أبرزحوار وشخصياتمقالات

مشاعل الحرية (14). (عبودي الفدائي)… ضحكة لا تنطفئ

(مشاعل الحرية)

عبد الرحمن عبد العال… حكاية شهيد بطل على لسان أحد أقاربه

تولد الحكايات العظيمة من رحم البساطة، وتزهر البطولة من قلب الحياة اليومية حين يتحول الإيمان بالقضية إلى فعلٍ صادقٍ لا يعرف المساومة. بعض الوجوه تترك فينا نورًا لا يخبو، وضحكةً لا تغيب، لأنها عاشت للآخرين وقدّمت نفسها للوطن عن طيب خاطر.

من هؤلاء الذين عبروا الدنيا بخفّة النور وعمق الانتماء، كان الشهيد (عبد الرحمن عبد العال)، المعروف بين رفاقه وأهل المخيم بإسم (الفدائي).

وحرصًا على توثيق سيرته كما روتها عائلته ورفاقه، ونظرًا لضرورات النشر، ارتأى المكتب الإعلامي إعادة صياغة الإجابات الواردة في المقابلة مع أحد أقاربه على شكل مقال وجداني يروي سيرة الشهيد (عبد الرحمن عبد العال) الملقب بـ (الفدائي)، وفاءً لذكراه وتخليدًا لروحه التي لا تزال تضيء دروب المخيم والمقاومة.

ابن الغابسية… وروح المخيم

كان (عبد الرحمن محمد عبد العال)، الملقب بـ (الفدائي)، من أولئك الشباب الذين لا يعيشون لأنفسهم فقط، بل يعيشون لقضية أكبر من حدودهم الشخصية، لقضية فلسطين التي تجري في دمائه منذ ولادته في مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 1995.

هو ابن قرية الغابسية قضاء عكا، التي حمل أهلها الوجع والمنفى جيلاً بعد جيل، وورث منها الحنين والصلابة والإصرار على العودة.

منذ طفولته، عرف (عبودي الفدائي) طعم التعب والكفاح المبكر، فترك مقاعد الدراسة صغيرًا ليساعد عائلته في العمل، إذ كانت العائلة تمتهن تربية وبيع وذبح المواشي.

ورغم قسوة الحياة، ظل (الفدائي) ذلك الشاب البسيط، المبتسم دائمًا، لا يعرف الكره، يملأ المخيم ضحكًا وفرحًا، محبوبًا من كل من عرفه، حاضرًا في كل زاوية من حياة المخيم بروحه الاجتماعية وقلوبه الطيبة.

من الفرح إلى الفداء

مع بدايات عام 2020، بدأ اسمه يلمع في صفوف الشباب العاملين في ميدان المقاومة، حين التحق في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ،لينضم لاحقاً لجناحها العسكري في لبنان (كتائب الشهيد ابو علي مصطفى) ، وخضع للعديد من الدورات التدريبية، فكان من بين أشجع الرفاق وأكثرهم انضباطًا.

وبشهادة رفاقه، كان (الفدائي) يتحلى بصفات نادرة من الصدق والالتزام، وقدرته على التضحية دون تردد.

اختير لاحقًا ليكون مرافقًا للرفيق نضال، وخضع لعدة دورات خاصة أظهر فيها تميّزًا لافتًا. ومنذ ذلك الحين، لم يفارق رفاقه في الميدان، ثابتًا إلى جانبهم، حاضرًا في كل المواقف، لا يعرف التراجع أو التردد.

كان (الفدائي) جاهزًا دائمًا للعمل، يرى في حماية رفاقه شرفًا، وفي مواصلة الطريق واجبًا لا يحتمل التأجيل.

 “لم نكن نتوقع أن يتم استهدافه، لكننا نحمد الله على ما كتب له، فله كل الفخر، لقد كان صادقًا ووفياً لرفاقه وللقضية حتى اللحظة الأخيرة.”

في الميدان… حيث تُروى الحكاية

حين استُهدف (الفدائي) مع رفيقيه نضال عبد العال وعماد عودة ، ارتقى شهيدًا في عملية غادرة ضمن معركة الإسناد لغزة.

لم يمت (عبد الرحمن) في فراشه ولا في مخيمه، بل رحل في الميدان، على طريق الشهداء الذين اختاروا أن تكون نهايتهم بدايةً لحياة الوطن.

كانت شهادته نعمة وفخرًا واعتزازًا لعائلته ولكل من عرفه.

لم يكن (عبد الرحمن) مجرد فتى من المخيم، بل كان مرآةً لروح جيلٍ لا ينكسر.

كان وفيًّا وصادقًا، يضع الإخلاص في مقدمة كل فعل يقوم به، يعيش لله وللقضية، ويؤمن أن الحرية تستحق كل شيء.

رحيله ترك غصّة كبيرة في قلوب أهله ورفاقه، فابتسامته ما زالت تلاحق الذاكرة، وعفويته البريئة تملأ الفراغ الثقيل الذي خلّفه غيابه.

الذاكرة لا تموت

ورغم الفراق، لم تنطفئ ذكرى (عبودي الفدائي) بين أحبته، فهم يواظبون على زيارة قبره، وإحياء ذكراه السنوية بكل وفاء، مستعيدين تفاصيل حياته ومواقفه، ومؤكدين أن روحه لا تزال حاضرة بينهم، تبعث فيهم العزم على مواصلة الطريق الذي سار فيه.

تقول العائلة ان الشهداء وعوائلهم الذين قدموا اغلى ما يملكون يحتاجون لقدر اكبر من الدعم والاحتضان والرعاية من ابناء شعبهم ، فهم النور الذي يضيء الدرب في ليالي الغربة الطويلة.

رسالة الوفاء

 “اشتقنا لك يا عبودي، لكنك سلكت الطريق الصحيح. روحك الحلوة وضحكتك باقية بيننا، وسنظل نذكرك بكل حب وفخر، وندعو الشباب لأن يسيروا على دربك، درب الصدق والوفاء والمقاومة، فالقضية الفلسطينية وغزة تستحقان.”

— أحد أقاربه

ختامًا… ضوء لا يخبو

(عبودي الفدائي)… رحلت جسدًا، لكنك بقيت فينا ضحكة لا تنطفئ، ومشعلًا للحرية لا يخبو نوره.

ستظلّ حكايتك شاهدًا على جيلٍ لم يتعب من الحلم، ولم يساوم على الانتماء، جيلٍ آمن بأن الحرية تُنتزع، ولا تُمنح.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى