أبرزتحقيقات

تحليل طوفان الأقصى  وحرب الإبادة في غزة. (أحمد غنومي)

مرَّ عامان على السابع من أكتوبر 2023، اليوم الذي انطلقت فيه “إسرائيل” —بدعم أمريكي علني— في حرب إبادة شنتها على قطاع غزة. كانت هذه الحرب من أكثر حلقات العنف دموية في ذاكرة الصراع: مواجهة امتدّت بين الطرفين العربي الفلسطيني والكيان الصهيوني، استخدمت فيها قوات الاحتلال أسلحة محرَّمة دولياً، وانتهكت خلالها الاتفاقيات والمواثيق الإنسانية، واستُخدمت فيها أساليب التدمير، وفرض المجاعة، ومنع العلاج عن المرضى، فذهب ضحيتها عدد هائل من المدنيين، نحو ثلثيهم من النساء والأطفال.

إن محاولة اختزال أسباب العنف على «ردٍّ انتقامي» لما جرى في 7 أكتوبر 2023، تجاهلٌ للتاريخ. فالصراع له جذور طويلة تمتدّ إلى بداية الهجرة الصهيونية إلى فلسطين، ورعاية الانتداب البريطاني لهذا المشروع، ووعد بلفور (1917) الذي مهّد لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين —وما جرَّه ذلك من مجازر وتهجير وفقدان الوطن للشعب الفلسطيني قبل 1948 وبعدها.

تاريخ الصهيونية في فلسطين حافل بالعنف: قتل وتدمير وتهجير. أما الموقف الأمريكي فهو منحاز ومتحالف، داعم قوي لمشروع الاستيطان، في وقت كانت تُطالب الأطراف الفلسطينية بـ«نبذ الإرهاب»؛ ومع ذلك لم يستسلم الفلسطينيون. بعد كل مجزرة، تصاعدت العزيمة على أن يعيش الفلسطينيون بكرامة وحرية على أرضهم، وكانوا مستعدين للتضحية بالغالي والرخيص في سبيل ذلك.

غزة المحاصرة كانت تستعدّ ليوم التحرر من حصار جائر يمنع عنها وسائل الحياة الأساسية، وتطالب بتحرير أسراها من قلاع الاحتلال ومعتقلاته التي عرفها الأسرى بالملاحم المظلمة للتعذيب والقتل. وفي صفوف القيادة كانت هناك أسماء خرجت من المعتقلات محمّلة بمرارة الاعتقال، وعلى رأسها الأسير المحرَّر يحيى السنوار، الذي حمل أمانة قضية الأسرى وقرر العمل على تحريرهم. السنوار أدرك أن ثمن أي عملية من هذا النوع سيكون باهظًا، وربما تسفك آلاف الدماء من مقاتلي المقاومة، لكنه راهن على أن إطلاق الأسرى كان غاية لا تقلّ نبلًا عن هدف الحرية لشعب بأسره.

وضع السنوار خطة للعمل وأرسل توجيهاته إلى قادة الوحدات تحت عنوان «استدراكات ضرورية». وكان الرد الإسرائيلي في اليوم التالي وحشيًا إلى حدٍّ جعل المواجهة تتوسع لتشمل أبعادًا إقليمية، مع محاولات إسناد من لبنان، وتوترات دفعت المنطقة إلى شفا حرب إقليمية قد تمتدّ انعكاساتها إلى حدود إيران.

أعاد السابع من أكتوبر قراءةً وعيّة لقضية فلسطين وفضح أمام العالم وجه «إسرائيل» بوصفها أداة استعمارية عنيفة. وكانت خطط الضرب التي جرى التحضير لها منذ 2020 تهدف إلى إضعاف المحور المقاوم؛ فمشروعات عدة كـ«بايجر» رُسمت لاقتلاع قدرات حزب الله، لكن توقيت العملية الفلسطينية كشف المخططات وأجبر المطبعين العرب والفاعلين الإقليميين والدوليين على تحديد مواقعهم: هل هم مع فلسطين أم مع أمريكا و”إسرائيل”؟

لقد بيّنت عملية السابع من أكتوبر أنها مبادرة فلسطينية منظمة على نطاق لم يُرَ منذ 1948؛ مبادرة أعادت ترتيب الموازين السياسية والإعلامية. كما أظهرت محدودية قدرات المحور حينًا، واستثارت نقاشًا حول جدوى خوض مواجهة شاملة مع الولايات المتحدة والغرب، لكنها في الوقت نفسه أثبتت أن خيار التراجع والاستسلام يعني الذلّ والتهجير أو الإبادة، وأن خيار المواجهة يظلّ طريقًا إلى حياة كريمة للأجيال القادمة.

قِيل إن الميدان لو أطلع السنوار المحور بتوقيته لفشل المخطط بسبب الاختراقات الأمنية؛ وكُثر فسّروا ثمن العملية بأنه تفصيل مؤامراتي، أو أن الكيان الصهيوني «قوة خارقة لا تُقهَر». أما روايات الإعلام الصهيوني التي تكلّمت عن مئات القتلى إثر «نيران صديقة» ففيها كثير من التعقيد والوقائع التي تحتاج تحقيقًا مستقلًا؛ وفي إحدى الروايات العسكرية الإسرائيلية جاء تبريرٌ بأن قائدًا «نظّف» المنطقة بقتل خاطف ومخطوف لتقليل عدد المخطوفين —حيث يظهر خلل التقدير وارتباك القيادات لدى الطرف الآخر.

من كان يُنظر إليه سابقًا كـ«عدو عاقل» —حماس بعد تحولها إلى سلطة في غزة— تغيّرت لغة التأطير بعد 7 أكتوبر: صارت النظرة تُصاغ على أساس صراع وجودي —وجود فلسطيني يعني بحسب منطق الاحتلال خيارين لا ثالث لهما: التهجير أو الإبادة. لكن الفلسطينيين، بواقع الحصار ومحاولات تصفية المشروع الوطني، لم يعد أمامهم إمكان الانتظار؛ فتحرّكوا استباقًا.

الآن، وبعد انكشاف حدود القوى لدى الجميع، تقود الولايات المتحدة و”إسرائيل” حربًا بلا سقف، مصحوبة بدعوات للاستسلام في أوساط هائمة من الضعف واليأس، ورؤى أخرى تدعو للتحضير لمشروع طويل الأمد من المقاومة والمناضلين. فوجود «إسرائيل» في بنية هذه المنطقة قائم على علاقات تبعية واستعمارية، والمواجهة إذًا ليست نزاعًا لحظة بل استراتيجية تاريخية لحرية الأجيال.

أما الهدف الاستراتيجي الصهيو/أمريكي فهو، بحسب الأولويات المعبر عنها سياسيًا، ضرب إيران كرأس للمحور ومحاولة زعزعة النظام فيها، لأن إسقاطه يعني —بحسب حساباتهم— إضعاف الأطراف الداعمة للمقاومة وإشعال المنطقة في مسار يخدم مشروع الهيمنة. ومع ذلك، تظهر التجربة أن الحلول السياسية التي تُعرض تحت عنوان «السلام» —ومن بينها مخططات مثل خطة ترامب— تستهدف تحقيق ما لم يتحقق بالحرب، وإن فشلت المسارات السياسية فلن يبقَ أمام رعاتها من خيار سوى التصعيد العسكري.

في خاتمة هذه القراءة، تبقى حقيقة واضحة: السابع من أكتوبر لم يكن حدثًا عابرًا بل لحظة عاكست معالم الصراع وأجبرت العالم على اختبار مواقفه. المقاومة الفلسطينية ليست خيارًا عاطفيًا لحظة الضيق، بل استراتيجية متجذرة تُجابه مشروعًا استعمارياً يبغي تصفية القضية. استمرار هذه المقاومة، بمختلف أدواتها، هو ما قد يفتح طريقًا نحو كرامة وحرية للشعب الفلسطيني والأمة التي ينتمي إليها.

 أحمد غنومي

عضو قيادة الجبهة الشعبية في لبنان

السبت ٢٥ تشرين اول ٢٠٢٥

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى