
في الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاد القائد الوطني والقومي الكبير، الأمين العام السابق للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، أبو علي مصطفى، نستعيد سيرة رجلٍ لم يرَ في النضال موقعاً أو امتيازاً، بل مسؤوليةً وانتماءً ووفاءً لشعبه وقضيته. فالأوطان لا تصنعها الأحداث وحدها، وإنما يصنعها أيضاً رجالٌ امتلكوا شجاعة تحويل الإيمان بالفكرة إلى فعل، وتحويل الانتماء إلى مسيرة من العطاء والتضحية.
إن دور الفرد في مسيرة الشعوب ليس دوراً هامشياً أو عابراً؛ فكم من إنسانٍ آمن بعدالة قضيته، فكان حضوره نقطة تحول في حياة شعبه، وكم من قائدٍ استطاع أن يحمل هموم شعبه ويترجمها إلى موقفٍ وفعلٍ ومسيرة. ومن هنا، فإن استحضار تجربة أبو علي مصطفى لا يأتي فقط لاستعادة سيرة قائدٍ وشهيد، وإنما لاستحضار نموذجٍ إنساني ونضالي يجسد معنى أن يكرّس الإنسان حياته من أجل حرية شعبه وتحرير أرضه.
وُلد أبو علي مصطفى في بلدة عرابة بمحافظة جنين، ونشأ في زمن كانت فيه فلسطين تعيش واحدة من أقسى مراحل اقتلاعها وتشريد شعبها. ومنذ بدايات وعيه السياسي، اختار طريق الانحياز إلى قضية شعبه، وانخرط في العمل الوطني، ليصبح لاحقاً أحد أبرز القادة المؤسسين للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، إلى جانب رفاق دربه، وفي مقدمتهم الدكتور جورج حبش ووديع حداد، وغيرهما من المناضلين الذين آمنوا بأن فلسطين ليست قضية جغرافيا فحسب، بل قضية شعب وحق وتاريخ ومستقبل.
ومنذ انخراطه المبكر في صفوف حركة القوميين العرب، برز أبو علي مصطفى كأحد الكوادر التي جمعت بين الوعي السياسي والممارسة النضالية. وأسهم في تأسيس الخلايا العسكرية الأولى للجبهة الشعبية، وشارك في العمليات العسكرية داخل الوطن المحتل، قبل أن يتولى لاحقاً مسؤولية نائب الأمين العام للجبهة، ويتحمل مهام تنظيمية وسياسية وعسكرية متعددة. وفي كل موقع ومسؤولية، أثبت قدرة استثنائية على المبادرة والعطاء، وترك بصمته قائداً ميدانياً ومنظماً وسياسياً، جامعاً بين صلابة الموقف ووضوح الرؤية والقدرة على تحويل الأفكار إلى فعل نضالي ملموس.
لم يكن أبو علي مصطفى قائداً بعيداً عن الناس، أو أسيراً للمكاتب والمواقع التنظيمية. كان يرى في العلاقة مع الجماهير أساساً للعمل الوطني، وفي الالتصاق بالناس شرطاً لفهم قضاياهم وآلامهم وتطلعاتهم. ولذلك ظل طوال مسيرته حاضراً في ميادين النضال، متقدماً الصفوف، حاملاً قضيته بثبات، ومتمسكاً بحق الشعب الفلسطيني في الحرية والعودة.
وحين عاد إلى فلسطين، لم تكن العودة بالنسبة إليه مجرد عودة إلى المكان، بل عودة إلى الميدان. عاد ليكون بين أبناء شعبه، وبين المناضلين والمقاومين، وليؤكد بالفعل قبل القول أن القائد الحقيقي لا يكتفي بإدارة النضال من بعيد، بل يشارك شعبه آلامه وتحدياته وأحلامه.
ومن هنا اكتسبت عودته معناها الرمزي الكبير: «عدنا لنقاوم وعلى الثوابت لا نساوم». كانت العودة تعبيراً عن رؤية ترى أن وجود القائد بين شعبه هو جزء من مسؤولية النضال، وأن فلسطين التي تستحق التضحية لا يمكن أن تتحول إلى مجرد ملف سياسي أو عنوان في مفاوضات لا طائل منها.
وفي السابع والعشرين من آب/أغسطس عام 2001، امتدت يد الغدر الصهيونية-الأميركية لتطال أبو علي مصطفى، في جريمة استهدفت قائداً فلسطينياً اختار أن يبقى وفياً لخيار شعبه.
وباستشهاده، ظن الاحتلال أنه قادر على إخماد صوتٍ جسّد عقوداً من النضال، لكنه لم يدرك أن القادة الذين يتحولون إلى جزء من ذاكرة شعبهم لا يغيبون بالاغتيال.
لقد غاب أبو علي مصطفى جسداً، لكنه بقي حاضراً في الوعي الفلسطيني، في أسماء الشوارع
والمؤسسات والرايات، وفي ذاكرة رفاقه وأبناء شعبه، وفي كل موقف يرفض تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد تسوية تنتقص من الحقوق والثوابت.
وبعد خمسة وعشرين عاماً، لا تبدو سيرة أبو علي مصطفى مجرد صفحة من صفحات التاريخ الفلسطيني، بل تبدو أكثر حضوراً في زمنٍ ما تزال فيه فلسطين تواجه الإبادة، ومحاولات الاقتلاع والتهجير والتصفية. ففي زمن تتعرض فيه الأرض للمصادرة والتهويد، والإنسان للسحق أو الاقتلاع، والذاكرة لمحاولات المحو والتشويه، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى استعادة نماذج القادة الذين جعلوا من حياتهم امتداداً لقضية شعبهم، ومن مواقعهم مسؤولية، ومن مواقفهم التزاماً لا يتغير بتغير الظروف.
إن الوفاء لأبو علي مصطفى لا يكون فقط بإحياء ذكراه أو استعادة أقواله ومواقفه، بل بالحفاظ على المعنى الذي عاش واستشهد من أجله: فلسطين حرة، وشعب فلسطيني متمسك بحقه في العودة والحرية وتقرير المصير، وأرض لا تسقط بالتقادم ولا تُختصر في حدود التسويات.
وفي الذكرى الخامسة والعشرين لاستشهاده، نقف أمام سيرة قائدٍ اختار أن يجعل حياته للفكرة، والفكرة للشعب، والشعب للوطن. ونستعيد ذكراه، كما نستعيد ذكرى كل الشهداء، لا باعتباره ماضياً انتهى، بل باعتباره قيمةً نضالية وأخلاقية ما زالت حاضرة، ودرساً في الوفاء للقضية والانحياز للشعب والثبات على الموقف.
سلاماً لأبو علي مصطفى، الذي آمن أن الإنسان يستطيع أن يصنع فرقاً في مسيرة شعبه، وأن القائد الحقيقي هو من يترك خلفه أثراً يتجاوز عمره.
سلاماً لروحه، ولرفاق دربه، ولكل من حمل فلسطين في قلبه، ومضى على طريق الحرية والعودة والتحرير.



