
يروي الإعلامي والصحافي الفلسطيني المتميز، مؤسس ومدير وكالة «معاً» الإخبارية ومدير مكتب قناة «الميادين» في فلسطين، الدكتور ناصر اللحام، في إحدى مقابلاته التلفزيونية، حكاية تختصر الكثير من معاني الوفاء لفلسطين، ولذاكرة شعبها، وللأمانة التي تحملها الأجيال جيلاً بعد جيل.
يقول الدكتور ناصر اللحام إنه في أحد الأيام جاءه مواطن فلسطيني وقال له: «يا دكتور ناصر، أريد أن أطلب منك خدمة». فأجابه: «تفضل».
قال المواطن إن لديه نسخة من القرآن الكريم عمرها 480 عاماً، وكان يحملها بين يديه بكل حرص وعناية، وكأنه يحمل طفلاً رضيعاً يخشى عليه من كل أذى. وأراد أن يعطيها للدكتور ناصر، لأنه كان يعتقد أن الدكتور أكثر قدرة منه على الاحتفاظ بها وحمايتها والاعتناء بها.
لكن الدكتور ناصر اللحام، إدراكاً منه لعظمة الأمانة ومسؤولية الحفاظ عليها، قال له: «أرجوك، لا تتركها عندي، وسأجد لك المؤسسة القادرة على حفظها والاعتناء بها».
ولاحقاً، توجه الدكتور ناصر اللحام إلى الدكتور ناصر القدوة، وقصّ عليه الحكاية، فكان جوابه سريعاً وواضحاً: «لا تحضرها إليّ يا دكتور ناصر، فمن استطاع أن يحتفظ بها 480 عاماً، قادر على أن يحتفظ بها 480 عاماً أخرى، ولكننا نحن لا نستطيع أن نحتفظ بها حتى أربع ساعات».
هذه الحكاية تجعلنا نفكر في عظمة الشعب الفلسطيني وقضيته. فهذا الشعب الذي حافظ على قضيته حية طوال أكثر من مئة عام، رغم سيل الدماء وعظمة التضحيات، ورغم النكبة والاقتلاع والتهجير والمجازر والسجون والمنافي والحصار، قادر على أن يستمر في نضاله، وأن يحمي قضيته، ويحفظها للأجيال القادمة.
فهذه الحكاية ليست حكاية نسخة من القرآن الكريم عمرها 480 عاماً فحسب، إنها، في معناها الأعمق، حكاية فلسطين بكل ما تحمله من تاريخ وإرث وحضارة وجذور، وبكل ما تختزنه من تضحيات وصبر وثبات وصمود. ففلسطين تسكن ضمير ووجدان وذاكرة كل فلسطيني، منذ الولادة وحتى الرمق الأخير. ولعل أبلغ دلالة على ذلك المقتنيات التي ما زالت تحتفظ به آلاف العائلات الفلسطينية، جيلاً بعد جيل، من مفاتيح البيوت، ومناجل الحصاد، ووثائق ملكية الأرض، وأدوات الفلاحة والصناعة، وسائر المقتنيات التي حملها الفلسطينيون معهم من فلسطين حين اقتُلعوا من أرضهم وديارهم.
إنهم لا يحتفظون بهذه الأشياء لقيمتها المادية، وإنما لقيمتها الرمزية والوجدانية، لأنها تذكّرهم بأرض الآباء والأجداد، وبالبيوت والقرى والمدن التي تركوها قسراً، وتبقي فلسطين حاضرة في تفاصيل حياتهم وذاكرتهم. إنها أشياء صغيرة في حجمها، لكنها كبيرة في معناها، تحمل في داخلها حكاية وطن، وتختزن حقاً لا يسقط بالتقادم، وتبعث في نفوس أصحابها الإصرار والأمل على مواصلة النضال حتى تحرير فلسطين والعودة المظفرة إلى الأرض والديار.
هذه الحكاية تستحق أن نستحضرها اليوم، ونحن نعيش واحدة من أكثر المراحل صعوبة وتعقيداً في تاريخ الشعب الفلسطيني وقضيته.
ففلسطين لم تبقَ حية لأن الظروف كانت إلى جانبها، بل لأن شعبها كان أقوى من محاولات محوها. حفظها اللاجئ في ذاكرته، والأسير في وجدانه، والفلاح في أرضه، وحفظتها الأمهات في حكايات البيوت والقرى والمدن، وحملها الشهداء إلى آخر الطريق.
إن قضيةً حفظها شعب كامل لأكثر من قرن، لا يجوز أن تصبح أسيرة للحسابات الضيقة أو الخلافات العابرة. وهنا تقع المسؤولية على الفصائل والأحزاب والقوى المجتمعية والنخب السياسية والوطنية، أن تكون بمستوى تضحيات هذا الشعب، وبمستوى دماء شهدائه، وصمود أسراه، وثبات لاجئيه، وأن تصون الأمانة التي تركها الشهداء في أعناقنا.
أن تكون فلسطين فوق المصالح الفئوية والحسابات الشخصية، وأن تكون وحدة الشعب الفلسطيني وصون حقوقه الوطنية والتاريخية المشروعة هي البوصلة التي تصوب المواقف والقرارات. وعلينا أن لا نقلق على القضية،فالشعب الفلسطيني أثبت أنه قادر على حمايتها. بل علينا أن نقلق من أنفسنا ، هل نحن جديرون بهذه الأمانة؟ وهل نستطيع أن نحافظ عليها كما حافظ عليها شعبنا ؟



