أبرزمقالات

لمن يبرئ الجلاد ويدين المقاومة… نقد أم طعن في الظهر؟ الكاتب: أحمد مراد

في زمنٍ تتشابك فيه الحقائق، وتُعاد فيه كتابة السرديات بأقلامٍ غربيةٍ استعمارية أو بأيدي بعض أبناء جلدتنا، يصبح واجباً علينا أن نرفع الصوت في وجه من يبرئ الجلاد ويدين المقاومة، في وجه من يختصر تاريخاً طويلاً من الوجع والبطولة في يومٍ واحدٍ من الصراع. السابع من أكتوبر 2023 لم يكن بداية الحكاية، بل محطة في مسارٍ ممتد منذ أكثر من قرن من الزمن، منذ أن وُضع المشروع الصهيوني على أرض فلسطين بغطاءٍ استعماريٍ غربيٍ متواصلٍ لتحقيق أهدافٍ توراتيةٍ وتلموديةٍ استعماريةٍ عنصرية، تسعى للهيمنة على شعوب المنطقة ومقدراتها وثقافتها ومستقبلها.

منذ النكبة عام 1948 والنكسة عام 1967،وصولاً الى الحروب الوحشية المتتالية ضد الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة، لم تهدأ آلة العدوان الصهيونية يوماً. فقد عملت هذه المنظومة الاستعمارية على تدمير الإنسان والمكان والهوية، وفرض حصارٍ خانقٍ على شعبنا، وتهجير الملايين، وتشريد العائلات، وتدنيس والمقدسات، وصولاً الى حرب إبادةٍ وحشية وتطهيرٍ عرقي، وحملات استيطان وتهويد في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس تحت سمع وبصر عالمٍ يدّعي الحرية والإنسانية. ومن هنا، فإن محاولة البعض تحميل الشعب الفلسطيني والمقاومة مسؤولية حرب الإبادة والمجازر الجماعية التي ارتكبها العدو في قطاع غزة ليست سوى انخراطٍ واعٍ أو غير واعٍ في الحرب النفسية والسياسية والعسكرية التي يقودها الاحتلال لتشويه النضال الفلسطيني، وإضعاف صمود الشعب، وتحويل الضحية إلى جلاد.

من المؤسف أن تصدر مثل هذه المواقف من شخصيات أو أقلامٍ فلسطينية تتحدث باسم الواقعية أو النقد الذاتي، بينما هي في حقيقتها تردّد روايات الاحتلال وتمنحه فرصةً لتبرير جرائمه. إن النقد الحقيقي لا يكون بتبرئة القاتل وإدانة من يقاوم، بل يبدأ من الوعي الكامل بالسياق التاريخي والسياسي للصراع. فالحروب التي شُنّت على غزة لم تكن رداً على فعلٍ آنيّ، بل استمراراً لسياسةٍ استعماريةٍ قديمة هدفها كسر إرادة المقاومة، وتصفية القضية، وتهجير أهل القطاع، وتمرير مشروع “الشرق الأوسط الجديد” وفق الرؤية الصهيونية والغربية وصولاً لإقامة ما يسمى “إسرائيل الكبرى”.

إن تبرئة الجلاد لا تصح باسم الواقعية، ولا باسم الخوف من الدمار أو من المعاناة، فالاحتلال هو أصل كل دمار ومعاناة. وكل قراءةٍ تحاول عزل الحرب الأخيرة عن جذورها التاريخية هي قراءةٌ ناقصةٌ مشوهةٌ لا تنصف الحقيقة، بل تمنح الغاصب مبرراً جديداً للاستمرار في جرائمه.

لكننا في المقابل، لا نرفض النقد الذاتي الواعي والمسؤول، بل نراه ضرورة وطنية وأخلاقية في كل مرحلة من مراحل النضال. فالمراجعة الموضوعية للتجارب، وتقييم الأداء السياسي والعسكري والاجتماعي، واستخلاص العِبر والدروس من النجاحات والإخفاقات، تشكّل أساساً لبناء المستقبل وتطوير المقاومة وتنظيم المجتمع. إنّ التقييم الحقيقي لا يهرب من الأخطاء، بل يواجهها بجرأةٍ ومسؤوليةٍ وطنية، كي لا تتكرر، ويضع برامج وآلياتٍ عملية لتجاوزها والبناء على الإنجازات.

