من البرج الشمالي إلى ميادين الكرامة… أيمن دخلول عهدٌ لا يسقط ورايةٌ لا تنكسر [أحمد مراد]

ليس الفقد في مسيرة الشعوب المناضلة نهاية الحكاية، بل هو فصلٌ آخر من فصول العطاء المتجدد، حيث تتحوّل دماء الشهداء إلى مناراتٍ تهدي الأجيال دروب الحرية. وهكذا نودّع اليوم الشهيد المقاتل أيمن عاطف دخلول (أبو حذيفة)، ابن فلسطين البار الذي ارتقى ثابتًا على درب الكفاح، وفي قلبه يقينٌ لا يتزعزع بأن فلسطين لا تُستعاد إلا بالمقاومة.
وُلد الشهيد عام 1996 في مخيم البرج الشمالي؛ ذلك المخيم الذي لم يكن يومًا مجرد مكانٍ للجوء، بل مدرسةً وطنيةً صنعت الوعي، وصقلت الإرادة، وربّت أبناءها على أن اللجوء ليس قدرًا أبديًا، بل محطة نضالٍ نحو العودة. هناك، تفتّحت عينا أبو حذيفة على قسوة الحرمان، وتجرّع، كما أبناء جيله، مرارة التشرد، فآمن بأن الكرامة لا تُسترد إلا بالفعل المقاوم، وبأن هذا العدو الغاشم لا يفهم إلا لغة القوة، وأنه «لا يفلّ الحديد إلا الحديد».
التحق مبكرًا بصفوف الثورة الفلسطينية، وسار بثباتٍ على طريق تحرير فلسطين، كل فلسطين. لم يتردد حين نادى الواجب، فكان من أوائل الملتحقين بجبهات القتال في معركة إسناد غزة، وفي معركة أولي البأس، حيث خاض مع رفاقه مواجهاتٍ بطولية مشرّفة، سطّروا فيها صفحاتٍ من العزة والكرامة. ثم عاد ليشدّ الرحال من جديد، ملبيًا نداء الواجب، ليلتحق بجبهات القتال في معركة العصف المأكول، دفاعًا عن لبنان، وعلى درب فلسطين، حيث كان دومًا في الصفوف الأمامية كما عهدناه.
وغدًا، حين نودّعك في مشهدٍ يليق بعظمة الشهادة، سيكون المخيم كلّه على موعدٍ مع عرسك المهيب، حيث تمتزج الدموع بالزغاريد، وتتجلّى أسمى معاني الفداء. ستسير الحشود خلف نعشك الطاهر، تظلّلها رايات النصر، وترتفع الهتافات التي تجدّد العهد وتؤكد أن الطريق مستمر. ستزغرد الأمهات بقلوبٍ يعتصرها الوجع لكنها تعلو بالكبرياء، كأنهنّ يزففن أبناءهن إلى الخلود. وسيقف الرفاق والأحبة بخشوعٍ مهيب، بعيونٍ دامعة وصدورٍ مفعمة بالفخر، يستحضرون مآثرك ويودّعونك كما يليق بك. هناك، في تلك اللحظات الخالدة، سيحضر الوطن بكل معانيه، متجسدًا فيك، وفي دمك الذي خطّ حكاية الصمود والانتصار.
لم يكن استشهادك مفاجئًا لمن عرفوك، فقد كنت مشروع شهادةٍ يمشي على الأرض. لكن المشهد الأبلغ كان في موقف عائلتك، تلك العائلة الفلسطينية المناضلة التي قدّمت فلذة كبدها بكل شموخ. حين ذهبنا لإبلاغهم نبأ استشهادك، ارتفع صوت والدك عاليًا، مفعمًا بالفخر، مؤكدًا أنه يقدّم ابنه شهيدًا على طريق التحرير والعودة، رافعًا رأسه بهذه الشهادة المباركة، ومعلنًا استعداده لمواصلة الطريق ذاته لينال شرف الشهادة. هكذا هم أهلنا… وهكذا يُصنع المجد.
إنه شعبٌ لا ينكسر، شعبٌ صابرٌ صامد، لم يعرف يومًا معنى الاستسلام، وسيبقى، رغم الجراح، رافعًا راية الكفاح والمقاومة حتى التحرير والانتصار.
لك العهد والوعد يا أبا حذيفة، ولكل شهدائنا الأبرار، أننا سنحمل الأمانة، ونصون الوصية، ونمضي على ذات الطريق، درب الشهداء، حتى تحرير فلسطين، كل فلسطين.



