أبرزمقالات

تراجع خدمات الأونروا: أزمة تمويل أم تهديد لحقوق اللاجئين؟ بقلم: [احمد مراد]

ابتداءً من الأول من شباط 2026، شرعت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في تطبيق إجراءات تقشفية، في ظل أزمة مالية حادة وعجز متوقع يبلغ نحو 220 مليون دولار، وفق بيان الوكالة الموجّه إلى مجتمع اللاجئين في لبنان. ورغم حرص الأونروا على تقليل التأثير على الخدمات الأساسية، فإن هذه الإجراءات تحمل مخاطر جسيمة على حياة اللاجئين الفلسطينيين، وتحديدا في لبنان، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع هشاشة البنية الاجتماعية والمعيشية للمخيمات والتجمعات الفلسطينية.

على المستوى الصحي، يشكّل تقليص أيام عمل المراكز الصحية إلى أربعة أيام أسبوعيًا تهديدًا مباشرًا للحق في الرعاية الصحية الأولية، ويؤدي إلى تكدّس المرضى وتأخير المعاينات والعلاجات، مع تزايد الأعباء على الفئات الأكثر ضعفًا، بما في ذلك كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة. ورغم استمرار إحالات الاستشفاء، فإن أي خلل في منظومة الرعاية الأولية ينعكس سلبًا على الصحة العامة، ويزيد من احتمالات تفاقم الحالات قبل الوصول إلى المستشفيات.

أما في قطاع التعليم، فإن تعديل ساعات العمل، حتى مع استمرار الدوام خمسة أيام في الأسبوع، يضعف جودة التعليم، ويثقل كاهل المعلمين والطلبة، في بيئة تعاني أصلاً من اكتظاظ الصفوف ونقص الإمكانيات وارتفاع معدلات التسرب المدرسي. ويكتسب هذا التحدي بعدًا خاصًا في لبنان، حيث يشكّل التعليم أحد آخر صمامات الأمان الاجتماعي، وأداة حاسمة للحفاظ على كرامة اللاجئ ومستقبله.

وفي المجال الاجتماعي، يؤدي تقليص ساعات عمل مكاتب الإغاثة والخدمات الاجتماعية إلى إضعاف شبكات الحماية، في وقت تتزايد فيه الحاجة للمساعدات النقدية والغذائية. كما تنذر هذه الإجراءات بتداعيات نفسية واجتماعية خطيرة، قد تفتح الباب أمام توترات داخلية، وتآكل منظومة الصمود المجتمعي في المخيمات.

سياسيًا، لا يمكن فصل هذه التقليصات عن محاولات مستمرة لاستهداف دور الأونروا وولايتها، بوصفها شاهدًا دوليًا على الجريمة التاريخية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني، واستهداف حق العودة، وتحويل قضية اللاجئين إلى ملف إغاثي مؤقت، يفقد جوهره السياسي والقانوني.

إن معالجة أزمة التمويل لا يمكن أن تُختزل بحسم نسبة 20% من رواتب العاملين في الوكالة، أو بمزيد من التقليصات في الخدمات الأساسية. الحل الحقيقي يكمن في البحث الجاد عن مصادر تمويل دائمة ومستدامة وغير مشروطة، تمكّن الأونروا من القيام بكامل مسؤولياتها القانونية والإنسانية، وفق المهام التي أُنشئت من أجلها، بعيدًا عن سياسات الترقيع المالي أو الابتزاز السياسي.

وفي البعد القانوني الدولي ،

تؤكد القرارات الأممية، وعلى رأسها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (194) لعام 1948، على حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وتعويض المتضررين عن خسائرهم. كما نصّت قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة المتعاقبة على التزام المجتمع الدولي بضمان استمرارية خدمات الأونروا وحماية اللاجئين الفلسطينيين من أي سياسات تقوّض حقوقهم الأساسية. ومن هذا المنطلق، تقع على الدول المانحة والمجتمع الدولي مسؤوليات قانونية وأخلاقية، بما يوجب توفير التمويل الكافي والمستدام للوكالة، وعدم ربط الدعم بأي شروط سياسية أو تقشفية تؤثر على حقوق اللاجئين.

وأمام هذه المخاطر، تبرز الحاجة المُلحّة إلى وحدة مكونات الشعب الفلسطيني، سياسيًا واجتماعيًا وشعبيًا، لتوحيد الجهود، وتصعيد التحركات الجماهيرية السلمية، والدفاع عن الأونروا بوصفها جزءًا لا يتجزأ من قضية اللاجئين. إن حماية حقوق اللاجئين وصون حق العودة يشكلان ركيزة أساسية في مواجهة المخاطر التي تهدد القضية الفلسطينية برمتها، ولا يمكن التفريط بهما تحت أي ذريعة مالية أو سياسية.

في الختام، الأونروا ليست مجرد مؤسسة إغاثية، بل صمام أمان للشعب الفلسطيني وراعية لحقوقه التاريخية والقانونية، ويجب على المجتمع الدولي أن يلتزم بمسؤولياته الكاملة لضمان استمرارها في أداء مهمتها، كشرط أساسي لاستقرار اللاجئين الفلسطينيين وحفظ حقوقهم المشروعة، حتى تتحقق العودة إلى ديارهم وأرضهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى