أبرزحوار وشخصيات

مقابلة مع الرفيق أحمد عودة، نجل الشهيد القائد عماد عوده (أبو زياد).  مشاعل الحرية (٧)

في هذه الحلقة من سلسلة “مشاعل الحرية”، نضيء شعلة جديدة من مشاعل الكرامة والتضحية، ونقف أمام مقام الشهادة بخشوع يليق بعظمة من خطّوا بدمهم درب الحرية، لنستحضر سيرة الشهداء الذين مضوا على درب المجد، حاملين أرواحهم على أكفهم من أجل فلسطين.

الشهادة في وجدان شعبنا ليست نهاية، بل بداية لحكاية الخلود، وهي ذروة العطاء في مسيرة النضال الوطني. والشهداء، أولئك الذين صاغوا ملامح هذا الوطن بدمائهم، هم البوصلة التي لا تخطئ، والراية التي لا تسقط. وفي ملحمة طوفان الأقصى، كان لمقاتلي كتائب الشهيد أبو علي مصطفى دور مشرّف في المواجهة البطولية على الحدود الفلسطينية اللبنانية، حيث امتزجت الإرادة بالرصاص، وتكاملت الجبهات في رسالة واحدة: لا صوت يعلو فوق صوت المقاومة.

سلسلة “مشاعل الحرية” هي عمل توثيقي مقاوم، هدفه حفظ ذاكرة الشهداء، وتخليد مسيرتهم النضالية، ونقلها للأجيال، كي تبقى جذوة المقاومة مشتعلة، لا تنطفئ.

نخصص هذه الحلقة لواحد من القادة الذين سكنوا وجدان رفاقهم وشعبهم، الشهيد القائد عماد عوده “أبو زياد”، عضو اللجنة المركزية للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومسؤولها العسكري في لبنان، الذي سطّر مسيرة كفاحية طويلة في ميادين العمل الوطني والمقاوم. ارتقى شهيدًا في قصف صهيوني غادر استهدف الشقة التي كان يتواجد فيها في قلب العاصمة بيروت، إلى جانب رفيقيه القائد نضال عبد العال ورفيق السلاح عبد الرحمن، في محاولة فاشلة لإسكات صوت الجبهة وضرب إرادة المقاومة.

وإيمانًا منا بضرورة توثيق هذه السير العطرة، نبدأ هذا الحوار الخاص مع نجل الشهيد، الرفيق أحمد عوده، في محاولة للغوص في ذاكرة العائلة، واستحضار محطات من حياة الشهيد كما عاشها أقرب الناس إليه .شكراً جزيلاً رفيق احمد واسمحوا لنا ان نبدأ هذا اللقاء بالسؤال الأول ،:

1. هل يمكن أن تُحدثنا عن الشهيد، من هو، كيف كان في حياته اليومية، وما الذي ميّزه؟

الشهيد والدي، عماد عوده، كان عضو اللجنة المركزية للجبهة وقائدها العسكري في لبنان. منذ شبابه التحق بالجبهة والثورة، وكان منذ البداية يعيش الالتزام والعمل السياسي والعسكري كخيار حياة. في حياته اليومية كان يفصل دائماً بين التزامه العام وحياته الخاصة: صارم في مهمته، وفي البيت إنسان دافئ ومحب، يحب جمع العائلة ويبدي اهتمامه بأفرادها. كان محبّاً للناس، وفي الوقت نفسه يحمل جدية القائد في العمل والتنظيم — هذا التوازن ميّزه.

2. متى وكيف بدأت ملامح التزامه النضالي والكفاحي بالظهور؟

نحن عائلة مناضلة أبًا عن جدّ، والالتزام عندنا موروث وممتد عبر أجيال. الممارسة النضالية في عائلتنا واضحة: إن لم نكن نحن مناضلين فهم على الأقل مناصرون بقوة. والوالد بدأ مبكرًا؛ منذ سنوات شبابه الأولى برزت فيه ملامح الالتزام والعمل الثوري، سواء عبر انخراطه في الجبهة أو من خلال مشاركته في العمل الشعبي والجماهيري داخل المخيم وخارجه.

3. ما أبرز المحطات في مسيرته الثورية؟ وهل شارك في معارك أو أنشطة مقاومة قبل ارتقائه؟

كان قائدًا عسكريًا وشارك في جميع الجبهات وحرب المخيمات في لبنان. إلى جانب ذلك، لم يكن مجرد قيادي عسكري — بل كان أيضًا ممثلًا سياسيًا فاعلًا. شارك في لجنة الحوار الفلسطيني–اللبناني واللجنة الأهلية، وكان له دور بارز هناك. كما تولّى ملف إعادة إعمار مخيم نهر البارد بعد تدميره، وتحمل مسؤوليات كبيرة في تثبيت الناس في بيوتهم. كان حاضرًا دائمًا في الميدان كقائد ومسؤول.

4. كيف تلقّى الشهيد خبر التصعيد أو الدعوة للالتحاق بالمعركة؟ وما كانت ردة فعله؟

والدي كان موجودًا دائمًا في ساحات العمل والميدان. أتذكر أن الرفيق نضال تواصل معه وقال له: “الأمور حامية”. لم تكن هذه الكلمات غريبة عليه، بل كان يستشعر دائمًا مسؤولية القيادة ويقبل التحدي دون تردد. ردة فعله كانت واضحة: الحضور، التوزيع العملي للأدوار، واستنفار الكادر حفاظًا على المخيم وصفوف المقاومة.

5. هل كنتم تتوقعون أن يسير في طريق الشهادة؟ وكيف تعاملتم كعائلة مع هذا الخيار؟

والدي كان يتمنى الشهادة دائمًا، وكان هو والقائد نضال يشعران أن ما قُدم ليس كافيًا. كعائلة، كنا نعرف طبيعة التزامه ومدى المخاطر، لكننا كنا فخورين بثباته وإيمانه. تعاطينا مع الأمر بروح الاعتزاز والقبول: إن كان هذا طريقه، فلن نمنعه.

6. ماذا تعني لكم الشهادة كعائلة قدمت شهيدًا من أبنائها؟

الشهادة ليست غيابًا، بل حضور دائم. الناس يتعاملون مع الشهيد وكأنه والدهم جميعًا. يقولون “الله يرحم أبوك” بتقدير ووقار. الشهادة بالنسبة لنا فخر ومسؤولية، ومكانة الشهيد محفوظة في قلوب الجميع.

7. كيف تفسّرون هذا الإقدام الطوعي من الشهيد على تقديم روحه من أجل القضية والوطن؟

كان يرى أن الشهادة هي وجه آخر للحرية. هذا الإقدام نابع من إيمان عميق بأن تحرير الوطن لا يأتي دون تضحيات، وأن الروح تُقدَّم لتبقى الأمة حرّة وكريمة.

8. ما الرسالة التي تعتقدون أن الشهيد أراد أن يوجّهها باستشهاده؟

الاستمرار في النضال دون تراجع، والتأكيد أن الالتزام لا يموت بغياب الأجساد. أراد أن يقول: التضحيات ليست عبثًا، بل وسيلة لصناعة المستقبل والحرية.

9. ما العلاقة بين الشهادة والحرية؟ وكيف تفسرون “الشهادة كأسمى مراتب الفداء”؟

الشهادة ليست نهاية، بل بداية جديدة. إنها أعلى درجات الفداء، حيث يقدّم الإنسان أغلى ما يملك — روحه — من أجل قضية عادلة. هذا ما يجعلها مرتبة رفيعة، ورسالة للأجيال المقبلة.

10. كيف أثّر استشهاد والدكم على العائلة؟ وما الذي تغير في حياتكم؟

شعرت بفراغ كبير. ليس فقط كقائد، بل كأب وصديق. غيابه غيّر تفاصيل الحياة اليومية، لكن بقي حاضراً في كلام الناس، ودعمهم لنا كان دائمًا مصدر قوة.

11. ما الدور الذي يلعبه المخيم وأهله في احتضان عوائل الشهداء؟

المخيم بيئة وفية لا تنسى شهداءها. الناس يحيطوننا بالمحبة منذ لحظة الاستشهاد، ليس فقط في العزاء، بل في الحياة اليومية. المخيم هو الذاكرة الحيّة التي تحفظ الشهداء وتنقل سيرهم للجيل الجديد.

12. كيف تساهمون اليوم في الحفاظ على إرث الشهيد؟ وهل هناك أنشطة لإحياء ذكراه؟

نحافظ على إرثه عبر المشاركة بالفعاليات، الحديث مع الشباب، وتربية الأجيال على نفس القيم التي ضحّى من أجلها. نحاول أن نبقي قصته حيّة، لأنها ليست مجدًا شخصيًا بل رسالة وطنية.

13. كيف ترون مستقبل القضية الفلسطينية في ظل استمرار التضحيات؟

نحن نؤمن أن هذه التضحيات تزرع الأمل. هي دليل على أن القضية لا تموت، وأن الأجيال الجديدة متمسكة بها. الدماء التي تُقدّم ترسم معالم الطريق نحو التحرير.

14. ما الرسالة التي توجهونها للعدو الصهيوني في ذكرى طوفان الأقصى؟

رسالتنا واضحة: سنثأر. هذه الدماء ليست عبثًا، والمعركة مستمرة حتى التحرير الكامل.

15. لو عاد الشهيد للحظة، ما أول شيء تودّ قوله له؟

(إجابة شخصية) أحتفظ بها لنفسي.

16. ما الذي يواسيكم في غيابه؟ وما الذي يمنحكم القوة للاستمرار؟

ما يواسينا هو اسمه وذكراه. الناس حين يلقون علينا التحية ويقولون: “الله يرحم أبوك”، يذكّروننا بأنه حاضر في قلوبهم، وهذا يخفف من ألمنا ويمنحنا طاقة للاستمرار. كذلك، الإيمان بالهدف، والمسؤولية التي ورثناها من الشهداء، والتضامن الشعبي من أهل المخيم والمقاومة، كلها عوامل تمنحنا دافعًا حقيقيًا للمضي على الطريق نفسه الذي سار عليه.

17. ما الذي تركه الشهيد من أثر في محيطه الشخصي والعام؟

ترك أثرًا لا يُمحى. في البيت كان أبًا وصديقًا ومرشدًا، وفي المخيم كان قدوة ومصدر ثقة للجميع. بعد استشهاده، لمسنا حجم محبته عند الناس، وأصبح اسمه رمزًا للوفاء والانتماء. حتى الأطفال يذكرونه، ويعرفون صورته، ويكررون اسمه في الهتافات. هذا الأثر هو إرثه الحقيقي، وهو ما نحاول الحفاظ عليه.

18. ما أهمية أن يُستمر في توثيق سيرة الشهداء ونقلها إلى الأجيال الجديدة؟

التوثيق هو جزء من المقاومة. حين نروي سيرة الشهداء، فإننا لا نروي الماضي فقط، بل نؤسس للمستقبل. الأجيال الجديدة بحاجة لقدوة حقيقية، والشهداء هم هذه القدوة. من المهم أن نُبقي سيرهم حيّة، في المدارس، والمخيمات، وفي كل مكان، حتى تبقى القضية نابضة بالحياة، وحتى لا تُطمس ذاكرة من قدّموا أرواحهم لأجلنا.

19. ما العهد الذي تجدّدونه في ذكرى استشهاد القائد عماد عوده ورفاقه؟

نجدد العهد على المضي في دربهم، دون مساومة، دون تردد. هذا الطريق رسمه الشهداء بدمهم، ونحن مؤتمنون عليه. سنبقى أوفياء لما استشهدوا من أجله: فلسطين كاملة، حرة، عربية، من البحر إلى النهر. هذا وعد وعهد، نحمله في قلوبنا، وننقله لمن بعدنا.

في ختام هذا اللقاء، لا يسعنا إلا أن نتقدّم بجزيل الشكر والامتنان للرفيق أحمد عوده على حفاوة الاستقبال، وصدق المشاعر، وتعاونه الكريم لإنجاز هذه المقابلة، التي حملتنا إلى عمق الوجدان الفلسطيني حيث تختلط الحكاية الشخصية بالتاريخ الجمعي، وتصبح سيرة الشهيد عماد عوده “أبو زياد” نبراسًا يُضيء طريق الأحرار. .نجدّد العهد على أن تبقى هذه الشعلة حيّة، وأن نواصل درب الشهداء حتى يتحقق النصر، وتتحرر فلسطين كلّ فلسطين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى