قراءة مقارنة في تحوّل ظروف اعتقال الفلسطينيين قبل وبعد 7 أكتوبر 2023، في ضوء تجربة معسكرات الاعتقال النازية

على مدى عقود، وثّقت المؤسسات الحقوقية الفلسطينية والدولية انتهاكات متعددة بحق الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومراكز التحقيق الإسرائيلية، شملت الإهمال الطبي، وسوء ظروف الاحتجاز، والتعذيب، والعزل، والحرمان من الحقوق الأساسية.
إلا أن السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 شكّل نقطة تحوّل حادة في طبيعة وظروف الاعتقال، ولا سيما مع اتساع نطاق الاعتقالات الجماعية، وظهور معسكرات احتجاز عسكرية مؤقتة، وحرمان المعتقلين من عدد كبير من الضمانات القانونية والإنسانية، إلى جانب ما وثقته شهادات المعتقلين من ممارسات قاسية ومهينة.
ويعرض مركز حنظلة للأسرى والمحررين في هذا التقرير قراءة مقارنة لمسار الاعتقال الفلسطيني قبل 7 أكتوبر 2023 وبعده، من خلال عشرة محاور رئيسية تشمل: الوضع الصحي، والغذاء، وظروف الاعتقال والنقل، والتعذيب، والنظافة الشخصية، والاكتظاظ، والعقوبات الجماعية، والعزل عن العالم الخارجي، والتعرض للبرد، والوفيات داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
ولا تهدف المقارنة التي يتضمنها التقرير مع تجربة معسكرات الاعتقال النازية إلى مساواة التجربتين من حيث الحجم أو السياق التاريخي أو الغاية النهائية؛ فالمحرقة النازية تمثل حالة تاريخية فريدة من حيث حجم الضحايا وطبيعة مشروع الإبادة الجماعية المنظم. وإنما تستهدف المقارنة إبراز أوجه التشابه البنيوية في بعض أساليب الإذلال والتجريد من الإنسانية والحرمان والعقاب الجماعي التي ظهرت في تجارب قمعية مختلفة عبر التاريخ.
وعليه، فإن التمييز بين تشابه بعض الأساليب وتطابق التجارب يظل شرطًا أساسيًا لأي قراءة تاريخية أو حقوقية مسؤولة.
أولًا: الوضع الصحي والإهمال الطبي
قبل 7 أكتوبر 2023
وثّقت المؤسسات الحقوقية على مدى عقود سياسة الإهمال الطبي بحق الأسرى الفلسطينيين، تمثلت في تأخير الفحوصات والتحويلات الطبية، وتأجيل العمليات، وعدم توفير العلاج المناسب بصورة منتظمة، والاكتفاء في بعض الحالات بالمسكنات بدل معالجة أسباب المرض.
وأدى هذا الواقع إلى تدهور حالات صحية لعدد من الأسرى ووفاة آخرين، وأصبح ملف الرعاية الطبية من أبرز القضايا التي خاض الأسرى من أجلها إضرابات جماعية عن الطعام ومواجهات مطلبية طويلة.
بعد 7 أكتوبر 2023
شهدت أوضاع المعتقلين الصحية تدهورًا أكثر حدة، وفق الشهادات والتوثيقات التي نشرتها المؤسسات المعنية بالأسرى.
وتشير إفادات معتقلين إلى حرمانهم من العلاج والأدوية، وتأخير الاستجابة للحالات المرضية والإصابات، وانتشار الأمراض الجلدية، ولا سيما الجرب، فضلًا عن حالات إصابة خطيرة انتهت ببتر أطراف نتيجة ما وصفته شهادات المعتقلين بالإهمال الطبي وغياب العلاج.
كما وثقت مؤسسة الضمير حالات لمعتقلين تعرضوا لإصابات خطيرة خلال فترة الاحتجاز، وأشارت إلى وفاة عشرات المعتقلين الفلسطينيين داخل السجون ومرافق الاحتجاز منذ أكتوبر 2023 نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي أو ظروف الاحتجاز القاسية.
المقارنة التاريخية
كان الحرمان من الرعاية الصحية والإهمال الطبي جزءًا من منظومة الاحتجاز في المعسكرات النازية، إلى جانب التجارب الطبية القسرية التي أجريت على بعض السجناء، وانتشار الأوبئة نتيجة الاكتظاظ وسوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية.
وجه التشابه هنا يتعلق باستخدام الحرمان الصحي والإهمال كعامل يزيد من معاناة المعتقل ويهدد حياته، دون أن يعني ذلك تطابق السياق أو حجم الجرائم.
ثانيًا: الغذاء والحرمان الغذائي
قبل 7 أكتوبر 2023
عانى الأسرى الفلسطينيون قبل 7 أكتوبر من سوء نوعية الطعام ومحدودية الكميات في بعض السجون، مع نقص في بعض المواد الغذائية، ولا سيما اللحوم والخضروات الطازجة.
وظل الغذاء أحد الملفات الأساسية في الحركة الأسيرة، وارتبط بعدد من الإضرابات الجماعية عن الطعام التي خاضها الأسرى منذ عقود.
بعد 7 أكتوبر 2023
انتقل الوضع، وفق شهادات المعتقلين والتوثيقات الحقوقية، إلى مستوى أكثر قسوة من الحرمان الغذائي.
وتحدث معتقلون مفرج عنهم عن تقليص الوجبات والكميات المقدمة، وعن فترات حُرموا خلالها من الطعام والماء بصورة متعمدة، في سياق أوسع من العقاب وسوء المعاملة.
كما أفادت شهادات بتقديم وجبات شحيحة للغاية لبعض المعتقلين، وصلت في بعض الحالات إلى وجبة واحدة يوميًا مكونة من كميات محدودة من الخبز وبعض المواد البسيطة.
ولا يقتصر أثر هذا الحرمان على الجوع، بل يمتد إلى فقدان الوزن والضعف الجسدي وتفاقم الأمراض، خصوصًا لدى المرضى وكبار السن.
المقارنة التاريخية
كان سوء التغذية والتجويع والاكتظاظ من السمات الموثقة في عدد من المعسكرات النازية، وساهمت هذه الظروف في انتشار الأمراض وارتفاع معدلات الوفاة.
ويتمثل وجه التشابه في استخدام الغذاء أو الحرمان منه كوسيلة لإضعاف المعتقل، مع التأكيد مجددًا على اختلاف الحجم والسياق التاريخي والغاية النهائية بين التجربتين.
ثالثًا: من لحظة الاعتقال إلى المعسكر والسجن
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت عمليات الاعتقال الميداني تشمل التكبيل وتعصيب العينين وسوء المعاملة أثناء النقل، وهي ممارسات وثقتها المؤسسات الحقوقية على مدى سنوات.
وكان المعتقل ينتقل غالبًا من مكان اعتقاله إلى مراكز توقيف أو تحقيق ثم إلى سجون مركزية قائمة، مثل عوفر والدامون والنقب.
بعد 7 أكتوبر 2023
شهدت منظومة الاعتقال تغيرًا واسعًا، خصوصًا في قطاع غزة، مع تنفيذ عمليات اعتقال جماعية من مناطق النزوح، والمدارس، والمستشفيات، والمباني السكنية، ونقاط التفتيش.
ونُقل عدد من المعتقلين إلى معسكرات احتجاز عسكرية مؤقتة، من أبرزها سدي تيمان وعناتوت، قبل تحويل بعضهم إلى السجون المركزية.
وتصف شهادات معتقلين عمليات تجريد من الملابس، والتعصيب والتكبيل، والضرب أثناء النقل، وإجبار المعتقلين على الجلوس أو الوقوف لفترات طويلة في ظروف قاسية.
كما تحدثت إفادات عن احتجاز المعتقلين داخل أقفاص أو مساحات مسيجة، وإبقائهم معصوبي الأعين ومقيدي الأيدي لفترات طويلة، مع نقص حاد في وسائل الراحة والنوم والتدفئة.
وفي هذه المرحلة، برز أيضًا التعامل مع المعتقلين بواسطة أرقام بدل الأسماء في بعض مرافق الاحتجاز، بما يثير مخاوف حقوقية بشأن تجريد المعتقل من هويته الإنسانية والشخصية.
المقارنة التاريخية
شهدت منظومة المعسكرات النازية نقل أعداد كبيرة من المعتقلين في ظروف شديدة القسوة، بما في ذلك التكديس والحرمان من الغذاء والماء، كما ارتبط وصول بعض القطارات إلى المعسكرات بعمليات فرز للمعتقلين.
ويظهر التشابه البنيوي في تحويل الإنسان إلى رقم أو فئة داخل منظومة احتجاز واسعة، وإخضاعه لعمليات فرز ونقل وإذلال، مع فارق جوهري في الغاية والسياق التاريخي، ولا سيما الدور الذي لعبته سياسة الإبادة في النظام النازي.
رابعًا: التعذيب وسوء المعاملة
قبل 7 أكتوبر 2023
كان التعذيب وسوء المعاملة داخل مراكز التحقيق الإسرائيلية موضع توثيق حقوقي على مدى عقود، وشملت الأساليب المبلغ عنها الشبح، والضرب، والإهانات، والصعق الكهربائي، وغيرها من أساليب الضغط الجسدي والنفسي.
بعد 7 أكتوبر 2023
تشير شهادات معتقلين وثقتها مؤسسات حقوقية إلى اتساع نطاق أساليب التعذيب وسوء المعاملة بعد 7 أكتوبر.
وتضمنت الإفادات الموثقة، بحسب المؤسسات المعنية، الضرب باستخدام الهراوات وأعقاب البنادق، والصعق الكهربائي، والحرق، والإهانات، والتهديد، والاعتداءات الجنسية، إضافة إلى استخدام الكلاب وسيلة للترهيب والعقاب، وأساليب أخرى قاسية أثناء التحقيق والنقل والاحتجاز.
كما تحدث معتقلون عن استمرار التنكيل في مراحل متعددة من الاحتجاز، بما في ذلك أثناء التفتيش، والنقل بين الأقسام، وعمليات الاقتحام والقمع داخل السجون.
وتؤكد هذه الشهادات أن ما يتم الكشف عنه لا يمثل بالضرورة كامل حجم الانتهاكات، خصوصًا في ظل الخوف من الانتقام والعقوبات ومنع الوصول المنتظم إلى المحامين والجهات الرقابية.
المقارنة التاريخية
كان التعذيب والإذلال والعقوبات الجماعية جزءًا من منظومة القمع في المعسكرات النازية، بما في ذلك إخضاع المعتقلين لعقوبات مهينة وإرهاق جسدي ونفسي متعمد.
ويتمثل التشابه في استخدام الإذلال والألم والخوف لكسر إرادة المعتقل وإخضاعه، مع ضرورة عدم الخلط بين هذا التشابه في الأساليب وبين التطابق بين التجربتين.
خامسًا: النظافة الشخصية والتجريد من مقومات الحياة الأساسية
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت مستلزمات النظافة الشخصية، بما فيها الصابون ومعجون الأسنان وأدوات الحلاقة، تخضع لقيود مختلفة، إلى جانب شكاوى من محدودية الاستحمام وتوفير الاحتياجات الأساسية.
بعد 7 أكتوبر 2023
تدهورت ظروف النظافة بصورة حادة، وفق شهادات المعتقلين.
وتحدثت إفادات عن الحرمان من أدوات النظافة، والبقاء بالملابس نفسها لفترات طويلة، وتقليص فترات الاستحمام واستخدام المرافق الصحية.
وفي بعض مرافق الاحتجاز، وخاصة سدي تيمان، أفاد معتقلون بأن الاستحمام كان محدودًا للغاية من حيث المدة والتكرار، وأن المياه الباردة والظروف المناخية القاسية زادت من معاناتهم.
كما ساهمت هذه الظروف في انتشار الأمراض الجلدية والروائح الكريهة، ولا سيما في ظل الاكتظاظ.
المقارنة التاريخية
كان الحرمان من النظافة الشخصية في المعسكرات النازية جزءًا من الظروف التي ساهمت في تجريد المعتقلين من إنسانيتهم وانتشار الأمراض والأوبئة.
ويبرز هنا تشابه واضح في تحويل الاحتياجات الأساسية، مثل النظافة والاستحمام، إلى أدوات للحرمان والإذلال.
سادسًا: الاكتظاظ وظروف المعيشة
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت مساحة المعيشة المقررة رسميًا للأسير الفلسطيني تبلغ نحو 4.5 متر مربع، مع تسجيل انتهاكات متكررة لهذه المعايير.
بعد 7 أكتوبر 2023
ارتفعت أعداد المعتقلين بصورة حادة، بالتزامن مع إنشاء مرافق احتجاز مؤقتة واستخدامها لاستيعاب أعداد كبيرة من المعتقلين.
وأفاد معتقلون بأن أعداد المحتجزين داخل بعض الأقفاص في سدي تيمان وصلت إلى عشرات الأشخاص، وفي بعض الإفادات إلى نحو 100 أو أكثر داخل مساحات محدودة.
كما تحدث معتقلون عن اكتظاظ شديد داخل بعض الغرف في السجون المركزية، واضطرار بعضهم إلى النوم على الأرض نتيجة عدم كفاية الأفرشة.
وقد ساهم الاكتظاظ، إلى جانب سوء النظافة وسوء التغذية، في زيادة انتشار الأمراض وتدهور الحالة الصحية للمعتقلين.
المقارنة التاريخية
كان الاكتظاظ الشديد سمة بارزة في عدد من المعسكرات النازية، حيث اضطر المعتقلون إلى مشاركة أماكن النوم وواجهوا ظروفًا ساهمت في انتشار الأمراض وارتفاع الوفيات.
والتشابه هنا يرتبط بتحويل المكان المخصص للاحتجاز إلى مساحة مكتظة تفتقر إلى الحد الأدنى من شروط الحياة الكريمة.
سابعًا: العقوبات الجماعية وعمليات القمع واستخدام الكلاب
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت اقتحامات غرف الأسرى وعمليات التفتيش والعقوبات الجماعية معروفة داخل السجون، وغالبًا ما كانت ترتبط بحوادث أو مخالفات محددة.
بعد 7 أكتوبر 2023
وفق إفادات المعتقلين، أصبحت عمليات الاقتحام والقمع أكثر تكرارًا واتساعًا.
وشملت هذه العمليات استخدام الغاز وقنابل الصوت والكلاب البوليسية، وإجبار المعتقلين على الانبطاح أو الاستلقاء، وتكبيلهم والاعتداء عليهم بالضرب.
وتشير شهادات موثقة إلى تنفيذ عمليات قمع داخل بعض مرافق الاحتجاز بصورة متكررة، بما في ذلك في ساعات الليل.
كما تضمنت بعض الإفادات ادعاءات بوقوع اعتداءات جسدية وجنسية خطيرة خلال عمليات القمع، وهي ادعاءات تستوجب تحقيقات مستقلة وشفافة وتوثيقًا جنائيًا وحقوقيًا كاملًا.
المقارنة التاريخية
كانت العقوبات الجماعية والإذلال المنظم من وسائل السيطرة في المعسكرات النازية، حيث كان يمكن أن تطال العقوبة مجموعة كاملة بسبب فعل فرد واحد.
ويتمثل التشابه في استخدام العقاب الجماعي والترهيب الجماعي لإخضاع المعتقلين وإحكام السيطرة عليهم.
ثامنًا: العزل عن العالم الخارجي
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت زيارات الأهالي والمحامين واللجنة الدولية للصليب الأحمر تخضع لقيود وإجراءات، لكنها كانت قائمة بصورة دورية ضمن أطر معروفة.
بعد 7 أكتوبر 2023
شهد هذا الجانب تحولًا بالغ الخطورة، مع تعليق أو منع زيارات الأهالي لفترات طويلة، وتقييد وصول المحامين، ومنع أو تعطيل الزيارات الدولية، إضافة إلى مصادرة وسائل الاتصال ومنع الصحف والكتب وبعض أشكال التواصل مع العالم الخارجي.
وأدى ذلك إلى عزل المعتقلين عن عائلاتهم وعن آليات الرقابة المستقلة، الأمر الذي زاد من صعوبة معرفة ظروف الاحتجاز والتحقق من أوضاع المعتقلين.
ويشكل هذا العزل أحد أخطر عناصر منظومة الاحتجاز، لأنه يضع المعتقل في بيئة مغلقة تقل فيها إمكانية التوثيق والمساءلة.
المقارنة التاريخية
كان العزل عن العالم الخارجي ومنع التواصل والزيارات سمة أساسية في منظومة المعسكرات النازية، مع استثناءات محدودة استخدمت في بعض الحالات لأغراض دعائية.
ويظهر التشابه في تقليص قدرة المعتقل على التواصل مع الخارج، وإضعاف الرقابة الخارجية على ظروف الاحتجاز.
تاسعًا: البرد والحرمان من وسائل التدفئة
قبل 7 أكتوبر 2023
كانت شكاوى الأسرى خلال فصل الشتاء ترتبط بصورة أساسية بنقص الملابس والأغطية أو ضعف وسائل التدفئة.
بعد 7 أكتوبر 2023
تشير شهادات المعتقلين إلى سحب أغطية ووسائد وملابس إضافية، وإبقائهم في ظروف شديدة البرودة، خصوصًا داخل الخيام والمرافق المؤقتة في المناطق الصحراوية.
وتفاقمت هذه الظروف خلال أشهر الشتاء، مع احتجاز بعض المعتقلين بملابس رقيقة أو بعد تجريدهم من جزء كبير من ملابسهم، ما جعل البرد عاملًا إضافيًا في إنهاكهم جسديًا ونفسيًا.
المقارنة التاريخية
عرفت المعسكرات النازية ظروفًا من البرد القاسي ونقص الملابس والأغطية، واستخدم الحرمان من الاحتياجات الأساسية في سياقات مختلفة كوسيلة لإضعاف المعتقلين.
والتشابه هنا يتمثل في تعريض المحتجزين لظروف مناخية قاسية دون توفير الحماية الأساسية.
عاشرًا: الوفيات داخل السجون ومراكز الاحتجاز
قبل 7 أكتوبر 2023
وقعت وفيات في صفوف الأسرى الفلسطينيين على مدى عقود نتيجة عوامل متعددة، من بينها الأمراض والإهمال الطبي وظروف الاحتجاز، وكانت المؤسسات الحقوقية تواجه صعوبات كبيرة في الوصول إلى المعلومات وإجراء تحقيقات مستقلة بشأن أسباب الوفاة.
بعد 7 أكتوبر 2023
شهدت فترة ما بعد 7 أكتوبر ارتفاعًا حادًا في عدد الوفيات المبلغ عنها داخل السجون ومرافق الاحتجاز.
وتشير المؤسسات المعنية بالأسرى إلى وفاة عشرات المعتقلين الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023، فيما أوردت جهات حقوقية أرقامًا مختلفة تبعًا للفترة الزمنية والمنهجية المستخدمة في التوثيق.
كما جرى توثيق حالات لمعتقلين توفوا داخل مرافق الاحتجاز في ظل ادعاءات تتعلق بالتعذيب أو الإهمال الطبي أو الظروف القاسية للاحتجاز.
وتكتسب هذه الوفيات أهمية مضاعفة بسبب صعوبة الوصول إلى المعلومات، وغياب الشفافية الكاملة بشأن ظروف الوفاة، ومصير جثامين بعض المعتقلين، ما يجعل إجراء تحقيقات مستقلة وشفافة ضرورة لا تحتمل التأجيل.
المقارنة التاريخية
هنا يظهر الفارق الأكبر مع التجربة النازية من حيث الحجم والغاية.
فقد شهدت منظومة المعسكرات النازية عمليات قتل جماعي وإبادة صناعية أدت إلى مقتل ملايين الأشخاص، بما في ذلك عمليات القتل في غرف الغاز، إلى جانب الوفيات الناجمة عن التجويع والأمراض والعمل القسري وظروف الاحتجاز.
أما الوفيات التي يوثقها هذا التقرير في سياق الاعتقال الفلسطيني فهي، رغم خطورتها الإنسانية والقانونية البالغة، لا تقارن من حيث الحجم التاريخي بالملايين الذين قتلوا في المحرقة.
ومن هنا يؤكد مركز حنظلة أن الاعتراف بهذا الفارق لا يعني التقليل من خطورة أي حالة وفاة، ولا من ضرورة التحقيق في كل وفاة داخل الاحتجاز، وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتسببين.
خلاصة التقرير
تكشف المقارنة بين واقع الاعتقال الفلسطيني قبل 7 أكتوبر 2023 وبعده عن انتقال واضح من منظومة كانت تشهد انتهاكات مزمنة وواسعة، إلى ظروف احتجاز أكثر قسوة واتساعًا وفق ما توثقه شهادات المعتقلين والمؤسسات الحقوقية.
وتظهر أبرز التحولات في:
• اتساع نطاق الاعتقالات الجماعية.
• ظهور معسكرات احتجاز عسكرية مؤقتة.
• تدهور الرعاية الصحية والإهمال الطبي.
• تقييد الغذاء والماء والاحتياجات الأساسية.
• تصاعد ادعاءات التعذيب وسوء المعاملة.
• انتشار الاكتظاظ وظروف الاحتجاز القاسية.
• توسيع نطاق العقوبات الجماعية وعمليات القمع.
• استخدام الكلاب وأدوات القوة في عمليات السيطرة والتفتيش.
• تقييد وصول المحامين والجهات الدولية.
• عزل المعتقلين عن العالم الخارجي.
• ارتفاع عدد الوفيات داخل مرافق الاحتجاز.
ويؤكد مركز حنظلة أن التشابه في بعض أساليب الإذلال والحرمان مع ما عرفته أنظمة الاعتقال القمعية، ومنها المعسكرات النازية، يجب أن يُقرأ بوصفه تشابهًا في بعض الآليات والأساليب، لا باعتباره مساواة تاريخية أو تطابقًا في الحجم والغاية.
فالمحرقة النازية تظل حالة فريدة من حيث مشروع الإبادة الجماعية وحجم الضحايا وآليات القتل الصناعي.
لكن هذا الفارق لا يمنح أي منظومة احتجاز معاصرة حصانة من المساءلة، ولا يجعل التعذيب أو التجويع أو الإهمال الطبي أو العزل أو الإذلال أو أي معاملة قاسية ومهينة مقبولة أو أقل خطورة.
وعليه، يطالب مركز حنظلة للأسرى والمحررين بـ:
1. فتح تحقيقات دولية مستقلة وشفافة في جميع الوفيات والانتهاكات المبلغ عنها داخل السجون ومراكز الاحتجاز.
2. ضمان وصول اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهيئات الدولية المختصة دون قيود إلى جميع المعتقلين الفلسطينيين، بما في ذلك المحتجزون في المعسكرات العسكرية.
3. تمكين المحامين من الوصول الفوري والمنتظم إلى المعتقلين وضمان حقهم في الدفاع والتواصل القانوني.
4. وقف جميع أشكال التعذيب وسوء المعاملة والعقوبات الجماعية، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق قواعد القانون الدولي.
5. ضمان الرعاية الطبية الفورية والملائمة للمعتقلين المرضى والجرحى، وإجراء الفحوص والعمليات والعلاجات اللازمة دون تأخير.
6. توفير الغذاء والماء والملابس والأغطية ومستلزمات النظافة بما يتوافق مع المعايير الإنسانية والقانونية.
7. إنهاء سياسة العزل عن العالم الخارجي وضمان حق المعتقل في التواصل مع عائلته والجهات القانونية والرقابية.
8. الكشف عن مصير المعتقلين المتوفين والمفقودين داخل منظومة الاحتجاز وتسليم الجثامين إلى عائلاتهم وفق الإجراءات القانونية.
9. إتاحة آليات مستقلة لتوثيق شهادات المعتقلين بعيدًا عن أي تهديد أو ضغط أو انتقام.
10. إخضاع منظومة الاحتجاز بأكملها للرقابة الدولية والمساءلة القانونية، بما يضمن عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات من العقاب.
إن معيار احترام حقوق الإنسان لا يتجزأ، ولا يجوز أن تتحول حالة الحرب أو الطوارئ إلى ذريعة لتعليق الحقوق الأساسية للمعتقلين.
وما يطلبه مركز حنظلة ليس امتيازًا للمعتقل، بل الحد الأدنى من الضمانات التي يفرضها القانون الدولي: حماية الإنسان من التعذيب، وضمان العلاج، والغذاء، والماء، والكرامة، والاتصال بالعالم الخارجي، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
مركز حنظلة للأسرى والمحررين



