أبرزالفلسطينيةحوار وشخصياتمنوعات

عملية جسر الكرامة: وهج المقاومة العربية في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”. (أحمد مراد*)

عملية جسر الكرامة: وهج المقاومة العربية في مواجهة مشروع “إسرائيل الكبرى”. (أحمد مراد*)

* مسؤول المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان

فيما تتصاعد حرب الإبادة والتطهير العرقي التي ينفذها الاحتلال الصهيوني بحق أبناء شعبنا في فلسطين المحتلة، تواصل المقاومة العربية الحقيقية تقديم نماذج نضالية تؤكد أن روح الأمة لا تموت، وأن دماء الأحرار ما زالت تجري في عروق الأبطال. ومن بين هذه النماذج البطولية، برزت عملية جسر الكرامة، التي نفذها الشهيد الأردني عبد المطلب القيسي، لتعيد إلى الأذهان أمجاد النضال العربي المشترك، وتسلط الضوء على الخطر الصهيوني المتربص بكل شعوب المنطقة دون استثناء.

ما يميز عملية القيسي، ليس فقط نجاحه في قتل جنديين من قوات الاحتلال الصهيوني، بل أيضاً عمره الذي بلغ 57 عاماً، ليبرهن أن الكفاح والمقاومة لا يقتصران على جيل الشباب، بل هو إيمان راسخ يسكن الوجدان، ويترجم إلى فعل ثوري في سبيل الكرامة والحرية. هذه العملية النوعية أعادت إحياء رمزية جسر الكرامة كعنوان للعزة، تماماً كما حصل في معركة الكرامة عام 1968 التي سطّرت أولى هزائم الاحتلال الصهيوني بعد نكسة حزيران 1967.

وقد جاءت عملية القيسي في سياق نضالي أوسع، مترافقة مع أصداء عمليات مشابهة أخرى، أبرزها ما نفذه الشهيد الأردني ماهر الجازي في نفس المكان في الثامن من أيلول/ سبتمبر عام 2024 والتي أدت في حينه الى مقتل ثلاثة جنود صهاينة واصابة ٱخرين واستشهاد المنفذ إبان معركة طوفان الأقصى، التي اندلعت في وجه العدوان الصهيوني المتغوّل في دماء أبناء غزة، حيث سطر الجازي صفحة مشرقة في تاريخ الكفاح العربي دفاعاً عن القدس والمقدسات، وإيماناً بوحدة المصير، وموقفاً مبدئياً ضد الإبادة الصهيونية-الأمريكية المستمرة بحق الأبرياء في القطاع الصامد.

لقد تحوّلت غزة إلى رمز عالمي للمأساة والصمود، حيث يتعرض سكانها منذ سنوات لحصار خانق، ودمار ممنهج، إلا أن العدوان الذي بدأ منذ أكتوبر 2023 أخذ طابعاً أكثر إجراماً ودموية عبر إبادة جماعية معلنة ومصوّرة ومتواصلة، راح ضحيتها حتى تاريخه عشرات الآلاف من الأطفال والنساء والشيوخ، وسط صمت دولي فاضح وتواطؤ إقليمي مخزٍ. ورغم ذلك، يواصل الشعب الفلسطيني في غزة صموده ومقاومته الأسطورية ، متمسكاً بحقه في الحياة والحرية والعودة، مؤمناً بأن الاحتلال إلى زوال مهما طال الزمن.

وفي الضفة الغربية والقدس، يتواصل الإستيطان الصهيوني المحموم ، وسياسات التطهير العرقي، حيث تُهدم البيوت، ويُهجّر السكان قسراً، وتُسرق الأراضي، وتهود المقدسات في محاولة لتفريغ الأرض من أصحابها الشرعيين. يُقابل هذا التغول بمقاومة شعبية شرسة لا تعرف التراجع، وتؤكد أن فلسطين غير قابلة للبيع أو المساومة أو المقايضة، وأن القدس ستبقى عربية وعاصمة أبدية لفلسطين، رغم محاولات التهويد وتغيير معالم المدينة المقدسة.

وقد بات جلياً أن المخطط الصهيوني لا يقتصر على فلسطين وحدها. فقد أصبح العدوان ممنهجاً، ويمتد ليطال لبنان وسوريا واليمن عبر ضربات عسكرية وعمليات استخبارية متكررة، ليصل إلى تونس وقطر، وعبر تهديدات مباشرة وسيناريوهات تدخل ناعم وخشن يطال العديد من الأقطار والدول العربية والإسلامية. إن العدوان الصهيوني على تونس وقطر مؤخراً، بكل ما يمثله من انتهاك صارخ للسيادة، يؤكد أن لا حصانة لأي دولة عربية أو إسلامية أمام المشروع الصهيوني الذي يسعى إلى فرض واقع إقليمي جديد، بالحديد والنار.

إن كل هذا الإرهاب الصهيوني يتم بدعم أمريكي غير محدود، سياسيًا وعسكريًا واستخباراتيًا، فلا طالما وقفت الإدارات الأمريكية المتعاقبة المجرمة بكل عنجهية إلى جانب الكيان الصهيوني، توفّر له الحماية في مجلس الأمن، وتغذيه بأحدث أنواع الأسلحة، وتمارس ضغوطًا على الدول العربية كي تهادنه وتطبع معه. كما لا تخفى أدوار بعض الأنظمة والأدوات الإقليمية التي تتعاون مع هذا المشروع، بصمتها أو تواطئها، أو حتى بدعمها المباشر لمخططات التقسيم والهيمنة.

وعليه، آن الأوان أن يدرك بعض النظام الرسمي العربي، أن سياسة التجزئة والانكفاء القُطري لم تعد ممكنة في ظل هذا الانفجار الإقليمي. إن الأمن القومي العربي وحدة لا تتجزأ، والمساس بأي قطر هو تهديد لكل الأمة. لم يعد مقبولًا التفرج على المجازر في غزة، أو التغاضي عن تهويد القدس، أو تجاهل التهديدات الصهيونية التي تطال العواصم العربية من المحيط إلى الخليج. فإما أن نواجه جميعًا هذا المشروع، أو نسقط فرادى في مستنقع التبعية والذل.

وفي هذا السياق لا بد من الإشادة بالعلاقة الكفاحية العميقة بين الشعبين الأردني والفلسطيني رغم محاولات بعض الأطراف المعادية لتفكيك تلك العلاقة، والتي تشكّل نموذجاً للوحدة النضالية في مواجهة المشروع الصهيوني-الأمريكي، الذي يسعى لتفكيك الأمة وتمزيق نسيجها الاجتماعي والسياسي، خدمةً لأهداف استعمارية تخدم الاحتلال وتحالفاته الغربية المتوحشة.

وعلى الضفة الأخرى، تتكشف هزالة مخرجات قمة الدوحة، التي لم ترتقِ إلى مستوى التضحيات ولا إلى حجم الجراح النازفة في غزة، وبدت وكأنها تتعامل مع المجازر بوصفها أزمات عابرة، في حين أن الرد الحقيقي جاء من الميدان، عبر أبطال اختاروا المواجهة بدل البيانات، وقدموا دليلاً حياً على أن خيار المقاومة هو السبيل الأنجع في ردع الاحتلال.

التحية لروح الشهيد عبد المطلب القيسي، الذي أثبت أن العمر لا يقف في وجه الكفاح، والى كل الثوار والأحرار العرب والأمميين الذين ما زالوا يدافعون عن القضية الفلسطينية، في وجه الإرهاب الصهيوني، والوحشية الاستعمارية الغربية. إن هذه العمليات النوعية تمثل الرد العملي والموجع على العدوان، وستظل شعلة للمقاومة المتجددة، حتى يتحقق النصر وتتحرر فلسطين، وتنهزم مشاريع التقسيم والهيمنة إلى غير رجعة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى