أنا كلمة واحدة وقصائد أخرى- أسماء عزايزة

العربي الجديد
11-05-2022
انظر يا أبي

اللغة سريرٌ باذخٌ

وأنا سحلتُ من فرج الحياة

فوق مصطبةٍ قديمة

فبأيّ لغةٍ أكتب رثاءك؟

اثنتي عشرة سنةً وقفتِ الخنساء عند بوّابة المدرسة
رطنتُ خلفها بكلماتٍ مثل ببغاءَ مبتورة اللسان

وكانت كلّما جادتْ عيناها بالدموع
تمشي كائناتٌ بجلودٍ يابسةٍ

في صحراء عينيّ
كلّما نَمَتْ شجرة التوت

نحرتْها أمّي

لئلّا يفلقَ جذرُها السورَ

أيّ لغةٍ

ستفلق حزني عليك؟



قطفتُ الكلمات من ذاكرة الشجرة

عن قوامها الغائب

حرثتُ أرض اللغة من خيال المرج

عن امتداده الغائب

لقّنتني القطط مراثيها

عن الأجنّة الّتي لم تتكوّن في أرحامها

ربطني الموت عند بوّابة المدرسة وطالب بحصّته



أنا كلمةٌ واحدةٌ

تقفز فوق لسانه القصير



أنا كلمةٌ واحدةٌ لا أتبيّنها



سأُلْفَظُ وأنتهي

لكن ماذا أكون؟



لو كان الرثاء مواءً أو ثغاءً لَكُنْتُهُ

لَكُنْتُ حرف نداءـٍ طويلٍ يستدرج أبي

أو أداة استفهامٍ تدلّني عليه



أنا اسمٌ واحدٌ ظلّ في بطن الله

ونسي أن يعلّمه لآدم

أنبئوني بأسماءَ أخرى حتّى أنطق بغيره



اُنظر يا أبي

اللغة سريرٌ باذخٌ

تنام الخنساء فوقه مثل كونٍ نضر



بينما أقف عند زاويته

حيًّا مهجورًا

يصفّر فيّ الصمتُ

وتعبر جسدي

على رؤوس أصابعها

المرثيّات



**



ثورةٌ على جدران فمي



رأيتُ في المنام إصبعًا مجهولةً تزلزل أسناني

فسمعتُ دويّ سقوطها

سنًّا سنًّا



قالت العرب

إن رأيتِها سقطتْ إلى الأرض فهي الموت

إن سقطتْ مقاديمها منعتكِ من الفعل والكلام

وإن سقطتْ كلّها هلك أهلكِ وبقيتِ بعدهم



استيقظتُ فوجدتُ فمي مُغُرًا

صحتُ فامتصّ اللانهائيّ صيحتي المشروخة

نطقتُ فغابتْ لغتي في الحجر

قلتُ ما يهمّني

سأخرج بفمٍ فارغ

لكن بقلبٍ ملآن



خرجتُ فرأيتُ اسمي يستغيث من الغرق

مددتُ له يدي فنهرتني الريح

لا بدّ من اسمٍ جديدٍ للزمن الجديد

حيث صفحات الكتب جميعها بيضاء

أنهرنا مصبوغةٌ بأفكارنا

الثورة حذاءٌ واسعٌ

وأقدامنا صغيرة



أهلي طُفاةٌ على ظهورهم

يلوّحون في طريقهم إلى النسيان



معلّقٌ أبي فوق مشجب الغياب

التاريخ مطفأٌ في ضرسه الذهبيّ

يبتسم كأنّ الحياة كانت مجرّد نكتة

سقطتْ ضحكاتنا وصارت النكتة ثقيلة دم

هممتُ في رثائه

فقفزتِ الفصاحة في قارب الخوف

ثمّ لحقتْها فراخ المعاني المغمضة



هممتُ بقول كلمةٍ واحدة

لا بل نصف كلمةٍ مثل: لو أنّ

"لو أنّ أبي حيًّا

لكنّ أبي ظلّ يموت فوق موته



صرتُ شجرةً على ضفّة النهر

جُزَّتْ جذوري وازرقّتْ ذكرياتي

حلمتُ بأحلامي تسقط من فمي

وتصير في قعر النهر أحفورة

رحل العرب ولم يتركوا لي اللغة ولا التفاسير



رحلتْ حروبٌ قديمةٌ وأخرى لم تحدث

رحلتْ بعد أن سقطتْ أسنانها هي الأخرى

وقيل لها لا خبز لكِ هنا ولا دم

أُكِلَ هذا وتخثّر ذاك



هذا هو العالم الّذي رُفِعَتْ سماؤه

ونُصِبَتْ جباله وثار أبناؤه من أجل العدالة

انظروا إليه

ها هو يمشي مكلومًا فوق جسورٍ لم تُبْنَ سوى في خياله

تنبطح جباله على بطونها

ويهرهر أبناؤه مثل فلّينٍ منشور



لم يبقَ غيري على الضفّة

شجرةً مقطوعةً من شجرة

مرّتْ عنّي أجيالٌ لا تُحْصى

حتّى نهضتْ الرسوم من جدران فمي



تذكّرتُ كلمةً من الماضي الآسن

وكدتُ أنطقها



بل كدتُ أنطق ثلثها



لعلّي لم أنطقها



لعلّي فكّرتُ بها



فأدار العالم عنقه

همّتْ أجسادٌ عملاقةٌ بالنهوض

وأطلّ اسمي المبلول برأسه الكبير



منذها

منذ آلاف السنين

وأنا أسمع صريرًا طويلًا

ودويّ أسنان العالم الساقطة



***



عين الشحرور



بعد قليل

سيسقط قرص حياتي في حضني



لن يحدث الكثير بعد ذلك



الّذين تمنّيتُ لقاءهم ماتوا

البلد الّذي حلمتُ به

صار أغنية رابْ في سيّارةٍ بعيدة

الخيول الّتي ربّيتها في صغري

عضّت ذراعي

ولا يبدو أنّها ستفلتها



في كلّ الأحوال

محبرتي كبيرةٌ

ولا يبدو بأنّي سأعيش وأفرغها

القصائد الّتي تمنّيتُ كتابتها زججتُها في كفنه

والأخطبوطات الّتي نتأتْ من ظهري

علّمتُها كيف تتلمّس غيابه



أجلس فوق صخرة الشوق

وأنتظر أن تنحتني الريح

فأصير شحرورًا بعينٍ كبيرة

عينٍ كبيرةٍ وعميقة

سأرى فيها قرص حياتي الجديد

ربّما لن أذكر أنّني كنتُ أنا

وأنّ هذه الشجرة

الّتي ستصير بيتي

كانت شيئًا غامضًا كأنّه أبي.



*شاعرة من فلسطين.


التعليقات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها


الأسم *
البريد الألكتروني
البلد *
التعليق *
رمز الحماية: أكتب الثلاثة أرقام السوداء فقط captcha image
New Page 1