أبرزحوار وشخصيات

 كميل أبو حنيش: الحرية ليست لحظة… بل مسار نضال لا ينتهي حتى من المنفى

في كل عام، يحلّ يوم الأسير الفلسطيني بوصفه مناسبة وطنية جامعة، تستدعي استحضار تجربة آلاف الفلسطينيين الذين مرّوا في سجون الاحتلال، وتعيد طرح الأسئلة حول معنى الحرية، وحدود التضامن، وإمكانيات الفعل السياسي والشعبي.

استحضارًا لقضية الأسرى بعد يومهم الوطني، أجرى مركز حنظلة للأسرى والمحررين مقابلة خاصة مع الأسير المحرر كميل أبو حنيش، الذي أمضى ما يقارب ربع قرن في سجون الاحتلال، قبل أن يتحرر ضمن صفقة التبادل الأخيرة، ويواصل اليوم حضوره النضالي من المنفى.

غير أن هذا اليوم، كما يظهر في تجربة الأسير المحرر كميل أبو حنيش، يتجاوز كونه مناسبة رمزية، ليغدو حالة نضالية مستمرة، تتشكل داخل السجن وخارجه، وتعيد إنتاج ذاتها في سياقات مختلفة، من الزنزانة إلى المنفى.

وفي هذه المقابلة، يستعرض أبو حنيش محطات من تجربته داخل السجون، ويقدم قراءة معمّقة لدلالات يوم الأسير، مؤكدًا أن هذه المناسبة تمثل حالة نضالية متواصلة، وليست مجرد حدث سنوي.

📝 السجن كحيّز لإعادة تشكيل الوعي

تكشف شهادة أبو حنيش عن تصور مغاير للسجن، بعيدًا عن كونه فضاءً للانتظار أو التعطيل. فالحياة الاعتقالية، كما يصفها، كانت مكتظة بالفعل اليومي: تنظيميًا، وثقافيًا، وتعليميًا.

هذا الطرح يعيد الاعتبار لفكرة “المجتمع الاعتقالي” بوصفه بنية متكاملة، ساهمت عبر عقود في إنتاج كوادر سياسية وثقافية، وتحويل تجربة الأسر إلى مدرسة نضالية قائمة بذاتها.

وفي هذا السياق، لا يظهر الأسير كضحية فحسب، بل كفاعل يسعى إلى إعادة تعريف موقعه داخل معادلة الصراع، عبر تحويل القيد إلى أداة إنتاج للوعي.

📝 يوم الأسير… من الرمزية إلى الفعل

يطرح أبو حنيش مقاربة مزدوجة ليوم الأسير: فهو من جهة يوم رمزي، تحتاجه الشعوب الواقعة تحت الاحتلال لتكريس الذاكرة الجماعية، لكنه من جهة أخرى لا يكتسب معناه الحقيقي إلا من خلال استمرارية الفعل.

داخل السجون، لم يكن هذا اليوم مناسبة احتفالية بقدر ما كان فعلًا نضاليًا، تجلّى في الإضرابات، والفعاليات التنظيمية، ومحاولات كسر العزلة. أما خارجها، فيتحول إلى مساحة لتجديد الالتزام الشعبي، وإعادة تسليط الضوء على قضية الأسرى في مواجهة محاولات التهميش أو الاختزال.

📝 بين الذاكرة الجماعية وفقدان الأحبة

واحدة من أبرز النقاط التي تستحضرها تجربة أبو حنيش هي التداخل بين إحياء يوم الأسير وسقوط الشهداء.

هذا التزامن، الذي تكرر في أكثر من مناسبة، يعكس طبيعة التجربة الفلسطينية بوصفها حالة متداخلة من الفقد والمقاومة، حيث لا تنفصل لحظات إحياء الحياة عن استحضار الموت.

في هذا الإطار، يصبح يوم الأسير ليس فقط مناسبة للتضامن، بل أيضًا لحظة استعادة للذاكرة الجمعية بكل ما تحمله من ألم واستمرارية.

📝 المنفى كامتداد للميدان

بعد التحرر، لا ينظر أبو حنيش إلى المنفى باعتباره قطيعة مع التجربة النضالية، بل كتحوّل في أدواتها ومساحاتها.

فالمنفى، وفق هذا التصور، ليس نهاية المسار، بل انتقال إلى حيز جديد، تتخذ فيه الممارسة أشكالًا مختلفة: إعلامية، وسياسية، وثقافية.

هذا التحول يسلّط الضوء على مرونة الفاعل الفلسطيني، وقدرته على إعادة تموضعه وفق السياق، دون أن يفقد ارتباطه بالقضية المركزية.

كما يكشف عن دور الأسرى المحررين في الخارج كجسر بين التجربة الاعتقالية والفضاء الدولي.

📝 ثبات القضية وتحوّل الخطاب

يشدد أبو حنيش على أن جوهر القضية لم يتغير، سواء قبل الاعتقال أو خلاله أو بعده، غير أن التجربة أسهمت في تعميق الوعي وتطوير الخطاب.

هذا التمييز بين “الثبات” و “التطور” يفتح المجال لفهم أوسع لمسار الحركة الأسيرة، التي راكمت خبرات متعددة، انعكست على أدواتها ورؤيتها، دون أن تمس بثوابتها الأساسية.

📝 الإعلام بين الحضور الموسمي والمسؤولية المستمرة

يطرح أبو حنيش نقدًا واضحًا للأداء الإعلامي، مشيرًا إلى أن تناول قضية الأسرى غالبًا ما يظل موسميًا، مرتبطًا بالمناسبات.

في المقابل، يدعو إلى تحويل هذه القضية إلى حضور يومي في الخطاب الإعلامي، بما يضمن استدامة الوعي، ويمنع تراجعها في سلم الأولويات.

هذا الطرح يعكس إدراكًا لدور الإعلام ليس فقط كناقل للأحداث، بل كفاعل في تشكيل الوعي العام وتوجيهه.

📝 بين الرمزية والتأثير الفعلي

في تقييمه لجدوى يوم الأسير، يرفض أبو حنيش التقليل من أهمية الفعاليات القائمة، مؤكدًا أن الحراك الشعبي والدولي يشكل عنصرًا مهمًا في دعم الأسرى.

لكنه في الوقت ذاته يربط التأثير الحقيقي بالفعل التراكمي، الذي يتجاوز حدود اليوم الواحد.

وهنا تتجلى معادلة معقدة: الحاجة إلى الرمزية كأداة تعبئة، مقابل ضرورة الاستمرارية كشرط للتأثير.

📝 الحرية كمفهوم جامع

يختصر أبو حنيش تجربته ورؤيته بكلمة “الحرية”، لكن هذه الكلمة، في سياق حديثه، لا تقتصر على الخلاص الفردي من السجن، بل تمتد لتشمل أبعادًا جماعية: سياسية، واجتماعية، ووجودية.

فالحرية هنا ليست حالة منجزة، بل مسار مفتوح، يتقاطع فيه مصير الأسير مع مصير الشعب ككل، بما يحمله من لجوء وتشريد ومعاناة مستمرة.

تقدم شهادة كميل أبو حنيش قراءة عميقة لتجربة الأسر الفلسطينية، بوصفها حالة ديناميكية تتجاوز حدود المكان والزمان.

فالسجن، في هذه القراءة، ليس نهاية الفعل، والمنفى ليس خروجا من المعادلة، ويوم الأسير ليس مجرد مناسبة، بل تجلٍّ مستمر لصراع مفتوح على الحرية.

تعكس تجربة كميل أبو حنيش صورة مكثفة لمسيرة الحركة الأسيرة الفلسطينية، حيث يتحول الأسر إلى مساحة للنضال، وتبقى الحرية هدفًا جامعًا، يتجدد حضوره في كل ساحة، سواء داخل السجون أو خارجها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى