أبرزحوار وشخصيات

مقابلة خاصة مع أحد رفاق الشهيد القائد أبو خليل وشاح :وصايا الشهداء مشاعلٌ على دربِ التحرير والعودة. مشاعل الحرية (٨)

مشاعل الحرية (٨)

حينَ يرتقي القادة… تبقى وصاياهم مشاعل على دربِ التحرير – في وداع الرفيق أبو خليل وشاح

في زمنٍ تنكشفُ فيه وجوهُ القتلة، ويسقطُ فيه قناعُ الصمتِ عن العالم، ارتقى القائد محمد خليل وشاح (أبو خليل)، أحد أبناء فلسطين الأوفياء، شهيدًا في سياقِ معركة “طوفان الأقصى”؛ هذه المعركة التي لم تكن مجرّدَ جولةِ مواجهة، بل لحظةً فارقةً في مسيرةِ كفاحِ شعبٍ قرَّر ألّا يركع، وألّا يرفع الراية البيضاء، وألّا يستسلم أمام منظومة الاستعمار والاستبداد والخذلان الدولي.

في تلكَ اللحظةِ التاريخية، التي أعادت الروحَ لفكرةِ التحريرِ من النهرِ إلى البحر، وعرّتِ الوجهَ الوحشيّ للاحتلال وحلفائه، سقطَ أبو خليل وهو يؤدّي واجبه الوطني، كما عاشَ حياته دومًا في الظلّ، وفي ميادينِ الفعلِ الحقيقي، متخففًا من الأضواء، حاملًا قضايا شعبه، ومهامّ نوعية لا تُحصى.

في هذا اللقاءِ الخاص، نحاورُ أحد رفاقِ دربه، ممّن عرفوه عن قُرب، وعملوا إلى جانبه لسنواتٍ طويلة. حوارُنا لا يغوصُ في التفاصيلِ التنظيمية الدقيقة، ولا يكشفُ ما لا ينبغي كشفُه، بل يُضيء على محطاتٍ عامة في حياةِ هذا القائد، كي تبقى سيرتُه منارةً للأجيالِ التي لم تلتقِ به، لكنها ستُكمل الطريق الذي سارَ عليه، بوعيٍ، وعنادٍ، وإيمانٍ لا يتزعزع بأنّ هذا الوطن لنا، وأنّ الشهداء لا يموتون.

🟥 نصُّ المقابلة

السؤال الأوّل: بدايةً، عرّفْنا مَن هو الشهيد محمد خليل وشاح (أبو خليل)؟ وكيف تعرّفتَ إليه؟

الإجابة:
الشهيدُ أبو خليل وشاح مناضلٌ فلسطينيٌّ أصيل، من مواليد مخيم النصيرات في قطاع غزة عام 1954، وهو ابنُ عائلةٍ وطنيّةٍ عُرفت بارتباطها المُبكر بالمقاومة. التقيتُه أول مرّة في بيروت أوائل الثمانينات، ومنذ اللحظةِ الأولى شعرتَ أنكَ أمام شخصيةٍ قياديّةٍ استثنائية؛ بهدوئه، وصلابته، وانضباطه العالي.

السؤال الثاني: من أيّ مدينةٍ فلسطينيةٍ ينحدر؟ وكيف نشأ وتربّى؟

الإجابة:
هو من قطاع غزة، وتحديدًا من مخيم البريج. نشأ في أُسرةٍ لاجئة هجّرت من قراها في فلسطين المحتلة عام 1948. عاش مرارة النكبة، ثمّ النكسة، فتفتّح وعيه مبكرًا على الظلمِ التاريخي الذي وقع على شعبه، وآمن منذ نعومة أظفاره أنّ ما أُخذ بالقوة لا يُستردّ إلّا بالقوة.

السؤال الثالث: متى التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين؟ وما كان دافعه؟

الإجابة:
التحقَ بالجبهة الشعبية عام 1973، وكان في التاسعة عشرة من عمره، بعد أن نضج وعيه الوطنيّ والسياسيّ. رأى في الجبهة الشعبيّة امتدادًا لفكرِ المقاومة، والتزامًا نضاليًّا ثوريًّا مُنحازًا للفقراء والمقهورين. ومنذ انضمامه، لم يتوقف يومًا عن العملِ الكفاحي.

السؤال الرابع:
ماذا عن نشاطِه السياسيّ والطلابيّ؟ وهل تعرّض للاعتقال؟

الإجابة:
كان ناشطًا طلابيًّا مبكّرًا في غزّة، وبرز بين أبناءِ جيله في النشاطِ التنظيمي، فكان هدفًا مبكرًا لقوّات الاحتلال. اعتُقل بعد فترةٍ قصيرة من التحاقه بالجبهة الشعبيّة، وقضى خمس سنوات في سجون الاحتلال ما بين عامَي 1973 و1978، حيث تعرّض لتحقيقٍ قاسٍ، لكنّه صمد بإباءٍ ولم ينكسر، بل خرج أكثر وعيًا وصلابة.

السؤال الخامس:
أين أكمل دراستَه؟ وما قصّة إبعاده من بعض الدول؟

الإجابة:
بعد الإفراج عنه، توجّه إلى مصر لإكمال دراسته، لكنه أُبعِد منها بسبب نشاطه السياسي. انتقل بعدها إلى العراق، وتعرّض هناك أيضًا للملاحقة، ليُبعد لاحقًا منها أيضًا. حطّ رحاله في بيروت، وهناك تفرّغ للعمل التنظيمي والنضالي، حيث وجد بيئة ثورية حاضنة، وكان منخرطًا بعمق في صفوف الجبهة.

السؤال السادس:
ماذا عن المهام القيادية والمناصب التي تولاها خلال مسيرته النضالية؟

الإجابة:
تدرّج في المسؤوليات التنظيميّة والسياسيّة، وخضع لعدّة دوراتٍ عسكريّةٍ وسياسيّة، وتخرّج من الكلية الحربية. كان عضوًا في اللجنة المركزيّة العامّة للجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين. تميّز بوضوح الرؤية والجرأة في النقد البنّاء، وتولّى العديد من المهام ذات الطبيعة الخاصّة، وأسندت إليه مهمات نوعيّة دقيقة، لما عُرف عنه من التزام وانضباط وثقة عالية من القيادة.

لقد شكّل خطرًا نوعيًّا على الاحتلال الصهيوني، حتى إنّ وسائل إعلام العدوّ اعترفت بأنّ عملية اغتياله كانت نتيجة قرارٍ مشترك بين الشاباك، والجيش، والموساد، ما يدلّ على حجم الضرر الاستراتيجي الذي ألحقه الشهيد بمنظومة الاحتلال.

السؤال السابع:
أين ومتى استُشهِد؟ وما ظروف استشهاده؟

الإجابة:
استُشهِد في 8 آب/أغسطس 2025، على طريق المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا، خلال غارة صهيونيّة استهدفت سيارته بشكل مباشر، أثناء تنفيذه لمهمة وطنيّة. ارتقى معه في العملية ذاتها رفيقه ورفيق درب النضال، الشهيد المناضل مفيد حسن حسين. كانت جريمة اغتيالٍ جبانة، لكنها أكّدت أنّ الاحتلال لا يواجه إلا من يُؤلمه وجوده.

السؤال الثامن:
كيف تلقّيتم نبأ استشهاده؟ وما الأثر الذي تركه؟

الإجابة:
الخبر كان كالصاعقة. لم نكن نتخيّل فقده بتلك الطريقة. أبو خليل لم يكن فقط مسؤولًا أو قائدًا، بل كان أخًا ورفيقًا وصوتًا عقلانيًّا متّزنًا. غيابه أحدث فراغًا كبيرًا، خصوصًا في المهام النوعيّة التي كانت مُناطة به، وكان من الصعب سدّ هذا الفراغ سريعًا، ليس فقط تنظيميًّا، بل وجدانيًّا أيضًا، في قلوب من عرفوه وعملوا إلى جانبه.

السؤال التاسع:
كيف تم تشييع جثمانه؟ وما كان حضور الناس في وداعه الأخير؟

الإجابة:
نُقل جثمان الشهيدين من بيروت إلى دمشق، حيث استقبلهما مخيّم اليرموك بجنازةٍ مهيبة، شارك فيها المئات من الرفاق وأبناء المخيمات والقوى الوطنية والفصائل. كانت مراسم التشييع تجسيدًا شعبيًّا للوفاء، وصرخة وفاءٍ لشهيدٍ لم يخذل شعبه، ووداعًا يليق بمن عاش للمقاومة واستشهد على دربها. رفرفت الرايات الحمراء، وتعالت الهتافات لفلسطين، وكان الحزن مغموسًا بالفخر.

السؤال العاشر:
ما هي رسالتكم لرفاق الشهداء وعائلاتهم؟

الإجابة:
نقول لعائلات الشهداء: أبناؤكم خالدون، وإنْ غابوا بأجسادهم، فقد زرعوا فينا إرادةً لا تنكسر. رفاقهم سيبقون على العهد، وسيواصلون الدرب ذاته الذي سار عليه الشهداء. هذه الدماء لن تذهب هدرًا، بل ستكون جسرًا نعبر به إلى وطنٍ حرّ، لا ظلم فيه، ولا احتلال.

ارتقى الشهيد أبو خليل وشاح في معركةٍ لم تنتهِ، لكنّه بقيَ ضميرًا حيًّا، ووصيّةً مُشتعلة، ورايةً لن تسقط.
سيبقى في ذاكرةِ رفاقه وشعبه عنوانًا للشرف، والوفاء، والعمل الصامت العميق.

وستظلّ وصاياه، ككلّ وصايا الشهداء،
مشاعلَ على دربِ التحرير والعودة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى