أحاصرُ شبحًا يحاصرني.. "أبو منصور" الرفيق الذي طارد الاحتلال في جبال الخليل- أحمد بدير

بوابة الهدف الإخبارية
12-07-2022
صادف يوم أمس، العاشر من تمّوز/ يوليو، ذكرى استشهاد القائد الفلسطيني المناضل اسعيّد سلامة أبو خوار السويركي "أبو منصور"، قائد قوات الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في الخليل، حيث ضرب رفيقنا مثلاً رائعًا في المباغتة والاختفاء، كان مقاتلاً شرسًا في حرب العصابات، حيَّر الاحتلال وأعوانه، إذ كان بطلاً من أبطال الحرب الشعبيّة، وساعده في ذلك أنّه كان راعيًا للأغنام وعاش قبل قدومه طفلاً إلى الخليل بين قبيلة عرب السواركة من مدينة رفح جنوب قطاع غزّة، وورث بذلك كل معاني الصبر والتحمّل التي تُميّز البدوي الفلسطيني الأصيل، وكبُر وترعرع في الخليل وتزوّج من بيت القواسمي وعاش بينهم.
الرفيق "أبو منصور" تنسجُ عنه الحكايا إلى يومنا هذا، كيف لا وهو من كبَّد العدو الصهيوني خسائر لا تُعد ولا تُحصى، وقد يكون هو أوّل من استخدم قاذف الـ"أر. بي. جي" في إحدى عملياته العسكريّة في الأرض المحتلة، فيما عمل مع أبو منصور عشرات المقاتلين والمجموعات السريّة التي حكمت الخليل تحت قيادته، والتي قابلت "بوابة الهدف الإخباريّة" عددًا من الذين خاضوا التجربة وعايشوا هذه الحقبة للحديث عن هذا الرفيق الصلب، وما تركه في نفوس أبناء شعبنا وكل من عرفه في تلك الفترة الذهبيّة من تاريخ قضيتنا الوطنيّة.
خلال إعداد هذا التقرير تبيّن لنا أنّ هناك العديد من المغالطات المنشورة عن الرفيق "أبو منصور" في فضاء الانترنت، منها حول طريقة استشهاده، وأخرى عن بعض تفاصيل حياته، والتي وجب تصحيحها وتوضيحها للجمهور خاصّةً حول عملية استشهاده صباح يوم الجمعة 10 تموز/ يوليو الساعة السادسة والنصف صباحًا في العام 1970، فمن هو العميل الذي وشى برفيقنا أبو منصور وماذا فعل به الثوّار؟، وما هي قصّة تجهيز "أكلة المقلوبة"، وقصّة الخيانة والجمل صاحب الرأس المكسور!، وقصّة مُحاكمة زهرة القرنبيط؟.
عماد قطينة، أحد الرفاق الذين عايشوا مرحلة الرفيق "أبو منصور"، تحدّثنا معه مطولاً حول الشهيد الذي كان الأساس في انتمائه للجبهة الشعبيّة حين كان في ريعان شبابه ويعيش بين أوساط أسرةٍ قوميّة ناصريّة، وبعد أن كانت قيادة الجبهة الشعبيّة مطارَدة في الأردن ويُضيَّق الخناق عليها، ازدادت وتيرة العمل الفدائي في الأرض المحتلة بعد هزيمة حزيران في العام 1967، وبالتحديد مع بداية العام 68 أخذ العمل الفدائي منحى آخر، وفي مدينة الخليل على وجه الخصوص كان التنظيم الأكثر حضورًا وإيلامًا للعدو هو الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين بقيادة الرفيق الراحل عبد الرحيم جابر "أبو أيمن"، حيث أسّس وقاد التجربة آتيًا من حركة القوميين العرب وأبطال العودة، وحينما أعلنت الجبهة عن انطلاقها كان من خلال عمليتين فدائيتين مميزتين، إحداهما عملية قصف مطار اللد باستخدام قواذِف الهاون، والأخرى من خلال ما سُمي بـ"ليلة القنابل"، حيث تم تفجير مجموعة من القنابل في مدينة القدس وفي "تل أبيب" وعلى أساسها طورد الرفيقان عبد الرحيم جابر وأبو منصور الذي تولى القيادة العسكرية للجبهة الشعبيّة التي وجد فيه المكان المناسب لتفجير طاقته الثوريّة خلفاً لعبد الرحيم الذي وقع في الأسر جريحًا إثر اشتباك مع الاحتلال ارتقى فيه أيضًا الرفيق موسى الرجبي شهيدًا.

