
الرفيق المبتسم كمن استودع قلبه في الجبال، والقائد الصلب كأنّ صمته شجرة زيتون نابلسية نبتت في صدر الريح.
أول قول خرج من شفتيه بعد التحرّر: “لا قول فوق قول غزّة.”
جملةٌ واحدة كأنّها شرارة أضاءت كلّ سنوات الأسر، كأنّها صوت الأرض نفسها يعلن أن البطولة لا تُقال، بل تُعاش في الدم والذاكرة.
لم تكسر ستّة مؤبّدات جسده، بل صاغت من القضبان مسارًا آخر للمعنى، كأنّه فهم مبكرًا أنّ السجن لا يحبس من يعرف الحرية، بل من ينسى أنّ قلبه وطن.
نادر ممدوح صالح صدقة، السامريّ، ولد عام 1977 على سفح جبل جرزيم في نابلس، بين طائفةٍ صغيرةٍ تحمل في عروقها صبر قرونٍ من احتلال.
هناك، في الحيّ الضيّق المعلّق على كتف الجبل، تعلّم فلسطين قبل أن يسمع عنها، من الحجارة التي كانت أول ألعابه، ومن سماءٍ كانت تهمس له أنّ الولادة في أرض محتلة هي عهدٌ لا يُكسر.
كان من أطفال الحجارة في انتفاضة 1987، يرشق الاحتلال بحجرٍ كأنه يوقّع أول بيانٍ في سيرته الثورية.
شَبّ، ودرس التاريخ والآثار، لكنه لم يكتفِ بقراءة الماضي، بل أراد أن يكتبه بدمه ووقته.
انخرط في صفوف جبهة العمل الطلابي التقدمية، ثم الجبـ ـهة الشـ ـعبية لتحرير فلسطين، حتى صار قائدًا لكتائب الشهيد أبو علي مصطفى في نابلس، يقود كما لو أنّه يرسم طريقًا للريح والسماء معًا.
سنوات المطاردة جعلت منه ظلًّا يزحف بين الجبال والبيوت، يحمل وطنه في حقيبة من ترابٍ وذاكرة، ويستعيد في الليل أرواح رفاقه الشهداء: يامن فرج، أمجد مليطات “أبو وطن”، جبريل عواد، فادي حنني.
كلّ واحدٍ منهم ترك نافذةً في صدره، وحين يذكرون، يبتسم كمن يرى رفاقه يواصلون السير فيه.
لقد تعلّم أنّ البطولة ليست في إطلاق النار، بل في أن تبقى وفيًّا للذين رحلوا، وفي أن تواصل الطريق وحدك، وأنت تعلم أنّ الظلّ لا يتركك وحيدًا. يذكر في مقابلة الهدف معه ما أجاب عبد الرحمن منيف حين سُئل حول متى يصل الإنسان إلى تلك الحرية، “بأن الحرية لا تأتي وحدها، فهي الذهاب المستمر، وأغلب الأحيان نحو المجهول”، ووصفها “بأنها حالة بحث لا تعرف التوقف أو الهدوء، وكل وصول فيها ليس سوى محطة يعقبها سفر آخر إلى نهاية الحياة”.
في 17 آب 2004، اعتقله الاحتلال في مخيم العين، وحكم عليه بستّة مؤبّدات، لكنه لم يدخل السجن يومًا؛ بل أدخله السجن إلى مدارٍ آخر من الحرية.
في الأسر، أعاد ترتيب الزمن على طريقته: الصباح محاضرة في التاريخ، والليل فصل في التثقيف الحزبي، والكتب كانت نافذة إلى أبدية لا تسكنها القضبان.
علّم الأسرى الجدد أن الذاكرة لا تُسرق، وأن الحرية تُزرع في كل نفس يتنفسه الإنسان حتى خلف الجدران.
أتقن العبرية لا حبًّا بها، بل سلاحًا في وجه السجّان، يفاوضه على الخبز والكتاب والكرامة، كما يفاوض القدر نفسه.
يؤمن أن الحرية ليست مكانًا نصل إليه، بل حالةً نسير بها.
هكذا يمضي نادر السامريّ، حرًّا في قيوده، يقيس الحياة بما يزرع من وعيٍ في العقول، لا بالسنين.
صدّق وعده كما صدّق اسمه، وجعل من العتمة منبرًا للنور، ومن المؤبّدات طريقًا مفتوحًا نحو الخلود.
هو رجل خرج من الأسر كالبذرة التي تنشق من ترابها بعد الشتاء، تحمل في جذورها صبر الأرض وأمل السماء، حاملاً معه رائحة الأرض، ودم الشهداء، ومجد غزّة.
إنه واحدٌ من أولئك الذين لا تنتهي حكايتهم عند السجن، بل يبدأ عندهم معنى الثورة من جديد، حيث يصبح الصمت بيانًا، والابتسامة راية، والإنسان وطنًا لا يُحتلّ.



