو عاد بشير للحظة، ماذا تقولين له؟

أقول له: «اشتقت إليك يا بني… نورّت البيت بعودتك.» سأحضنه ولا أفارقه.

سـ: ما الذي يواسيك اليوم وما يمنحك القوة؟

ما يواسيني أنني أعلم أن أمره لم يضيع؛ خرج لدافع الحق والدفاع عن كرامة شعبه. أستلهم قوتي من دعاء الناس ومن صورته ومن الشجرة التي زرعناها باسمه، ومن الله الذي لا يضيع أجر من أحسن عملاً.

بهذا الصوت الممزوج بالفخر والحزن، نختتم حوارنا مع والدة الرفيق بشير لوباني. فقصّة بشير ليست مجرد سيرة فردية؛ إنها مرآة من مرايا شعبٍ لا ينسى، وقِصَة تذكّرنا بأنّ الشهادة والفقد جزء من مسيرة الحرية التي لا تنتهي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى