أبرزمقالات

عامان على استشهاد الفرسان:  نضال وعماد وعبد الرحمن… حين يصبح الغياب حضوراً لا ينتهي

 بقلم: أحمد مراد

«تسقط الأجساد ولا تسقط الفكرة»… كأن الشهيد المبدع غسان كنفاني كتب هذه الكلمات بمداد قلبه، لتبقى شاهدة على حكاية شعبٍ لا ينكسر، وعلى أرواحٍ ترحل بأجسادها، لكنها لا تغادر وجدان أهلها ورفاقها، ولا تفارق دروب الحرية التي اختارتها طريقاً لحياتها. فثمة غياب لا يُقاس بالفقد، وثمة حضور لا تصنعه الحياة وحدها، بل تصونه الذاكرة والوفاء، وتمنحه التضحيات معنى يتجاوز الزمن.

نقف اليوم أمام حكاية نضال وعماد وعبد الرحمن، لا لنستعيد وجع الرحيل فحسب، بل لننحني أمام سيرة ثلاثة من أبناء هذا الشعب، حملوا فلسطين في قلوبهم، وجعلوا من انتمائهم لها موقفاً والتزاماً، ومن إيمانهم بحق شعبهم في الحرية والعودة والكرامة عنواناً لمسيرتهم. رحلوا، لكنهم تركوا خلفهم ما هو أبقى من الكلمات ، سيرةً من الوفاء، وذاكرةً من العطاء، وأثراً لا تمحوه السنوات.

الشهيد نضال عبد العال، عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ورفيق دربه في الكفاح والشهادة ،عماد عودة عضو اللجنة المركزية، ورفيقهما عبد الرحمن عبد العال ، ثلاثة أسماء جمعتها فلسطين، ووحّدتها دروب الانتماء والتضحية، وجعلتها الشهادة أكثر التصاقاً بذاكرة رفاقهم وأهلهم وأحبائهم وأبناء شعبهم. لم تكن الشهادة في حياتهم كلمة تُقال في المناسبات، بل معنى عميقاً للالتزام، ومسؤولية تجاه شعبٍ ما زال يدفع من أعمار أبنائه وأحلام عائلاته ثمناً لحريته وكرامته.

وفي حضرة الشهداء، لا تكفي الكلمات، ولا تستطيع العبارات أن تلامس حجم الفقد الذي تركوه في قلوب ووجدان رفاقهم وعائلاتهم. فهناك أمهات وآباء وأبناء ورفيقات ورفاق، لكل منهم حكاية مع الغائب، وذكرى لا تشبه سواها، ووجع يتجدد كلما مرّ اسم الشهيد أو حضرت صورته. إن عائلات الشهداء لا تفقد أبناءها وحدهم، بل تفقد تفاصيل يومية لا تعوّض، ووجوهاً كانت تملأ البيوت دفئاً، وأحلاماً كان من حقها أن تكتمل.

إن الشهادة ليست نهاية الحكاية، بل لحظة تختبر فيها الأجيال معنى الوفاء لما تركه الشهداء من قيم ومواقف. فالأجساد التي تغيب تترك وراءها أسئلة ومسؤوليات، والذاكرة التي تحفظ أسماء أصحابها لا تكتمل إلا حين تتحول إلى فعلٍ يحمي المعنى الذي عاشوا من أجله. وليس الوفاء لنضال وعماد وعبد الرحمن أن نكتفي باستحضار أسمائهم في الذكرى، بل أن نبقي فلسطين حاضرة في وجداننا، وأن نصون وحدة شعبنا، وأن نتمسك بحقوقه الوطنية، وأن نواصل العمل من أجل مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.

ايها الفرسان … يا نضال وعماد وعبد الرحمن، يا رفاق الدرب والحلم، غيابكم موجع، لكن حضوركم فينا أكبر من الغياب. ستبقى أسماؤكم محفورة في ذاكرة الجبهة والشعب، وستظل سيرتكم جزءاً من حكاية فلسطين التي لا تنتهي، حكاية شعبٍ كلما أثقلته الجراح، انطلق كطائر الفينيق من تحت الرماد متمسكاً بإيمانه بعدالة قضيته ، وبحقه التاريخي في التحرير والعودة .

سلامٌ لأرواحكم الطاهرة، وسلامٌ لعائلاتكم التي تحمل وجع الفقد وعزّة الوفاء، وسلامٌ لكل أمٍّ وأبٍ وزوجةٍ وابنٍ وابنةٍ قدّموا أعزّ ما يملكون على طريق فلسطين.

تسقط الأجساد، لكن الفكرة لا تسقط… والذين يستشهدون من أجل فلسطين لا يغيبون ، لأن الأوطان التي تسكن القلوب لا تنسى أبناءها، ولأن حكاية الشهداء تظل حيةً ما بقي في هذا الشعب قلبٌ ينبض بالحرية، وذاكرةٌ لا تموت ، وإرادةٌ لا تنكسر ولا تنحني.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى