أبرزمقالات

النيابة العامة التركية تطارد نتنياهو… خطوة باتجاه العدالة أم مناورة سياسية؟ [أحمد مراد]

يشكّل قرار النيابة العامة في إسطنبول إصدار مذكرة توقيف بحق 37 مسؤولًا في كيان الاحتلال، بينهم بنيامين نتنياهو، خطوة سياسية وقضائية لافتة في سياق المواجهة مع المشروع الاستعماري الصهيوني، وامتدادًا لمسار متصاعد من التحولات التي أعقبت معركة طوفان الأقصى وما تبعها من حرب إبادة جماعية وتطهير عرقي بحق الفلسطينيين في قطاع غزة. فالعدوان الذي ارتكبه الاحتلال منذ السابع من أكتوبر لم يكن مجرد عملية عسكرية، بل كان استهدافًا ممنهجًا للمدنيين والبنى الصحية والتعليمية ومخيمات اللجوء، في مشهد موثّق بالصوت والصورة وبشهادات منظمات دولية وحقوقية.

غير أن هذه الخطوة لا يمكن قراءتها بمعزل عن تاريخ طويل ومعقد من العلاقات التركية–الإسرائيلية، والذي يمتد منذ الاعتراف التركي المبكر بالكيان الصهيوني عام 1949. فقد شهدت العقود اللاحقة تعاونًا واسعًا بين الطرفين، شمل ملفات حساسة ومتعددة المستويات. فحجم التبادل التجاري بين الجانبين تجاوز 7 مليارات دولار سنويًا خلال الأعوام الأخيرة، كما جرت اتفاقيات في مجالات الصناعات العسكرية والطائرات بدون طيار والدفاع الجوي، إلى جانب تعاون واسع بين جهازي الاستخبارات التركـي والإسرائيلي. كذلك لعبت تركيا دورًا رئيسيًا في تأمين ممر اقتصادي نحو المدن المحتلة، سواء عبر تجارة مباشرة أو وسطاء إقليميين.

هذا التعاون لم يكن اقتصاديًا وأمنيًا فقط، بل اتخذ في بعض المراحل بعدًا استراتيجيًا، خاصة خلال التسعينيات، حين شهدت العلاقات تنسيقًا عسكريًا علنيًا ومشاريع تدريب ورصد جوي مشترك. ومع ذلك، ظهرت التناقضات بين الجانبين بشكل واضح عند اشتداد الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، فالحرب على غزة عام 2008 ، وجولات الحروب الصهيونية على قطاع غزة ، وصولا ً الى حرب الابادة المستمرة منذ اكثر من عامين على قطاع غزة مروراً بحادثة أسطول الحرية وإقتحام ” سفينة مرمرة” عام 2010 شكلت نقطة تحوّل شعبية وأخلاقية في الوعي التركي العام، حيث اصطدم الرأي العام بمشهد سفينة إنسانية يُقتل ناشطوها برصاص الاحتلال في عرض البحر.

لاحقًا، عمّقت الحرب في سوريا الهوة بين الطرفين، إذ تنافس كل منهما على تمدد النفوذ والدور في الساحة الإقليمية، بينما برز محور المقاومة كفاعل أساسي في مواجهة المشروع الصهيوني، ما جعل أنقرة أمام خيارات أكثر تعقيدًا، خاصة بعد تصاعد دور فصائل المقاومة الفلسطينية وامتداد خطوط الدعم الإقليمي لها.

اليوم، ومع اتساع دائرة الإدانات الدولية لجرائم الاحتلال في غزة، وجدت تركيا نفسها أمام لحظة سياسية وأخلاقية حساسة: إما أن تبقى في موقع التحالفات التقليدية التي تراعي المصالح، أو تتحرك بما يتناسب مع خطابها الداعم للشعب الفلسطيني. فجاء قرار النيابة العامة ليعكس توجّهًا جديدًا نحو الضغط القضائي الدولي عبر مسار المحاسبة.

غير أنّ هذا المسار لا يزال محكومًا بميزان القوى العالمي؛ فالقانون الدولي نفسه لا يتحرك بمعزل عن المواقف الأميركية والأوروبية التي ما زالت تمنح الاحتلال حماية سياسية واضحة. وعليه، فإن مذكرة التوقيف، رغم أهميتها، تبقى في هذه المرحلة ذات طابع رمزي وقيمي أكثر من كونها خطوة قابلة للتنفيذ المباشر. لكنها تحمل معنى آخر لا يقل أهمية: وهو تثبيت الرواية الفلسطينية في الوعي الدولي، وإعادة تعريف الاحتلال كمجرم حرب لا كدولة طبيعية.

من الجانب الفلسطيني، تُقرأ هذه الخطوة كجزء من معركة أشمل؛ معركة سردية وكرامة وحقوق. فالفلسطينيون الذين يواجهون القتل والحصار والتجويع والمجازر اليومية يحتاجون إلى أن يسمع العالم صوتهم في ساحات المحاكم كما يسمعها في ساحات المواجهة. وكل إجراء يكسر جدار الصمت العالمي ويفضح حقيقة الاحتلال هو انتصار سياسي ومعنوي في طريق أطول نحو التحرير والعودة.

ما بين الدوافع الأخلاقية والحسابات السياسية، يبقى السؤال مفتوحًا:

هل تمثل خطوة النيابة العامة التركية نقطة انطلاق لمسار قضائي دولي جدي نحو محاكمة قادة الاحتلال كمجرمي حرب؟

أم أنها ستبقى ضمن حدود الضغط الرمزي والمواقف الظرفية التي لا تغيّر جذور المعادلة؟

الجواب رهن قدرة المقاومة على تثبيت معادلتها، وإرادة الشعوب في تحويل الغضب إلى قوة ضغط حقيقية، ومسار قانوني لا يمكن التراجع عنه. وهنا يبرز السؤال الأساسي ، هل يمثل قرار النيابة العامة التركية خطوة بإتجاه العدالة أم مجرد مناورة سياسية؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى