أبرزالفلسطينية

وعد بلفور ( 2 نوفمبر 1917) من الرسالة إلى الرصاصة… الشعب الفلسطيني يصنع تاريخه

المكتب الإعلامي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-لبنان

في الثاني من نوفمبر 1917، كتب وزير الخارجية البريطاني، اللورد آرثر بلفور، إلى اللورد روتشيلد رسالة رسمية نصّت على أن “تنظر الحكومة البريطانية بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل كل جهد ممكن لتسهيل تحقيق ذلك”. كانت هذه الرسالة بداية مأساة وطنية لشعب لم يمتلك أحد الحق في التفريط بأرضه، بداية مشروع استعماري غربي هدفه السيطرة على فلسطين وتحويلها إلى وطن بديل لليهود على حساب أصحاب الأرض الشرعيين.

قبل صدور الوعد، كانت فلسطين جزءًا من الدولة العثمانية، يعيش شعبها حياة مستقرة نسبيًا، يمارس الزراعة والتجارة، ويحافظ على نظام اجتماعي وسياسي متماسك. لكن الحرب العالمية الأولى قلبت المعادلة، إذ استغلت بريطانيا الصراع العالمي لتوسيع نفوذها في الشرق الأوسط، وتأمين طرق الملاحة والمصالح الاقتصادية. وفي هذا الإطار، جاء وعد بلفور كأداة استراتيجية لتسهيل إقامة دولة يهودية غاصبة، وتفريغ فلسطين من أهلها، وتهيئة الأرض للاستيطان والاحتلال.

بعد صدور الوعد، شرعت بريطانيا في تنفيذ سياسات عملية لدعم المشروع الصهيوني. فقد سهّلت الهجرة اليهودية، وسمحت بشراء الأراضي، وأمنت مؤسسات شبه عسكرية، ووفرت التدريب والاستخبارات لعصابات مثل الهاغاناه، الإرغون، وليحي. وفي المقابل، كان الفلسطينيون يواجهون القمع، الاعتقال، والترهيب، لكنهم استمروا في المقاومة والدفاع عن أرضهم.

فور صدور الوعد اندلعت أولى الانتفاضات، ثم ثورة عام 1921 التي أثبتت قدرة الفلسطينيين على مواجهة الانتداب والمستوطنين المدعومين بغطاء بريطاني كامل. وتواصلت المقاومة حتى ثورة 1936–1939، التي كانت أوج الصراع الوطني الفلسطيني، وقوبلت بقمع دموي شامل، شمل الاعتقالات والمجازر، لكنه لم يُنهِ إرادة الشعب في الدفاع عن وطنه وحقه في الأرض.

توالت الأحداث فيما بعد، من النكبة عام 1948 وطرد مئات الآلاف من الفلسطينيين، إلى الاحتلال العسكري بعد حرب 1967 واحتلال ما تبقى من الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة، مع استمرار الدعم الغربي، خصوصًا الأمريكي، للكيان الصهيوني. كل مجازر دير ياسين، وكفر قاسم، وصبرا وشاتيلا، والدوامة، ومجزرة بحر البقر، كانت جزءًا من مشروع استعماري طويل المدى، اعتمد على القوة العسكرية والسياسية لضمان السيطرة على الأرض الفلسطينية وتهويدها.

وإن وعد بلفور لم يكن مجرد حدث تاريخي، بل امتداد لمأساة شعب فلسطين التي ما زالت مستمرة حتى اليوم. فالاحتلال الصهيوني الذي تأسس على هذا الوعد، يشن حرب إبادة ضد الفلسطينيين في قطاع غزة، حيث ارتفعت أعداد الضحايا والجرحى، وتدمّرت البنى التحتية، وتشرد آلاف العائلات، بينما يواصل الاحتلال اعتقال الأبرياء وملاحقتهم، مدعومًا بدعم استعماري غربي غير محدود يشمل التمويل العسكري والسياسي والاستخباراتي. ومع كل ذلك، يثبت الشعب الفلسطيني صبره الأسطوري، ويتمسك بأرضه وهويته، ويقاوم مخططات التهجير القسري وفرض السيطرة بالقوة، حتى اضطر جيش الاحتلال إلى فرض وقف إطلاق النار في مواجهة إرادة الشعب المقاوم. لقد كشفت هذه الحرب الوجه الدموي والوحشي للكيان الغاصب، وفضحت وحشيته أمام العالم، ما ساهم في زيادة الوعي الشعبي في العواصم الغربية والدول المتضامنة مع فلسطين، وأجبر الأنظمة الغربية الاستعمارية على خطوات رمزية مثل الاعتراف بدولة فلسطين، لكن هذا الاعتراف يبقى مجرد ذر رماد في العيون، ومحاولة يائسة لامتصاص الغضب الشعبي على كيان الاحتلال والدول الداعمة له.

ومع كل هذه المؤامرات، ظلّ الشعب الفلسطيني صامدًا، يقاوم، ويثبت أن إرادته الوطنية لا تُقهر. الانتفاضات المستمرة، المقاومة المسلحة والمدنية، صبر الأجيال وتمسكهم بأرضهم وهويتهم، كل ذلك يُثبت أن المشروع الاستعماري الصهيوني مهما امتلك من قوة لن يستطيع طمس تاريخ شعب عاش على هذه الأرض آلاف السنين.

خاتمة وطنية وجدانية: وعد بلفور كان بداية مأساة تاريخية، لكنه أيضًا برهان على تصميم شعب لا يساوم على وطنه وحقوقه. الشعب الفلسطيني باقٍ على الأرض، صامدًا في وجه الاحتلال والمجازر، مصممًا على استعادة حقوقه المغتصبة، والحفاظ على تاريخه وهويته. الكيان الذي بني على القتل والاحتلال لن يستطيع كسر إرادة شعب مصمم على الحرية والعودة والاستقلال، والصمود هو خيارنا، والنصر حتمي مهما طال الزمن.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى