مقابلة خاصة مع أمين سر اللجان الشعبية في منطقة شمال لبنان ( أحمد غنومي) .

على مدى أكثر من سبعين عاماً، لا تزال نكبة الشعب الفلسطيني التي وقعت عام 1948 تُلقي بظلالها الثقيلة على الملايين من أبناء شعبنا، الذين اقتُلعوا قسراً من أرضهم ووزّعوا قسراً في دول الجوار، لا سيما في لبنان، حيث أُقيمت عشرات المخيمات التي تحوّلت إلى رمز للصمود والبؤس في آن واحد.
وفي سياق النضال الوطني الفلسطيني انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة، التي شكّلت محطة فاصلة في تاريخ القضية، وكان من أبرز إنجازاتها تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، والتي أسّست بدورها العديد من المؤسسات الوطنية، وعلى رأسها اللجان الشعبية، التي أُنيط بها دور أساسي في إدارة الشؤون الاجتماعية والخدماتية والاقتصادية للاجئين في مخيمات اللجوء، خصوصاً في لبنان.
واليوم، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية المتفاقمة والتدهور الحاد في أوضاع المخيمات الفلسطينية في لبنان، نسلّط الضوء من خلال هذا اللقاء الذي أجرَاه المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان مع الرفيق أحمد غنومي، أمين سر اللجان الشعبية في منطقة الشمال، على واقع ودور هذه اللجان، وطبيعة علاقاتها، والمعيقات التي تواجهها، والآفاق المستقبلية لعملها.
النص الكامل للمقابلة :
المحور الأول: تقييم الدور والواقع
في البداية، اسمح لنا، رفيق أحمد، أن نتوجّه إليكم بالشكر والتقدير لتعاونكم واستجابتكم لإجراء هذه المقابلة الحصرية مع المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، متمنّين لكم دوام التقدّم والنجاح في أداء مهامكم الوطنية في خدمة أبناء شعبنا، حتى تحقيق كامل أهدافه في استعادة حقوقه المغتصبة.
على أمل أن نوفّق وإياكم في تقديم صورة وافية وإجابات شافية عن معظم الأسئلة والتحديات التي تواجه أبناء شعبنا في مخيمات لبنان.
1. كيف تقيّمون واقع ودور اللجان الشعبية في مخيمات لبنان عامة، وفي الشمال بشكل خاص، في ظل الظروف السياسية والأمنية والاجتماعية القاسية التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون؟
اللجان الشعبية في لبنان هي إحدى مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ووفق نظامها الأساسي تعتبر دائرة شؤون اللاجئين هي مرجعية اللجان الشعبية. ووفق نظام اللجان الشعبية يجب أن تضمّ اللجنة الشعبية ممثلي الفصائل والاتحادات ومؤسسات المنظمة والقطاعات الجغرافية التي تتحدَّد لجانها ومندوبيها بالانتخاب، ثم ينتخب اللجنة الشعبية رئيس ونائباً له وأمين سر وأمين صندوق. والمرسوم الرئاسي الأخير يتوافق مع النظام الداخلي للجان، وقد اجتمع لهذه الغاية رئيس دائرة شؤون اللاجئين الدكتور أحمد أبو هولي مع قيادة فصائل المنظمة، وتقرر تشكيل لجنة تحضيرية من أجل إجراء الانتخابات المقرَّرة.
أما الواقع الحالي للجان فهي تتألف من مندوبين عن الفصائل والاتحادات والمؤسسات وممثلي القطاعات، وشُكِّلت بالتعيين ولم تُجرَ انتخابات.
واللجان الشعبية، إضافة إلى كونها مرجعية اجتماعية وخدماتية وتتابع الأعمال ذات الطابع البلدي، فإن دورها أساسي في إقامة الفعاليات الوطنية، خصوصاً فعاليات ذكرى النكبة في 15 أيار من كل عام، وهي المناسبة الرئيسية التي تحييها دائرة شؤون اللاجئين داخل الوطن وفي الشتات تأكيداً على حق عودة اللاجئين.
أما بالنسبة للظروف التي تعيشها اللجان الشعبية ومخيمات شعبنا في لبنان وبخاصة في الشمال: فلا شك أن المخيمات تعاني ظروفاً غاية في الصعوبة والتعقيد، خصوصاً في ظل القوانين التي تحرم الفلسطيني من حقوقه المدنية والاجتماعية والإنسانية، وفي مقدمتها حق العمل والتمليك وحق بناء منزل يأوي عائلته. لذلك فإن حجم المسؤوليات على الدائرة واللجان كبير، وخلال السنوات الماضية تم تنفيذ عدد من المشاريع بتمويل من دائرة شؤون اللاجئين كان أهمها تأمين أراضٍ لإنشاء مقابر في عدد من المخيمات، إضافةً إلى حل مشاكل الكهرباء والمياه في المخيمات كافة، إضافةً إلى مشاريع تزفيت طرق وغيرها، ومنها ما تحقق في منطقة الشمال. وهناك مشاريع يسعى الدكتور أبو هولي لتأمين تمويل لها، وأهمها إيجاد مقبرة لمخيم نهر البارد.
المحور الثاني: الخدمات والتكامل مع مؤسسات أخرى
2. هل تعتقدون أن اللجان الشعبية استطاعت أن تملأ الفراغ الخدماتي والاجتماعي الذي تركته مؤسسات أخرى، أم أن هناك قصورًا؟ وما أسبابه؟
الحقيقة أن اللجان الشعبية لا يمكن أن تملأ الفراغ الخدماتي في المخيمات لو حدث، لا سمح الله، انسحاب أو تقليص خدمات الأونروا فيما يتعلق بالخدمات الأساسية، لأن دائرة شؤون اللاجئين واللجان الشعبية تعتبران أن الأونروا وُجدت من أجل تقديم هذه الخدمات؛ فهي وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين إلى حين عودتهم إلى ديارهم. لكن في ظل تقليص الخدمات الذي تمارسه الأونروا بحجة نقص التمويل، فإن اللجان الشعبية، إضافةً لمطالبتها الأونروا بأن تفي بالتزاماتها، تلجأ إلى دائرة شؤون اللاجئين لمساعدتها في تقديم بعض الخدمات التي تتنصّل الأونروا عن تقديمها، خصوصاً في التجمعات التي تتهرب الأونروا من واجباتها تجاهها. كما أن اللجان الشعبية تلجأ في كثير من الأحيان إلى مؤسسات غير حكومية (NGOs) للمساعدة في تنفيذ مشاريع تنموية، ولكن كل ذلك لا يلبي الحاجة الكبيرة للمخيمات والتجمعات.
المحور الثالث: التنسيق والعلاقات المؤسسية
3. ما طبيعة العلاقة والتنسيق بين اللجان الشعبية ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة دائرة شؤون اللاجئين؟ وهل هناك تواصل دوري فعّال؟
كما ذكرنا سابقاً فإن دائرة شؤون اللاجئين هي مرجعية اللجان الشعبية، وبالرغم من أن الحاجات كبيرة فإن الدائرة تسعى لمعالجة العديد منها. أما عن العلاقة بين اللجان والدائرة فهي علاقة طبيعية؛ حيث تُقدَّم المشاريع بشكل مهني بإشراف مهندسين ومتخصصين ويتم التنفيذ بشفافية ومتابعة مهنية، وهذا ما يسهل التنفيذ وتقديم الخدمة لمستحقيها. واللجان الشعبية تضم ممثلين عن مؤسسات المنظمة مثل الهلال الأحمر والأمن الوطني والاتحادات، خصوصاً اتحاد المرأة، والعلاقة مبنية على الاحترام والتعاون لخدمة أبناء شعبنا.
4. كيف تصف علاقات التعاون والتنسيق بين اللجان الشعبية والأونروا والمؤسسات الأهلية غير الحكومية، وكذلك مع الجهات الرسمية اللبنانية والمنظمات الدولية؟
اللجان الشعبية على علاقة يومية مع الأونروا على مختلف المستويات، وهي علاقة طيبة على المستوى الشخصي، ولكنها ليست على ما يرام من حيث الشراكة؛ لأن الأونروا لا تستجيب غالباً لمطالب اللجان الشعبية التي تمثّل أولويات اللاجئين بحجة عدم توفر التمويل، وفي الوقت نفسه ترى الأونروا تصرف أموالاً طائلة في مجالات ووظائف شكلية تراها تقلصاً في الخدمات الأساسية.
أما بالنسبة للمؤسسات الأهلية فترتبطنا بها علاقات ممتازة نظراً لأن المعاناة واحدة والهدف واحد، ولذلك التنسيق دائم.
بالنسبة للجهات الرسمية اللبنانية فإن العلاقة جيدة من ناحية الأشخاص والتواصل، ولكن المشكلة تكمن في القوانين التي تحرم اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم كما ذكرنا.
بالنسبة للمنظمات الدولية فإن علاقاتنا توطدت على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية، خصوصاً من خلال المشاريع التي أنجزتها في التجمعات على صعيد البنى التحتية وترميم المنازل وغيرها، وخصوصاً منظمات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمجلس النرويجي للاجئين (NRC)
المحور الرابع: العلاقة مع الفصائل والانقسام
5. ما هو تأثير الانقسام الفلسطيني على عمل اللجان الشعبية؟ وهل تتعاون هذه اللجان مع مختلف الفصائل والهيئات الممثلة في المخيمات، أم أن هناك إشكاليات سياسية تؤثر على الأداء؟
لا شك أن الانقسام له تأثير على عمل اللجان الشعبية، خصوصاً أن هناك من يريد أن يسقط المواقف السياسية على الخدمات. نحن في اللجان الشعبية نقدم الخدمات لأبناء شعبنا دون تمييز، لكن هناك محاولات دائمة للتعطيل، لكنها تفشل لأن شعبنا بحاجة لمن يقف إلى جانبه ويسعى لحل مشاكله الحياتية. نحن في الشمال لدينا لجان موحَّدة في مخيمي البداوي ونهر البارد، ومع ذلك تجد أحياناً محاولات لمصادرة دورها الخدماتي ومحاولات لإيجاد بدائل؛ وفي هذه الحالة لا بد من التدخل للمعالجة.
6. في ظل التعدد في الأطر واللجان المماثلة داخل المخيمات، كيف ترون العلاقة بين اللجان الشعبية وبين هذه الأطر؟ وهل هناك تنسيق أم تداخل في الصلاحيات؟
نحن لا نعتقد أن هناك تعدداً إطاريّاً بالمعنى البنيوي، وما هو قائم على صعيد محاولات تشكيل أطر موازية للجان الشعبية هو محاولة ضغط سياسي واجتماعي هدفه ضم الأطراف غير المنضوية في إطار المنظمة. نحن من جهتنا على علاقة طيبة مع جميع أبناء شعبنا وفصائله، ولكن المطلوب أن نتوحد جميعاً لخدمة أبناء شعبنا في المخيمات.
المحور الخامس: المشاكل والمعيقات
7. بصفتكم أمين سر اللجان الشعبية في منطقة الشمال، ما هي أبرز المعيقات والمشاكل التي تواجه عملكم اليومي في المخيمات، خاصة في ظل تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟
أكبر المشاكل هي حالة الفقر التي يعيشها أهلنا في المخيمات بسبب تفشي البطالة، والتي تتسبب في تغلغل ظواهر خارجة عن تقاليد أبناء شعبنا، ومنها ظاهرة تعاطي المخدرات والسرقة وأحياناً الإجرام، وكل ذلك بسبب عدم حصول الفلسطيني على حقوقه الإنسانية. بالرغم من أن الفلسطينيين يسعون وراء العلم بكافة طاقاتهم، فإن تحول المهندس إلى بائع قهوة أو الخريج الجامعي إلى عامل نظافة أفقد الأمل لدى الفلسطيني في جدوى التعلم.
هذا بالإضافة إلى أن ملف مخيم نهر البارد لم يكتمل حتى الآن؛ فالمخيم القديم لم تنتهِ إعادة إعمارِه، والمخيم الجديد لم يُعوَّض بعد عن أضراره، والمياه تحوّلت إلى مالحة منذ عشر سنوات، ناهيك عن عدم وجود أرض للمقبرة، وعدم وجود مستشفى، وعدم وجود ملعب. فالمعاناة تتفاقم والأهالي يدفعون الثمن.
المحور السادس: تطوير العمل والأداء
8. ما هي أبرز الاقتراحات التي ترون أنها ضرورية لتطوير أداء اللجان الشعبية في المرحلة المقبلة؟ وهل هناك خطط أو رؤى قيد التنفيذ؟
المدخل الأهم لتطوير عمل اللجان الشعبية هو إجراء الانتخابات لتكون اللجان معبّراً حقيقياً عن مصالح الناس. ثم أن اللجان بحاجة لرفدها بالكفاءات من مهندسين ومتخصصين، وهذا يحتاج إلى إمكانيات مالية (رواتب). ما يجري العمل عليه بالنسبة لإجراء انتخابات للجان الشعبية جيد، ولكن إن لم تُرفَد اللجان بكفاءات ومتخصصين فإن التحسّن سيبقى محدوداً.
المحور السابع: القضية الوطنية واللاجئين
9. في ظل تصاعد العدوان على غزة، وتكثيف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، والضغوط الدولية لتصفية الأونروا وقضية اللاجئين، كيف تنظرون إلى دور اللجان الشعبية في حماية حقوق اللاجئين والتصدي لهذه المؤامرات؟
أولاً، فيما يتعلق بحرب الإبادة ضد أهلنا في غزة والاعتداءات على أهلنا في الضفة والقدس، نقوم بشكل يومي بفعاليات تضامنية ونشجّع إخوتنا في بلاد الاغتراب على إقامة هذه الفعاليات وحشد المجتمع الدولي للتضامن مع شعبنا. ولذلك فإننا نتطلع إلى اليوم الذي تنتهي فيه هذه المعاناة واليوم الذي ينتهي فيه الاحتلال ونعود نحن اللاجئون إلى مدننا وقرانا، وتُقام الدولة الفلسطينية الديمقراطية المستقلة على كامل أرض فلسطين. هذا هو هدف اللاجئين ولسان حالهم في المخيمات
10. ما هي كلمتكم الأخيرة التي توجهونها إلى أبناء شعبنا الفلسطيني في لبنان، وفي الشتات، وفي الداخل الفلسطيني الصامد، في ظل هذه المرحلة المصيرية؟
أولاً، نقول لأبناء شعبنا في غزة والضفة والقدس: إن تضحياتكم وصبركم وصمودكم أمام آلة القتل والدمار والاستيطان سيجبر العصابات الصهيونية على التراجع والانكفاء، وأن ليل الاحتلال وعتمة السجون سينتهي وسيبزغ فجر الحرية والاستقلال. وأهلنا في الشتات نقول: لا تيأسوا من هذا الظلم ومن تخاذل الأمم؛ فكل الشعوب التي قررت أن تتحرّر قد دفعت ثمناً كبيراً، لكنها حققت حريتها، وشعبنا يسير على هذا الطريق — طريق العودة والتحرير والعودة.