وهنا يجب أن نفرّق بوضوح بين النقد البنّاء الذي يهدف إلى الإصلاح والتصحيح، وبين الطعن في الظهر الذي يصدر عن كيدٍ أو جهلٍ أو تبعيةٍ فكريةٍ أو سياسية. فالنقد البنّاء هو فعل وعيٍ ومشاركة، أما الطعن في الظهر فهو فعلُ تواطؤٍ وتشكيكٍ يهدف إلى ضرب الروح الوطنية وإضعاف الجبهة الداخلية. والأخطر أن بعض هذه المواقف تستند إلى تصوراتٍ مغلوطة عن حقيقة الصراع، أو إلى خضوعٍ لخطابٍ غربيٍ استعلائيٍ يسعى لتكريس تعريف المقاومة كـ “إرهابٍ”، والاحتلال كـ”دفاعٍ عن النفس”.

إلى جانب ذلك، لا يمكن تجاهل الدور التخريبي الذي تمارسه أدوات الاحتلال من داخل المجتمع الفلسطيني من يروّجون الإشاعات، ويختلقون الفتن، ويعبثون بأمن الناس ووحدتهم، ويغذّون الانقسام خدمةً لأجندة العدو. هؤلاء، وإن لبسوا ثوب الوطنية، هم في الحقيقة امتدادٌ ناعمٌ للمحتل بين أبناء الوطن. لذلك، يجب التصدي لهم بالوعي والتماسك الداخلي، وتعزيز الحصانة المجتمعية والسياسية والإعلامية، وتحصين الروح الوطنية، وترسيخ ثقافة النقد الواعي لا النقد الهدّام.

وفي ظلّ هذا المشهد، تلوح في الأفق بوادر أملٍ من القاهرة، حيث حملت اللقاءات الأخيرة بين الفصائل الفلسطينية إشاراتٍ إيجابية إلى إمكانية فتح صفحةٍ جديدة في مسار الحوار الوطني. فقد أكدت تصريحات العديد من الفصائل على أهمية تجاوز الخلافات البينية، وإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد على أسسٍ ديمقراطيةٍ وتشاركيةٍ، وتوحيد الجهود في مواجهة الاحتلال ومشاريعه التوسعية. هذه اللقاءات، رغم ما يعتريها من تعقيداتٍ وتبايناتٍ، تفتح نافذة رجاءٍ حقيقية أمام الشعب الفلسطيني، إذا ما تحولت الأقوال إلى أفعال، وإذا ما تم تسريع الحوار وصولاً إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقية.

إن الوحدة ليست خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة وجودية في مواجهة الاحتلال ومخططاته، وفي إسقاط مشاريعه الهادفة إلى تمزيق الجغرافيا والذاكرة الفلسطينية. وعلى الشعب أن يرفع صوته، وأن يمارس ضغطه بكل الوسائل الديمقراطية والشعبية لتجسيد هذه الوحدة واقعاً سياسياً وتنظيمياً. فالمقاومة لا تنتصر إلا بجبهةٍ واحدةٍ متماسكة، وحوارٍ صادقٍ يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار.

ختاماً، لا يمكن لحكاية شعبٍ نزح وشُتّت وطُرد أن تُختصر في جملة اتهامٍ سريعة. الحقيقة أحياناً قاسية، تقول إن شعبنا دفع أثماناً باهظة عبر عقودٍ من الظلم والاحتلال، وأن مقاومتَه لم تأتِ من فراغ. إننا بحاجة إلى نقدٍ يوازي حجم المحبة لهذا الوطن، نقدٌ يبني ولا يهدم، يقرّ بالخطأ حين يقع، ويمنح الأمل حين يثمر الصواب. أما من يُصرّ على طعن الظهر في لحظة يظنها أنها لحظة ضعف، فليعلم أنّه لا يضعف إرادة شعبٍ راسخٍ في ذاكرته، ولا يغيّر مصير أمةٍ تقرر أن تبني نفسها من رمادها حتى تحقق انتصارها النهائي… دولةً ديمقراطيةً حرةً على كامل تراب فلسطين، والقدس عاصمةً، وعودة اللاجئين. حتى ذلك اليوم، ستبقى ذاكرة الجرح إرثًا يدافع عنه الأحرار، ولن تنجح محاولات تمييع الحقيقة في تحويل الضحية إلى مُجرم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى