أبرزمقالات

الأسير المحرر نادر صدقة (السامري)من عتمة الزنزانة إلى فجر الحرية

[إعداد المكتب الإعلامي – لبنان]

من رحم المعاناة ووسط عتمة الزنازين، يولد الضوء. ومن بين جدران السجن التي حاول الاحتلال أن يجعلها قبرًا للأحلام، ولد الأسير المحرر نادر صالح صدقة، ابن جبل جرزيم في نابلس جبل النار، ابن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، الذي حمل فلسطين في قلبه وسار على دربها حتى انتصر للحياة والحرية. لم يكن نادر مجرد أسيرٍ عانق الفجر بعد أكثر من عقدين في الأسر، بل كان نموذجًا للمناضل المثقف المؤمن بالتحرر الوطني والاجتماعي والإنساني، وبأن الصراع مع العدو الصهيوني هو صراع وجود لا صراع حدود، صراع تحرري طبقي لا ديني، هدفه الإنسان الفلسطيني الحرّ والدولة الفلسطينية الديمقراطية على كامل التراب الوطني.

 جبل جرزيم… الجذور الأولى للوعي والانتماء

وُلد نادر ممدوح صالح صدقة عام 1977 في مدينة نابلس، على قمة جبل جرزيم، بين أبناء الطائفة السامرية الفلسطينية، تلك الجماعة التي بقيت رغم خصوصيتها جزءًا أصيلًا من نسيج الوطن. في طفولته، لم يعرف نادر الهدوء بقدر ما عرف وجه المحتل، فكان منذ الانتفاضة الأولى عام 1987 مشاركًا فاعلًا في التظاهرات الشعبية، يحمل الحجارة ويهتف باسم فلسطين.

كبر وعيه في بيئةٍ مشبعةٍ بالقيم الوطنية، وتشرّب منذ صغره فكرة أن الهوية الفلسطينية تتجاوز كل الانتماءات الفرعية، وأن الوطن يتسع لكل من يقف في خندق النضال من أجل حريته.

الجامعة… وعيٌ يتبلور في صفوف الجبهة

التحق نادر بجامعة النجاح الوطنية ليدرس التاريخ والآثار، تخصصًا اختاره بعناية ليغوص في عمق الجذور الحضارية للشعب الفلسطيني. وهناك انضم إلى جبهة العمل الطلابي التقدمية، الإطار الطلابي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، فبدأت ملامح شخصيته الثورية تتبلور، وتعمّق وعيه الفكري والسياسي.

آمن بأن المعرفة سلاح المقاومة، وأن البندقية لا تنفصل عن الفكر، ولا الثورة عن الثقافة. وكان يردد، كما قال في مقابلته مع مجلة الهدف الرقمية عام 2021:

” فلسطين التي نحلم بها وطنٌ ديمقراطيٌّ حرٌّ يتساوى فيه الجميع، لا مكان فيه لتمييزٍ دينيٍّ أو طائفي، ولا مقام فيه للمستعمر.”

 من الميدان إلى الزنزانة

مع اندلاع انتفاضة الأقصى عام 2000، التحق نادر رسميًا بصفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم بجناحها العسكري كتائب الشهيد أبو علي مصطفى، حيث شارك في قيادة العمليات الميدانية ضد الاحتلال في مدينة نابلس وريفها.

لاحقته قوات الاحتلال لسنوات، واستُشهد خلال المطاردة عدد من رفاقه، لكنه واصل العمل بسرية وشجاعة حتى اعتُقل في 17 آب/أغسطس 2004 بعد عملية عسكرية في مخيم العين.

تعرّض لتعذيبٍ قاسٍ في مركز تحقيق “بيتاح تكفا”، وصدر بحقه حكم بالسجن ستة مؤبدات، بتهمة قيادته مجموعات مقاومة نفذت عمليات نوعية ضد قوات الاحتلال والمستوطنين.

 المثقف المناضل داخل السجن

لم تُطفئ الزنازين شعلة الوعي في داخله، بل جعل منها منبرًا للتثقيف الثوري. درس التاريخ والفكر الماركسي، وناقش رفاقه حول طبيعة الصراع التحرري، وألقى المحاضرات للأسرى الجدد في الوعي الوطني والسياسي.

كان مثالًا للمناضل الملتزم بقيم الجبهة الشعبية التي ترى أن الصراع مع الصهيونية والإمبريالية ليس صراعًا دينيًا، بل صراع تحرري وطبقي اجتماعي، هدفه إنهاء الاستعمار وبناء مجتمع العدالة والمساواة.

ومن داخل سجنه كتب يقول:

” الضعف الذي يمر به شعبنا ليس قدرًا أبديًا، فالأمل بالشعوب، والمستقبل للشعوب، والنصر حليف من حالفها ولو بعد حين.”

وقد كان نادر صديقًا لكل الفصائل، ممثلًا للأسرى أمام إدارة السجون بفضل إتقانه اللغة العبرية، ومدافعًا عن حقوقهم، مشاركًا في كل إضراب ومعركة كرامة خاضوها ضد السجّان.

 رمز الصمود وفكر الجبهة

مثّل نادر صدقة نموذجًا حيًا لما أراده الدكتور جورج حبش حين قال:

” إن التحرر الوطني لا ينفصل عن التحرر الاجتماعي، فالمعركة مع العدو معركة الإنسان ضد الاستغلال والاستعباد.”

وكذلك ما عبّر عنه غسان كنفاني حين كتب:

“الحرية لا تُمنح، بل تُنتزع انتزاعًا.”

ولهذا رفض الاحتلال مرارًا إدراجه في صفقات التبادل السابقة لما يحمله من رمزية فكرية ونضالية، حتى تحققت إرادة المقاومة في صفقة “طوفان الأحرار”، فتنسم عبير الحرية بعد واحدٍ وعشرين عامًا من الاعتقال، ليخرج مرفوع الرأس، مؤمنًا بأن الحرية ليست نهاية الطريق بل بدايته.

 فجرٌ جديدٌ من جبل جرزيم

اليوم، يقف نادر صدقة مبعداً قسراً عن أرض وطنه، حراً متنسماً عبير الحرية المشبعة بمرارة الإبعاد عن الوطن والأحبة ، والرفاق الذين ما زالوا على العهد والوعد في عتمة الزنازين ووعد الحرية ، حاملًا فكر الجبهة الشعبية وراية فلسطين الواحدة، مؤمنًا بأن النصر قادم مهما طال الليل، وبأن الحرية هي المعنى الأسمى للوجود الإنساني.

إنه شاهدٌ حيّ على أن الثورة لا تُقاس بالعمر أو بالمكان، بل بالثبات على المبدأ، وبأن فلسطين، كل فلسطين، ستبقى حلمًا مشروعًا وهدفًا حتميًا لكل الأحرار.

 المصادر :

موقع الجزيرة نت

مقابلة مع الأسير نادر صدقة من داخل زنزانته، نشرت على موقع الهدف الرقمية عام 2021

مقابلة مع الدكتور جورج حبش

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى