همسات من الذاكرة- أحمد العكيدي

العربي الجديد
24-07-2022
دخل البلدة والليل قد جثم في مجثمه وفرد أجنحته المظلمة على ما فيها من أشجار وحقول وبيوت وكل جامد منها ومتحرك. فتح باب الغرفة بهدوء واشتياق كبير. تجوّل بين أثاثها المتهالك وقلبه يخفق بسرعة تكاد تقذفه خارج صدره. كل شيء كما تركه مند رحل متلهفًا ومتطلعًا إلى عالم آخر.
أخذ مفكرته الرمادية ونفض الغبار عنها، وضمها إلى صدره قليلًا، ثم بدأ يتفحصها باهتمام كبير كمن يفتش عن شيء ثمين في كومة من المتلاشيات.
ـ أتعدني يا حبيبي.. ألا نفترق أبدًا؟
استرجع آهات اللحظة وأوجاعها، أفراحها ومسراتها، حلوها ومرها، وكل ما كان يحيط بها وما زال، ترنح قليلًا فتماسك، ثم تراجع خطوتين حتى اصطدم بكرسي خشبي يتناثر فوقه التراب وتنخر هيكله الديدان، ارتد جسمه فوقه بقوة كقطعة أثاث سقطت لتوها على الأرض، تلمس ما تبقى من غطائه الجلدي الناعم؛ فرحلت به اللمسات إلى تلك الأيام واللحظات الجميلة، سافر بين أحضان حبيبته، وداعبت سمعه ألحان قيثارتها الحالمة، وعانقه دفء قلبها العاشق.. هز رأسه يمينًا ويسارًا عله يتخلص من هذا البؤس الذي لا ينفك يطارده في كل حين ومكان.
ـ يا ليتني لم أعد! حدَّث نفسه.
رمق النافدة بعينين غائرتين؛ فاستقر أمامه جسدها الجميل وهي تنط بخفة إلى داخل غرفته البئيسة، متخفية عن عيون المتطفلين، تساءل مستنطقًا ماضيه:
ـ ما الذي جعلها تفعل كل هذا من أجلك أيها البائس؟ ما الذي جعلها ترفض أفضل زوج، مالًا ونسبًا وهيئة وحتى خلقًا...؟
يتصبب عرق وفير من جبينه، وتختلط رائحته برائحة نتنة تنبعث من الفضاء. همّ بالخروج هاربًا من ذاكرته التي تلاحقه، لكنه تعثر بطاولة بالقرب من الباب؛ فسقط من فوقها تمثال خشبي لعروسين وانشطر إلى قسمين. التقط العروس بين يديه ورحلت به من جديد إلى براثن الأطلال الأليمة.
ـ تفضلي يا نور حياتي، هذا عريس يطوق عروسه، أنا وأنت لن نفترق أبدًا مثلهما...
نظرت إليه بلهفة، ثم احتضنته كأم تحتضن طفلها، وذرفت فوق صدره دمعة ساخنة لم يعرف سببها.
بدأت الأرض تموج من تحت قدميه، والكآبة تسيطر عليه وتكتم نفسه، نزع بدلته الباريسية ورمى بها بعيدًا، أرخى ربطة عنقه بعدما كاد يختنق، نهض بصعوبة عن الأرض، واستند إلى الجدار، وبدأ يزحف كالرضيع إلى أن وصل إلى عتبة الباب، تأمل حاله فذرف دمعات ودمعات.
ـ أرجوك.. بلاد الأجانب تبتلع أهل البلد، ابق معي، لقد قبل أبي زواجنا.. لا تغادر...
ثم سكبت العبرات بحرارة حتى ابتلت ملابسها والتصقت بصدرها.
التفت حوله فإذا بالعريس الخشبي مرميًا على مقربة منه، قذف به بما تبقى لديه من قوة حتى تكسر على الجدران، وتطلع يائسًا إلى السماء، وأفرج عن آلام لم يعد يستطيع صدها:
ـ الآن، فهمت سر دمعتك الساخنة عند لقائنا الأخير.

(المغرب).


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1