مروان عبد العال: ضد الشَنْفَرَى

من ملف : أنا أقرأ بتوقيت بيروت - جريدة الأخبار
04-12-2022
هكذا تعرّفت بعد فوات الأوان إلى شخصية المُخبِر السرّي، رجلٌ تقليدي تنتابه مشاعر التّعالي أولاً، وثانياً، يتوقع الإذعان السريع من شخص ملاحق، رأيته كيف يُخرج الصحيفة من جيبه يقرأ ويعلق ليسمع ردود فعلي: «خذ مثلاً هذا برهان مناسب» ومرّ على عنوان في الصحيفة: «طلاق بين زوجين بسبب طاقم الأسنان» يسأل: هل رأيت الإثارة؟ وعنوان آخر: «خيانة في الطابق الثالث» وعنوان أصغر «حديقة الموت»، يحدّق إلى وجهي ويعلق: خبر واقعي وعادي وليس خيالاً مصطنعاً ومفتعلاً، لكنه يُكتب بطريقة تثير القارئ فلا يستطيع كبح جماح نفسه. لكن المخبر عليه أن يتوغّل في معرفة الخبر، فكل كلمة يسمعها هي تقرير قائم على الدقة ليكشف خيوط الحيلة والخداع ودور الإشاعة في التأثير في معنويات الجمهور.
تنّفست الصعداء، لا أعرف ماذا يريد منّي هذا المخبر بعد أن أذاع لي سرّه، وبعد أن أُحيل على نهاية الخدمة، الآن وقبل فوات الأوان، كان الشخص الغامض، لكنه صار دون قناع، لم يحصل على أي اتهام محدّد لي، لكنه جلب ذلك لنفسه، هذا المفوّض قام بالعمل القذر ليس مجاناً، بل مدفوع الأجر، لكنه كان الأذكى، وخاصة أنه فاتني اكتشافه في وقتها، كان يجري خلف صوتي ويسترق السمع لهمساتي، كأنه لم يشبع من دناءة تصرفاته وأدمن تقبيل مؤخرتي. لكنه استسلم أخيراً ولم ينل شيئاً، بقيت هنا، أفعل ما أريد، وعندما أحصل على التقاعد، سأحقق أمنيتي وأشتري قارباً صغيراً وأقضي وقتي أصيد السمك في البحر، وبعدها أحقق أمنيتي بالدوس على قبر بلفور.
فجأه يحدّق إلى عينيّ متفحصاً فيهما انعكاس كلامه، واستأنف: «سمعتك مرة تتحدث في تقرير الحزب عن خطر الوهم وأنك تريد قراءة صحيحة للواقع الملموس، لأنها الحقيقة وليس الخيال، كنت تعني أن الخيال يحمل في داخله احتمال الكذب». وأضاف: سأبوح لك بسر، كانت تصلني نسخة عن مراسلاتك عبر البريد الإلكتروني؛ فتح حقيبته الجلدية وأخرج منها قصاصة ورق، واستأنف حديثه: في تقرير حزبي مرسل لك للنقاش وردت فيه فقرة قمت بقصها:
«ثمّة مسافة هائلة جداً بين تلك الكتلة الرمادية المسماة دماغاً أي مصنعاً فكرياً هائلاً، ولكن هذا الدماغ قابلٌ لكل الاحتمالات الإيجابية والسلبية، وبين تحويله عقلاً يتوقّف عمله أي مخرجاته على مدخلاته من مواد وقواعد أساسية وفرعية». وعلّق: هذا كلام خطير وجميل ومهم.
قلت: نعم كنا نتكلم عن استحضار العقل، وإذا بقي الدماغ معطلاً يمكن أن تتحول الكتلة الرمادية إلى طاقة تدميرية غير مضمونة النتائج، هل يؤذيك هذا الشيء؟
هزّ رأسه وبرم شفتيه معجباً بالتعليق، ولكن أشهد أنه مستوى رفيع في التفكير، وخاصة جوابك على التقرير مقتضب ولكنه قوي وقد أعجبتني جداً.
ذكّرني ما جاء فيه فقد نسيت: ابتسم وقال: ترفض فيه التعويل على الفترة الانتقالية الرمادية.
طبعاً هكذا، لأن لونها الرمادي قد ينتج وهماً، هي الحد الفاصل بين مرحلتَي الواقع والخيال وبين حلم اليقظة والمنام، لا يمكن أن تعيش في مرحلة انقضت ولا تستطيع الدخول في المرحلة الجديدة، هذا كذب على الذات.
الجواب فتح شهيته على الكلام، فأكمل قائلاً:
«هيا نتكلم يا عزيزي لم يعد لنا إلا الحقيقة البسيطة، ليست مثيرة ولكنها قضايا مهمة، فالقضايا تكون عظيمة إذا كانت أكثر قدرة على ربط السبب بالنتيجة، هل تعلم شيئاً؟ لقد علّمتني التجربة أن القضايا العظيمة تكون كذلك ليس لأنها معقّدة وضخمة بل لأنها سهلة وبسيطة».
آه.. أنت جاسوس محترف لذلك تتلصّص على خصوصياتي؟
لا تنفعل، تمنيت لو كنت جاسوساً، لأحفظ نقاء اللون الأبيض من سائر الألوان.
فهمت، مجرد فضوليّ أو عجوز يقتله وقت الفراغ، يريد أن يتسلى ويقضي ما تبقّى من عمره على ما بدأ، أو شخص ثمل غير متوازن أدمن تعاطي الخمرة، وصار يتحدث بدون رقيب ذاتي.
كنت مفوضاً في المباحث الفيدرالية، هذه رتبة شرف وأنا لست خائناً، بحثت عن الخونة لأنني أكرههم، أعرف أنك لا تعلم أنّ الجاسوس درجة أرقى من درجة المُخبر.
إذاً تراقب تحركاتي في الأمكنة، أنا في منتصف العمر تقريباً، قضيت نصف عمري هنا، غير مرّة كنت قد قررت الانسحاب من صخب هذا العالم، لكن عدت لأن الرسالة الإنسانية مثل الحب لا يمكن أن أتخلى عنه بسهولة.
أبداً لقد بلغت من العمر ما يكفي كي أشعر بالملل وخاصة من وظيفتي التي أرهقني، مفوّض في مكتب المباحث الفيدرالي، وظيفتي ممتعة أن لا تغيب عن بالي أبداً. وأيضاً كان حجم الراتب مغرياً يناسبني وعمل بهجة الاختبار والبحث وسهولة أفضل من غيره، وأنا مثلك أقوم بتأدية مهمة إنسانية.
ولكن التقاعد أجبرني على الانتساب إلى نادي الضباط المتقاعدين، كما يفعل بعض زملائي في المهنة، لكنني آثرت فكرة تأدية مهمة تطوعية من أجل المهاجرين الذين انقطعت بهم سبل الحياة في الجزيرة.
عموماً لم أطّلع في حياتي على تفاصيل هذه الوظيفة، ولكن لا أفهم ما الذي تعنيه بالرسالة الإنسانية؟
تماماً مثل رسالتك، تكون إنسانية إذا كانت غايتها كذلك؛ أنت غايتك البحث في الكيمياء الحيوية لإيجاد علاج الإنسان من الأوبئة، أما أنا فغايتي منع حدوث كارثة تهدد حياتنا جميعاً، من المؤكد سيرفضون توظيفك لو تقدّمت للعمل فيها – وإن كانت الحكمة هي المشترك بيننا، قالها ساخراً.
الحكمة؟! سألته مستغرباً.
كشف الجواسيس، فضح الهجناء هذه مهمة إنسانية تعبّر عن الحكمة، لأنك عندما تكشف عن وجهه المخبأ تكون قد أمّنت نفسك منه، وأعدمته دون رصاص، هل ترى كيف يختلط الطب بالأمن، والدواء بالمال، واللقاح بالسلاح، والانضباط الطبي بالعسكري، ما الفرق بين النظام الصحي والنظام العسكري، الحرب واحدة والهدف منع البشرية من الانحدار، لوى رقبته إلى الأمام، وأخرج الغليون من فمه، تعبيراً عن رضى بأن ما قاله قد دخل رأسي وربما أقنعني، وعادة يستخدم سيف القانون إن حاولت التمرّد.
لو سألتك مجرد سؤال؟
بحيث لا يمس أمن البلاد، قالها بين الجد والمزاح.
الجنرال الذي أحيل على التقاعد، صار يبحث عن حُرية بلا قيود رسمية، حرية كان يحلم أن يتحرّر فيها من قهر الوظيفة، من قمع إنسان آخر، كيف يمكن أن يكون الإنسان حُراً وهو يهدر حياته مقيداً بملاحقة إنسان آخر؟ تباً لهذه الحياة التي لا يشعر كيف ومتى يعيشها وهو مقيد بوقت شخص آخر، لن يتحرر منه بغفلة من الزمن، تدركه لحظاتها الجميلة دون حسبان، وبعضها كان بالنسبة إليه بلا معنى وليس ذا أهمية، سابقاً قتله الشيطان في التفاصيل، واليوم يبحث عن بقايا الملاك في التفاصيل؛ تذكرت عندما جلست، تنحنح وقال: اسمع، قد يصيبني اكتئاب، ليس بفعل هذا المطر الكئيب المنهمر بغزارة كما يظهر من زجاج النافذة، فقط لأنك لا تثق بي، ولم تصدقني، وبمجرد أن يساورك أدنى شك أنني رجل مخمور أقل من خيال ينبعث من المرآة، أو شخص مخبول، لأن صورته باهتة مثل عجوز مصاب بالزهايمر، كما في بداية كل علاقة جديدة، يكون الحديث مهذباً ومشذباً ولبقاً.
باح لي أن باب الهجرة فتحته السلطات بعد دراسات وأبحاث معمّقة، مفادها، تحقيق هذا الهدف بعد خمسين عاماً، ولكن تمكّنت من تقصير المدة، وتحقيق الأمر بخمسة وعشرين عاماً أي بنصف المدة، قلت في نفسي متوجساً وبعد عشر سنوات سيكون الوضع مخيفاً، الوضع أخطر من حرب، الموضوع يمس الوجود، بشكل مرعب.
أضاف: لقد حصلنا على إذن من وكالة المخابرات العالمية باستعمال هذا اللقاح، كنّا أول من استخدمه لذلك صار لقاح شلومو حصرياً لجمهورية شلومو. نريد أن نحمي بلادنا من الهويات المتصارعة من جائحة قد تقضي على ثقافتنا. كيف نبني وطناً متعدد الألوان، يحتفظ فيها كل فرد بهويته الإثنية، هذا غير ممكن، نريد مواطناً باللون الرمادي، الذي له حيّز كبير في حياتنا، لا يمكن أن نكون سوداويين أو مثاليين بل لكل منهما نصيب في حياتنا، وهذا المزيج مثل معلبات السبع دول، خليط ولكن في نهاية المطاف نريد أن يكون لنا طعم ومذاق واحد، هوية «شلومو» فوق كل الهويات.
بعد أن خيّم الصمت، قطعته بسؤال:
هل كنت تعرف أنني كنت أشك في وجود شخص يراقب مكالماتي الهاتفية؟
ليس دائماً، خاصة عندما تختلف نبرة الحديث ويصبح بعضه كأنما هناك شخص ثالث.
لم نعد نحتاج إلى حافظة الذاكرة، طالما أن وراء كل شخص مثلي جنرالاً ومفوّض مباحث محترفاً أقلّه صار لدي هوية موازية، احتياطية، لذلك لن تضيع، شرط أن يصونها بأمانة، ولا يتلاعب بها، وما يدعو إلى السخرية، أن يكون وراء كل ذاكرة منسية مفوّض سري!
رُبّ ضارة نافعة، وأطمئن نفسي أقلّه، أن مكتب المباحث الفيدرالي صار يحفظ لنا ذاكرتنا ويحميها من النسيان، لن يضيع لنا سر بعد اليوم، ولن يفرط في أي تفصيل أو خصوصية، لن ينقص منها شيئاً، حتى لو نسيت بعضها، سيذكرك هو بها، هكذا بأقراص مدمجة.
بعد أن فرغت كأسه، نظر إلى فوهة زجاجة النبيذ وحاول أن يصب بضع قطر ات، ليحتسي آخر نقطة حمراء فيها، متأملاً حركة أصابعي وهي تنقر على الطاولة، ولأقطع عليه المشهد.
لست بحاجة إلى صداقتك. جولات التفاوض غير المتكافئة والعبثية، قلما تصل إلى نتيجة، لم أعرف ماذا يعني لك هذا النوع من الصداقة؟ كيف يكون الصديق عدواً سابقاً؟ بعد أن فشل لقاح حكومتكم في النيل من هويتي. «على كل حال أنت صديق موازٍ بالتكليف الرسمي». هكذا قرر الجنرال وبدت عليه علامات الاطمئنان فأضاف:
أدهشني ما قمت به في نهاية فصل الصيف، والذي دفعني لأعترف لك بما قمت به ضدك. خاصة لاهتمامك الكبير وقدرتك الهائلة على تنظيم المهرجان السينمائي الذي تقيمه سنوياً في دار الأوبرا. كنت أعتقد أن هناك دولة ما تدعمه، أو جماعة تقدم لكم مالاً، خاصة أنه يلقى اهتماماً واسعاً من قبل الناس.
أتريد أن تعرف سر مناعة هويتي، لأن هويتي كل الذين يشبهونني، من سكان المخيمات والأحياء المهمشة، وضحايا حروبكم، أبناء الموت والحصار والعذابات والدمار؛ وما تظهره عدسات الكاميرا وتوثّقه من حقائق وظروف وحالات القهر واللحظات المؤلمة والتجارب القاسية والذكريات والخدوش. هذه الهوية أكثر تفاعلاً ودعماً من الدول المانحة، الهوية التي تُحرّك ضمير العالم كي يصغي إلى صوت الضحية.
صحيح سمعت خطابك بالأمس عند افتتاح الدورة التاسعة عشرة لمهرجان الأرض الدولي للسينما التوثيقية. ولكن بدون مجاملة كان نشاطاً باهراً.
السينما تكون باهرة، عندما نرجو منها ما نريده من الأدب والفن: أن ترشدنا إلى المناخات والخيارات البديلة، أن تشكل طرقاً أخرى ومسارات بديلة، أن تصوغ من الخيال طاقة وشعوراً مغايراً.

* مقتطفات من رواية «ضد الشَنْفَرَى» (دار الفارابي) لمروان عبد العال الذي يوقّعها يوم الأربعاء 7 كانون الأول بدءاً من الرابعة عصراً.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1