يقول قطينة: "معرفتنا بالرفيق أبو منصور جاءت من منطلق المعايشة القريبة أولاً، ومن خلال العمليات البطوليّة التي كان ينفّذها في الخليل ثانيًا، وخاصّة أنّ بيتنا كان قريباً من مقر مهبط طائرات الاحتلال، وفي كثير من الأحيان كنّا نشاهد بأم أعيننا عمليات نقل القتلى والجرحى في صفوف جيش الاحتلال، ومّما أذكره أنّه في إحدى المرّات تم إطلاق قنابل يدويّة على المستوطنين عند مدخل الحرم الإبراهيمي وعندما شاهدنا عمليات الإجلاء أحصينا 47 إصابة، وبهذا الشكل كانت الأجواء دائمًا في الخليل ترفع معنوياتنا على الدوام".

يُتابع قطينة: "هذه الفترة المشرّفة استمرت من عام النكسة وحتى عام استشهاد أبو منصور في العام 1970، وبقي من مجموعة أبو منصور ثلاثة رفاق مطاردين في الجبال واستشهد أحدهم وتم أسر البقية في العام 1971 ومنهم الرفيق محمود جراد القواسمي "أبو جميل" والمُلقّب بـ"الضبع"، وليس صحيحًا أنّه استشهد في معركةٍ إلى جانب أبو منصور. الحقيقة أنّه أسر واستشهد معه الرفيق موسى الرجبي، وحُكم الرفيق "أبو جميل" بالمؤبد وأمضى 28 عامًا وأفرج عنه بعد مجيئ السلطة الفلسطينيّة عام 1994 ورحل عن عالمنا فيما بعد نتيجة كِبر سنه، لذلك دائمًا نقول أنّ الميّزة في الرفيق أبو منصور التي لا يلتفت لها أحد أنّه لم يستشهد معه أي رفيق في كل عمليات الاشتباك التي خاضها وهذا يثبت الحنكة والخبرة والذكاء وأهليته للقيادة، إذ كان دائمًا يقدّم نفسه على الجميع ويحميهم ويُغطّى عمليات الانسحاب بنفسه، أمّا من استشهد معه فهو الرفيق عبد المنعم الجعبري الذي اُغتيل معه اغتيالاً، والميّزة الأخرى وهذا ما يجب أن تعرفه الأجيال أنّ كل عمليات أبو منصور كانت عبارة عن اشتباكٍ مباشرٍ مع قوات العدو، ومع استلامه القيادة، تصاعدت وتيرة العمل الفدائي أكثر وبنوعيةٍ أكبر فرضت على العدو التحرّك بأرتالٍ من المصفّحات والمدرّعات التي تستخدم الكشافات القوية وتحمل مدافع هاون والرشاشات الثقيلة والمحصّنة بأكياس الرمال، والحقيقة أنّ أبو منصور هو من كان يُطارد الاحتلال وليس العكس، وهو من فرض على جيش الاحتلال التحرّك في الخليل من خلال هذه المدرعات المُحاطة بأكياس الرمال وكأنّها خنادق لحماية أنفسهم من عملياته، وفي إحدى العمليات قرب مستشفى "عالية" أو قرب مكتب التربية إلى جانب البريد أطلق أبو منصور قذيفة (b2) آر.بي.جي 2 على إحدى المدرّعات وشاهدناها تحترق وأعقب ذلك اشتباك مسلّح، وفي ذات الموقع أيضًا شاهدنا على ما يُعرف اليوم بدوار ابن رشد إطلاق نفس نوع القذيفة على دوريتين لجيش الاحتلال وأيضًا أعقب ذلك اشتباك مسلّح أصيب فيه أبو منصور، ومن باب الإنصاف فإنّ الطبيب الراحل عبد الحفيظ الأشهب هو من عالج أبو منصور، وكان هذا الطبيب وطنيًا من الطراز الأوّل، وفي عملية ثالثة أطلق أبو منصور النار على مقر المقاطعة من الجبل المقابِل لها، وهناك أيضًا عملية كبرى حدثت في منطقة "راس الجورة" حيث كان هناك رتلاً من سيارات العدو نصب الفدائيون كمينًا محكمًا له وقامت مجموعة الاقتحام بإلقاء القنابل على السيارة الأولى في الرتل والسيارة الأخيرة التي كانت تحمل الذخائر والأسلحة فحدثت انفجارات ضخمة وسقط عدد غير بسيط من القتلى في صفوف العدو، وعقب ذلك وكعادته هدم الاحتلال المنزل الذي نُفّذت العملية من محيطه وكان لعائلة بدران، لذلك كان أبو منصور رفيقًا وقائدًا عسكريًا جسورًا، وطورد هذا المبدع لثلاث سنواتٍ في جبال الخليل كان فيها مع رفاقه الحاكم الفعلي لمدينة الخليل في الليل والمُطارِد لقوات العدو ونفّذ المئات من العمليات البطوليّة التي أوجعت العدو.
قصّة تجهيز "أكلة المقلوبة"
نُشير هنا إلى أنّه رُوي على لسان الرفيق بدوان الجعبري، أنّ أبو منصور طلب منه ومن رفاقه في أحد الأيّام مهاجمة موقع عسكري أمام مدرسة ابن رشد، حيث أصيب الرفيق الجعبري في يده، كما كان الرفيق الراحل محمود عبد الهادي أبو شرخ من الذين رافقوا أبو منصور في هذه العملية، واعتقل لاحقًا وحكم بالسجن 15 عامًا، حيث كان حلقة الاتصال مع قيادة الجبهة الشعبيّة في الأردن وكان مطلعًا على كل صغيرةٍ وكبيرة، ويلفت إلى أنّ أبو منصور طلب منه تجهيز "أكلة المقلوبة" الأكلة التقليدية الفلسطينيّة الشهيرة، حيث كان لا يطلب مثل هذه الأكلات إلّا عندما يكون مُقبلاً على عمليةٍ نوعيّة، وبعد أن جهّز هذه الأكلة، سمع صوت الرشاش فكان أبو منصور قد رصد مجموعة عسكرية من قوات الاحتلال كانت يوميًا تأتي إلى مكانٍ يدعى "عروض فراح" ويتدربون ويستمعون إلى شرح ضابطهم ففتح أبو منصور النار عليهم بشكلٍ مباشر.
نعود إلى الرفيق قطينة الذي أكمل بالقول: "من بطولات الشهيد ذات مرّة أنّه كان ينتظر حضور باقي أفراد مجموعة التنفيذ لعمليةٍ ضد تجمّعٍ لوحداتٍ عسكريةٍ صهيونيّة على مفترق بيت عينون. هذه الوحدة الصهيونية حضرت مبكرًا وتأخّر الفدائيون، وبسبب حركةٍ مشبوهةٍ لأحد جنود الاحتلال أراد التبوّل فاقترب من مخبأ أبو منصور الذي اعتقد أنّ أمر الكمين انكشف فبادر أبو منصور منفردًا بإطلاق النار من سلاح "دكتريوف" كان يحمله وأوقع العديد من جنود الاحتلال قتيلاً وجريحًا وهم في وضع المتفاجئ والمصدوم، وبالفعل تمكّن أبو منصور عقب ذلك من الانسحاب بسلام في عمليةٍ هي الأقسى في ذلك الوقت، ومن الطبيعي أنّ الرفاق حين سمعوا صوت الرصاص خلال الاشتباك وهم في الطريق إلى نقطة التجمّع، حاولوا الدعم ولكنهم تفاجئوا بأبو منصور يلتقيهم في الطريق ويطلب منهم العودة على عجل، وأيضًا من إبداعات أبو منصور أنّه كان يستلم السلاح من المنفذين غير المطاردين بعد انتهاء العمليات، ويخفيه بنفسه بعيدًا عن معرفتهم، مما حرم العدو فرصة الحصول والاستيلاء على أسلحتهم حتى لو اعترفوا في التحقيق جرّاء عمليات القمع والتعذيب، كما أنّ أبو منصور لم يكتف بقتال العدو بل كان أيضًا ملجأ للعديد من المطاردين من غزّة الذين شقوا طريقهم إلى الأردن".
يُتابع: "أبو منصور لم يكن جيشه بعض الرفاق المطاردين، ولكن كان لديه أعداد رديفة تعمل في السر على استطلاع تحرّكات العدو وتزوّده بكافة المعلومات الأمنيّة، إضافة لمشاركة هؤلاء الرفاق في العمليات التي لها صلة بمعرفتهم الجغرافيّة لمناطق التنفيذ، وقد تميّزت عملياتهم بالجرأة والإقدام والاشتباك المباشر مع الأهداف العسكريّة للعدو بالقنابل والرشاشات الخفيفة ومضاد الدروع الوحيد الذي امتلكته المجموعات المطاردة، وبالطبع كان للشهيد رفاق قادة جسورين وملهمين من ذات الطينة مثل عبد الرحيم جابر، ومحمد شرف، وحسين دلال القواسمة "أبو داوود"، وفوزي جابر، وأبو العبد البوطي، ومحفوظ المحتسب، وياسر جنيد، وغيرهم الكثيرين من الرفاق، ممن مثّلوا صمام أمان للتجربة؛ جلّهم رحل إلى الحياة الأخرى وغيرهم لا نستطيع ذكر أسمائهم".
قصّة أبو منصور وزهرة "القرنبيط"
أردف قطينة بالقول: "كنّا نشعر في الخليل برهبة الفدائي وسيطَهُ الذائع بين أبناء المدينة مما أكسبه حبهم واحتضانهم ومساعدتهم، وأبو منصور بالطبع لم يكن مجرد مقاتلٍ بل كان قدوة في الأخلاق والسلوك، وفي موقفٍ من المواقف جاء رفيق مطارد يحمل زهرة من (القرنبيط) إلى إحدى نقاط اللقاء أو المخابئ داخل الجبال، وحين سأله أبو منصور عن مصدرها أجاب الرفيق بأنه أخذها من حقل مزارعٍ دون إذنٍ من هذا المزارع، فأمره بإرجاعها على الفور، وعقد له محاكمة أمام الرفاق كسارقٍ لا يُراعي حرمة ومصالح شعبه. أبو منصور الأمي كان معلمًا ومربيًا ومدرسة فرضت نفسها بتجربة القتال في الجبال، واستمر رغم قلّة الذخيرة والعتاد والتمويل مع إحكام إغلاق الحدود مع الأردن، ورغم الاعتقالات التي طالت العشرات من عناصره وعيونه ومساعديه وغالبيتهم من رعاة الأغنام، استمر يوقع العشرات من قوات العدو وهذا ما دفع جيش الكيان لرصد مكافأةٍ ماليةٍ لمن يدلي بمعلومةٍ أو يُساهم في القبض عليه أو اغتياله، رغم أنّ الصدفة وحدها ساهمت يومًا في هروبه من قبضتهم بعد أن كان معتقلاً ولم يكن مُشَخّصًا لهم رغم وجود اعتراف، قبل أن يصبح مطاردًا من تلك اللحظة في بدايات عام 1968".
الخيانة.. وقصّة الجمل صاحب الرأس المكسور!

في هذه السطور يتبيّن أنّ رفيقنا أبو منصور ارتقى شهيدًا جرّاء عملية وشايةٍ جبانة، إذ أنّ شخصًا باع نفسه رخيصةً لجيش العدو ليُوقع بأبو منصور ورفيق آخر في كمينٍ غادر، يُتابع الرفيق قطينة: "بعد سنواتٍ من البحث والتآمر وتجنيد العملاء أو الإسقاط لبعض المنتمين للعمل الفدائي، تمكّنت مخابرات العدو من إسقاط وربط المدعو نعيم جبرائيل وتغلغله ووصوله للحلقة الضيقة ولكلمة السر ومن ثم الالتقاء بأبو منصور في بيت عينون في إحدى السير "عريشة"، حيث كان برفقة الرفيق عبد المنعم الجعبري والرفيق في حينه ميسرة البكري المكلّف بإيصاله لأبي منصور. وكانت السيرة تعود لدار أحمر.

يقول قطينة: كانت كلمة السر للقاء أبو منصور ليست كلاميّة، بل شيء ملموس، وكانت عبارة عن جمل مصنوع من الخشب مكسور الرأس، ومن يريد مقابلة أبو منصور عليه أن يذهب لمكانٍ ما معه رأس الجمل الذي كان باللون الأحمر، وإذا تطابق الرأس مع الجسد الموجود لدى الرفاق في هذه النقطة يكون فعلاً هذا الشخص مؤتمن وتتم الموافقة على أخذه لمقابلة أبو منصور، لكنّ هذا العميل جبرائيل استطاع أن يحصل على رأس الجمل وذهب إلى رفاق في محيط الحرم الإبراهيمي وفعلاً تم مطابقة الرأس على جسد الجمل، فطُلب من الرفيق ميسرة البكري الذي كان شبلاً في ذلك الوقت أن يرافقه لمقابلة أبو منصور، وعندما وصلوا كان أبو منصور برفقة الرفيق عبد المنعم الجعبري فقط، وذلك لأنّ أبو منصور كان حذرًا جدًا وصاحب حسٍ أمني ودائمًا يوزّع المطاردين على الجبال وممنوع أن يتجمّعوا في مكانٍ واحد، ولدى وصولهم تحجّج العميل جبرائيل بأنّه يُريد الماء فخرج ميسرة إلى البئر لجلب الماء، وفي الأثناء استغل العميل جبرائيل استراحة المقاتل والثقة به وأقدم على الاستيلاء على سلاح أبو منصور بحجة التعرّف عليه وأطلق النار على أبو منصور وعبد المنعم، أما ميسرة ففر في الوديان وأخذ يلاحقه نعيم بغية تصفيته، لكنّ الاحتلال الذي كان يُحاصر المكان مسبقاً اعتقل ميسرة ونقله إلى التحقيق ليأخذ منه المزيد من المعلومات، فيما راهن العميل نعيم على تصفيته خلال التحقيق. لكن هذا الخطأ كشف حقيقة الاغتيال، حيث أنّه وأثناء وجود ميسرة في السجن سرَّب للرفيق محمود طلب عبد الهادي أبو شرخ الذي كان معتقلاً بأنّ نعيم جبرائيل اغتال أبو منصور وعبد المنعم".

رفيقٌ آخر تحدّثنا معه فضّل أن يظل اسمه مجهولاً. قضى هذا الرفيق قرابة 20 عامًا في سجون الاحتلال وكان أحد الذين قاتلوا مع القائد أبو منصور كتفًا بكتف، حيث بدأ حديثه مع "بوابة الهدف" قائلاً: "كان أبو منصور معلّمي وقائدي والمسؤول عن تنظيمي، وكلّي فخر واعتزاز عندما أتحدّث عن هذا الرجل، إذ كان قائدًا فذًا منقطع النظير"، ثم روى لنا ما حدث في قصّة العميل نعيم جبرائيل.

يقول: "في ذلك الوقت أخبرتنا القيادة أنّه وفي حال انقطاع الاتصال فيما بيننا سنرسل لكم رسولاً أمينًا كاتمًا للسر معه علامة سريّة -رأس الجمل الأحمر المُشار له سابقًا- وكان عنصر التموين الذي يطل علينا بين الحين والآخر ليطمئن علينا في الجبال وينقل لنا الأخبار والرسائل السريّة هو ميسرة وكان اسمه الحركي "خليل"، كان مخلصًا لأبعد الحدود وكنّا نأتمنه على أشياء ثمينة وسرية للغاية، وبعد أن حصل الاختراق وأحضر جبرائيل رأس الجمل واطمأن له ميسرة ووافق على اصطحابه إلى أبو منصور تململ جبرائيل في البداية وأخذ يؤجل الموعد إلى الأسبوع القادم وظلّ على هذا الحال يطلب تأجيل اللقاء لعدّة مرات، إذ كان يهدف من هذا التأجيل إلى صيد أبو منصور وكل مجموعة المطاردين في مكانٍ ووقتٍ واحد، لكن دهاء وحنكة أبو منصور الذي كان يرفض تجمّع أكثر من رفيقين في مكانٍ واحد حالت دون نجاح خطّة جبرائيل الذي أعرفه أنا منذ عام 1954 وكان "حرامي أغنام" ودنيء النفس وهذا يصلح كمدخلٍ مناسبٍ ليكون عميلاً في صفوف العدو.

تفاصيل يوم الاغتيال..

ينقل رفيقنا على لسان ميسرة الذي أخبرهم لاحقًا تفاصيل ما جرى في يوم الاغتيال 10 تموز، يقول: "ذهب جبرائيل مع ميسرة لمقابلة أبو منصور. في الطريق شاهد ميسرة مجموعة من السيارات لجيش الاحتلال تصطف على أطراف المنطقة، وعندما سأل ميسرة جبرائيل ما هذه السيارات وأخبره أنّ الوضع غير مطمئن، ردّ جبرائيل عليه بالقول: "امشي هدول ما بيخوفوا" وعندما وصلا للمنطقة التي كان ينام فيها أبو منصور ورفيقه عبد المنعم الجعبري همَّ جبرائيل لاحتضان أبو منصور بشكلٍ لافت وأخبره أنّه يحبه ومشتاق له كثيرًا، وعقب ذلك طلب جبرائيل من أبو منصور شربة ماء ليطلب الأخير من عبد المنعم تلبية الطلب ليتدخّل جبرائيل في وسط الحديث ويقترح أن يذهب ميسرة لجلب الماء من البئر، وما أن وصل ميسرة وأنزل دلو الماء في البئر بدأ إطلاق النار، إذ أطلق جبرائيل النار بشكلٍ مباشر على الرفيق اسعيّد السواركة "أبو منصور" وعبد المنعم الجعبري وارتقيا على ثرى الخليل على الفور وصعدا إلى علياء المجد، وعلى الفور هرب ميسرة ناحية الوديان وكروم العنب والتين واستطاع الهرب من جبرائيل الذي كان يُطارده بهدف قتله وقتل الحقيقة بأكملها كي لا يخبر أحدًا عمَّا رأى ويفضح أمر الخائن جبرائيل".
يُكمل: "في هذه اللحظة كنت أنا والرفيق محمود جراد من المطاردين ونختبئ في إحدى مناطق حلحول بالخليل، وبعد أن شاهدنا جنود قوات الصاعقة التابعة لجيش الاحتلال يرتدون الزي الصحراوي وينتشرون في كافة الأماكن فضّلنا الانسحاب التكتيكي لقلّة عتادنا وكثرة عددهم، وبالفعل انسحبنا من خلال التخفّي بين كروم العنب، وشاهدنا طيارة هليكوبتر تحوم في المنطقة، ونحن في هذه اللحظة لم نكن ندري ماذا حصل لأبو منصور وعبد المنعم، وعقب ذلك أخذنا نتنقّل بين عدّة أماكن إلى أن جاءت أحداث أيلول في الأردن وضُيّق الخناق على الثورة الفلسطينيّة وأغلقت الحدود وانقطع التواصل إلى حدٍ كبير وقلّ عتادنا وتوقّف الامداد والتواصل، وفي تاريخ 25/8/1971 ألقي القبض على الرفيق محمود، وبقيت مطاردًا وحيدًا حتى تاريخ 7/2/1972 وحوكمت بـ6 مؤبدات و45 عامًا، وخرجنا في صفقة تبادل الأسرى التي أبرمتها الجبهة الشعبيّة – القيادة العامة في العام 1985، وفي تلك الأيّام كانت الظروف سيئة للغاية وأصبح الخناق يضيق وهدأت نار الثورة بفعل الهجمة المسعورة من كافة الجهات على الفدائيين آنذاك.
وأضاف قائلاً: "أمَّا الرفيق ميسرة فقد اعتقل خلال عملية التخفي والهرب وتم نقله إلى المعتقل، ومن شدّة غبائهم لم يضعوه في زنازين التحقيق المنفردة بل وضعوه مباشرة في أقسام الأسرى المختلطة، وفور دخوله للمعتقل سأله الأسرى ما الذي جرى؟ فقالها على رؤوس الأشهاد: العميل نعيم جبرائيل اغتال الرفيق أبو منصور والرفيق عبد المنعم الجعبري في جبال الخليل بالتنسيق مع جيش الاحتلال، وردّ على هذا الكلام أحد الرفاق الأسرى قائلاً لميسرة: خذ وقتك اليوم لترتاح وغدًا سلّمني جميع تفاصيل ما حدث فأنا خارج من المعتقل بعد يومين "وبس أطلع بيصير خير"، وفعلاً ميسرة اعتقل يوم الجمعة وهذا الرفيق كان موعد الإفراج عنه يوم الأحد، وسلّم ميسرة كل التفاصيل لهذا الرفيق يوم السبت".
اعتقال جبرائيل وتنفيذ حكم الثورة
يُتابع رفيقنا حديثه: "ما علمناه فيما بعد، أنّ العميل جبرائيل جرى استدراجه إلى الأردن، وهو على جسر الأردن طالته يد الثورة وتم خطفه وأخذه إلى إحدى القواعد في الغور، ومع اشتداد المعارك في أحداث أيلول وخوفًا من هربه من المعتقل تم أخذ العميل جبرائيل إلى ساحة مُخيّم الوحدات للاجئين الفلسطينيين وتنفيذ حكم الثورة بإعدامه في نفس شهر استشهاد أبو منصور عام 1970، حيث جرى إعدامه أمام الأمّة رميًا بالرصاص ليكون عبرة لمن يعتبر بعد أن مدّ يده على قائدٍ أوجع العدو الصهيوني مئات المرّات كأمثال أبو منصور الذي يحتجز الاحتلال جثمانه إلى يومنا هذا، ورفيقه عبد المنعم الجعبري"، يختم رفيقنا الذي ائتمنه القائد أبو منصور يومًا ما خليفةً له في القيادة وأبلغ قيادة الجبهة في الأردن بهذا القرار آنذاك، حسبما قال لـ"بوابة الهدف".
بعد استشهاد الرفيق "أبو منصور" بيوم واحد، علم بذلك الأديب الشهيد غسّان كنفاني وهو في المؤتمر الصحفي الذي أعلنت فيه الجبهة الشعبيّة عن خطف طائراتٍ وتوجيهها إلى مطار الثورة بعمَّان في أيلول العام 1970، قام غسّان خلال المؤتمر بتعليق صورة الشهيد القائد "أبو منصور" على لوحة الشرف في خلفية المؤتمر تكريمًا له.
ختامًا، الرفيق أبو منصور جاء استشهاده تتويجًا لمسيرةٍ نضاليّةٍ حافلة، وتأكيدًا لنظرية الجبهة الشعبيّة الثورية، بأنّ العمّال والفلاحين وجماهير الشعب الفقيرة هي مادة الثورة الأساسيّة، وبكل تأكيد كان هناك تجارب كفاحية عظيمة في حرب العصابات ضد الاحتلال لجميع الفصائل، لكنّ هناك تجربتين أساسيتين للجبهة الشعبيّة لا تُنسى، سواء في غزّة (محمد الأسود)، أو في الخليل (عبد الرحيم جابر وأبو منصور السواركة) إلى جانب تجربة البطل باجس أبو عطوان ورفاقه من حركة فتح.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1